ديمقراطيتنا الكاذبة !!

         
                                                       

 

الديمقراطية مفهوم عميق المعاني والدلالات , والأكثرية من المجتمعات باتت تعرف المعنى والمقصود من هذا المفهوم .. ولسنا هنا بصدد تعريف الديمقراطية أو شرحها بقدر ما نحن بصدد وجودها وتطبيقها في مجتمعاتنا التي ترفع شعار الديمقراطية وتنادي به من جهة وتتعامل بمنتهى الدكتاتورية من جهة أخرى !

 

إن تطبيق الديمقراطية والسير على نهجها لهو من أصعب الأمور في مجتمعاتنا التي أبت إلا أن تكون كما ذكرنا وكما هو معلوم للأكثرية دكتاتورية بكل ما في الكلمة من معنى والدليل واضح ولا يحتاج سوى وقفة قصيرة وتأمل عن كثب في كل مفاصل الحياة ومجالاتها المتعددة .

 

يظن الكثير من البسطاء أن الديمقراطية حالة خاصة بالسياسة والسياسيين وهي مقتصرة على هؤلاء دون غيرهم ! ويظنها البعض وصفة تؤخذ حالها حال أي وصفة أخرى لتأتي بمفعولها خلال دقائق أو ساعات .. ناسين أو متناسين أن الديمقراطية فعل قبل أن تكون قول وممارسة قبل أن تكون شعار وهدف قبل أن تكون كلام ! لذا نقول من السهل التشدق بالأقوال .. ولكن من الصعب التطبيق كممارسات وأفعال !

 

ولو نظرنا عن قرب الى مجتمعاتنا كأفراد عاديين أو سياسيين ( حيث بات الكل يتكلم في السياسة مع العلم أننا نفتقر الى السياسيين !! ) أو أحزاب وسلطة أو مواطنين وغير ذلك .. وتمعننا وحللنا لأستنتجنا وبكل تأكيد أن لا مكان لتطبيق الديمقراطية لا من قريب ولا من بعيد ! بل لا وجود لها إلا في الخيال , إذ أن مجتمعاتنا من أبسط أفرادها وإلى أعلى قمم السلطة والحكام وأصحاب القرار فيها لا تطبق الديمقراطية بل ولا تعترف بها أصلاً وإن حدث وأعترفت فهو من باب الكلام الفارغ والشعارات الرنانة فقط ! إذ أن تركيبة مجتمعاتنا وتعامل أفرادها فيما بينهم هو الدكتاتورية بعينها والأمثلة على ذلك كثيرة جدا ً .. فالفرد محكوم إبتداء ً من داخل الأسرة بدكتاتورية الأب أو الأخ الأكبر أو العم أو الخال .. ثم هؤلاء محكومون بدكتاتورية شيخ العشيرة , كذلك الفرد محكوم بدكتاتورية رئيسه في العمل أو مديره .. أو رئيسه في الحزب أو الجهة او الكتلة التي ينتمي إليها .. وتشمل الدكتاتورية أيضا تسلط الأكبر على الأصغر والأقوى على الأضعف وووو …. وتتسع الدائرة لتشمل المجتمع ككل إذ أن الكل دكتاتور بطبعه ومتزمت برأيه ومتشبث بفكره بغض النظر عن صحة أعتقاده وتفكيره وهكذا .. والمحصلة تركيبة مجتمعية محكومة من الكل وