روسيا تعمل على عودة التعددية القطبية في العلاقات الدولية (10)

لقد ذكرت في الحلقتيين الماضيتيين بان روسيا أصبحت قطباَ دولياَ جديداَ وستعيد التوازن في العلاقات الدولية . وبينت ان ظهورها كقطب دولي لا يحتاج الى اعلان او قرار من الامم المتحدة او مجلس الامن , او ان يقوم الرئيس الروسي مدفيديف بالقاء خطاب يقول فيه ان دولته اصبحت قطباَ ثانياَ . وانما ما يؤكد ذلك هو من خلال معاينة دورها وتاثيرها اليوم  في السياسة الدولية, والمواقف العملية التي إتخذتها في القضايا الخلافية بينها وبين الولايات المتحدة , وبعضها حسم لصالحها, وذلك نظراَ لما تمتلكه من مقومات تؤهلها لأعادة التوازن , وسأوضح بعض من القضايا والمواقف التي دار صراع حولها وحسمت لصالح روسيا , كماسأقدم معطيات تؤكد على ان روسيا هي اليوم دولة قطبية  ستكون قادرة على اعادة  التوازن في العلاقات الدولية  .

التحولات في السياسة الخارجية الروسية :

طرأت تغييرات وتحولات في السياسة الخارجية للدولة الروسية , فقد تبنت روسيا توجهاَ جديداَ في سياستها الخارجية يستند على رفضها لهيمنة القطب الواحد , مع تبني نهج الأنفتاح في السياسة الخارجية مع بلدان أوربا الغربية وبلدان العالم الأخرى وتعزيز العلاقات الأقتصادية والسياسية معها للعمل باتجاه  بناء عالم متعدد الأقطاب . وإتخذت إجراءات لأثبات دورها الجديد في الموقف من قضايا عدة والتي  كانت محط صراع بين روسيا والولايات المتحدة الامريكية حيث كانت روسيا غير قادره على خوض هذا الصراع بعد انهيار الاتحاد السوفياتي , ولكن روسيا بعد مضي عقدين حسمت كثير من قضابا الصراع لصالحها ومن هذه القضايا التي دخلت في صراع فيها مع الولايات المتحدة :

1- الرد الروسي على العقوبات الاقتصادية التي اتخذتها امريكا بعد احتلال العراق في عام 2003 :

بعد شن الحرب على العراق واحتلاله في عام 2003 قررت امريكا معاقبة روسيا اقتصادياَ جراء موقفها المعارض للحرب , روسيا كان لديها عقود نفطية في العراق بقيمة 40 مليار دولار , حيث كانت شركاتها تقوم بأستكشاف وانتاج النفط في جنوب العراق وبالذات في حقل الرميله النفطي . أمريكا أتخذت قرارها بألغاء هذه العقود مع روسيا كأجراء عقابي لها لموقفها من الحرب كذلك عاقبت فرنسا ايضاَ . وبما ان روسيا دولة غنية بمواردها النفطية وبأمتلاكها للتكنولوجيا  , وفي تلك الفترة بدت أكثر استقلالية وأكثر قدرة وتأثير مع تنامي قدراتها الاقتصادية والعسكرية . فجاء الرد الروسي سريعاَ جداَ ومفاجئاَ للادارة الامريكية , ففي خطوة حاسمة وكأنها تؤشر بعودة اجواء الحرب الباردة بين الدولتيين . (( فقد تم إعتقال المليالدير الروسي خدروفسكي في 25/ تشرين أول 2003 بتهمة التهرب من دفع الضرائب و أممت الدولة مجموعته النفطية العملاقة يوكوس وجرى إعتقالة بعد لقاء سري بين خدروفسكي ونائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني في 14 يوليو 2003 وبدأ خدروفسكي بعد لقائه بديك تشيني محادثات مع شركات

( ExxonMobil )  و(chevronTexaco)  حول توليهم موقع القيادة في يوكوس والمشاركة في مستوى ما بين 25% و40% من الأسهم بهدف إعطاء خدروفسكي حق الحصانة الفعلية ضد إمكانية تدخل حكومة بوتين نتيجة ارتباط يوكوس بالأحتكارات النفطية الأمريكية العملاقة وبالتالي بواشنطن))([1] ). ان هذا الاجراء الروسي من وجهة نظري ليس هو يهدف لوضع حد  لأقوى رجال الأعمال وأصحاب الشركات الذين أصبحوا أدوات بيد واشنطن للتأثير على سياسة روسيا وإضعافها داخلياَ وخارجياَ فحسب , وانما يهدف لتوجيه رسالة للولايات المتحدة الامريكية بان روسيا قادرة على الرد وعلى مواجهة اي تحديات , لا سيما وان دقة المعلومات التي جمعتها الحكوممة الروسية  عن خدروفسكي ولقاءاته في الخارج , ارادت روسيا ان تقول ان جهازها الاستخباراتي قادر على رصد وكشف اي عمل مضاد للدولة . ان العملية ذات الطابع الاستخباراتي التي تمت عند اعتقال خدروفسكي وما تبعها من تأميم لشركاته , وتأسيس شركة تابعة للدولة باسم (غاز بروم ) , هذا يؤكد على قدرة الحكومة الروسية في رسم سياستها , وانها قادرة على مواجه التحديات الكبيرة التي تخطط لها واشنطن من أجل محاصرتها وإضعافها معتمدة في ذلك على مواردها في مجال الطاقة وعلى إستقرارها السياسي وتطورها الأقتصادي والعسكري والتكنولوجي لا سيما وان الولايات المتحدة الامريكية بدأت تدرك من الصعب عليها تجاهل الدور الروسي في القضايا الاقليمية والدولية  .

2- توسع حلف الناتو :

لم تكن الحكومة الروسية في فترة الرئيس يلتسن قادرة على العمل لوقف توسع الناتو, بسبب حاجتها للمساعدات الاقتصادية من الولايات المتحدة الامريكية ولارتهانها لصندوق النقد الدولي وللأزمة الاقتصادية التي مرت فيها . فقد تنازلت طوعاَ عن نفوذها في محيطها الاقليمي والدولي وقد وافقت على توسع الناتو. لقد امتد توسع الناتو لجمهوريات كانت محسوبة سابقاَ على الأتحاد السوفياتي والمتاخمة لحدود روسيا كأستونيا ولاتفيا وأصبحت جمهورية جورجيا مرشحة لعضوية الناتو. ان روسيا تدرك ان توسع الناتو شرقاَ هو يستهدفها وانها ستكون هدفاَ في هذا التوسع .بدأت روسيا في عهد بوتين وبالذات في المرحله الثانية من تسلمه السلطة , بمقاومة الأستراتيجية الأمريكية في توسع الناتو وبدأت تتحرك من الدفاع البسيط إلى الهجوم لضمان مواقف جيوسياسية أكثر حيوية معتمدة في ذلك على تنامي قوتها الأقتصادية  والعسكرية والتكنولوجية وإمتلاكها لمصادر الطاقة . عملت روسيا على بقاء دول الكومنولث المستقلة بعيدة عن نفوذ الناتو ونفوذ السياسة الأمريكية ,وعززت روابطها مع هذه الدول ووقعت معها اتفاقيات تعاون اقتصادي وأوصلت لها الغاز الروسي , وعملت على التأثير عليها لمنعها من الدخول في الناتو والوقوف بوجه توسع الحلف . كما تعارض روسيا دخول دول البلطيق في الحلف وهي لاتفيا وإستونيا وليتوانيا كما تعلن موسكو أن من حقها التدخل في دول البلطيق لوجود أقليات روسية في هذه المنطقة .فأن هذا التحرك الروسي في محيطها الاقليمي , يؤشر ان روسيا في صراع ومنافسه مع الولايات المتحدة , كما ان روسيا مارست وتمارس مختلف اشكال الضغط عليها لمنعها من توسع الناتو شرقاَ . كما تدرك روسيا أهمية نفط منطقة قزوين ,ولهذا تعتبرتوسع الناتو أحد البؤر الخطيرة التي توتر الصراع بين الناتو وروسيا , وما اكدته احداث الحرب في جورجيا حيث شنت القوات الروسية حرب خاطفة وسريعه وحاسمه في يوم 8/ آب 2008 رداَ على احتلال القوات الجورجية لاوسيتا الجنوبية في 7/آب 2008 الحرب الخاطفة التي شنتها القوات الروسية , كان لها نتائج كبيرة على صعيد المنطقة لصالح روسيا ووجهت روسيا من خلال هذه الحرب الخاطفه رسائل الى دول عدة منها اوكرانيا التي لديها خطط بالانضمام الى الناتو , اكدت نتائج الحرب ان روسيا قادرة على وقف زحف الناتو باتجاه الشرق  .

3- نصب الدرع الصاروخي الامريكي :

الدرع الصاروخي الأمريكي التي قررت الولايات المتحدة اقامته في بولندا وجمهورية التشيك , اثار مخاوف روسيا , وخصوصاَ بعد توسع حلف الناتو إلى الحدود الروسية بدخول العديد من الدول الشرقية إلى العضوية في حلف الناتو. وتعتبر روسيا ان نصب الدرع الصاروخي يستهدفها . وتفند الادعاءات الامريكية التي تقول ان نصب الدرع الصاروخي هو لمواجهة الصورايخ الايرانية . وترى روسيا أن ايران لا تملك التقنية الصاروخية التي تستطيع من خلالها ضرب الدول الأوربية كما تدعي الولايات المتحدة , نصب الدرع الصاروخي يعد احد المشاكل القائمة بين البلدين الآن و صعدت روسيا من ضغوطها على امريكا لمنعها من نصب الدرع الصاروخي , فلم تكترث امريكا لهذه الضغوط السياسية الى ان وصل الامر الى التصعيد العسكري وبالذات في عام 2007 , حيث إنتقلت الولايات المتحدة من المجال النظري إلى المجال العملي وقامت بخطوات تحضيرية ,  إعتبرت روسيا ان الاجراء الامريكي العملي هو تصعيد للازمة السياسية القائمة بين البلدين حول نصب الدرع الصاروخي . (( وقد حذرت وزارة الخارجية الروسية في 3 تشرين أول 2007 بأن روسيا ستتخذ الأجراءات الضرورية إذا نشرت بولونيا منظومة الدرع الصاروخي الأمريكي الجديدة ))([2] ) ان التحذير الروسي يعد تحدي لمواجهة الخطط الامريكية وإنتقل هذا التحذير إلى خطوات عملية بأتجاه الفعل لمواجهة نصب الدرع الصاروخي (( حيث قامت القوات الروسية في 25-12-2007  بأجراء اختبار ناجح على صاروخ باليستي مدمر جديد أطلق من غواصة نووية( بأسم ستينيفيا) وهو الصاروخ التي أكدت المصادر العسكرية الروسية انه قادر على اختراق الدرع الصاروخي الأمريكي , كما أجرت روسيا اختبارات ناجحة على الأنظمة الصاروخية القادرة على اختراق وتجاوز جميع المنظومات الدفاعية المضادة للصواريخ , ومن المتوقع نصب الأنظمة الروسية في منطقة عسكرية في شمال القوقاز في كالينينجراد التي ستغطي تلك الأنظمة  مناطق جميع جنوب القوقاز وبولندا لمواجهة الدرع الصاروخية الأمريكية والتي من المتوقع أن يبدأ تشغيلها في عام 2012 ))([3] )  ان هذه الخطوات العملية التي اتخذتها روسيا , بلا شك تؤكد على تطور قدراتها التكنولوجية والعسكرية وتؤكد انها عائدة بحيوية وقوة لفرض دورها وووجودها وارادتها في محيطها الاقليمي والدولي بعد فترة تراجع خلال حكم يلتسن بعدإنهيار الأتحاد السوفياتي .ان الموقف الروسي القوي اجبر الادارة الامريكية للتفاوض مع روسيا حول نصب الدرع الصاروخي , فبعد تسلم الرئيس الامريكي اوباما مهامه كرئيس للدولة الامريكية قام بزيارة الى روسيا  في 6-7-2009 , واجرى مفاوضات مع الرئيس الروسي مدفيديف في قضايا اقليمية ودولية عدة منها نصب الدرع الصاروخي , ومن خلال ما ذكرته وكالات الانباء ان الادارة الامريكية تعهدت بتأجيل نصب الدرع الصاروخي والتفاوض حوله لاحقاَ . وهذا مؤشر يؤكد على ان روسيا قادرة على إستعادة دورها في السياسة الدولية والتأثير فيها , وبما تمتلكة من قدرات عسكرية ونووية وتكنولوجية وموارد طبيعية وقوة اقتصادية ,  ان هذه الامكانيات مكنت روسيا لتكون أحد الأقطاب في الساحة الدولية الموازية للقطب الأمريكي , وانها قادرة على اعادة التوازن في العلاقات الدولية باتجاه بناء نظام دولي متعدد الاقطاب .

( يتبع)

1-11-2011 .

 

You may also like...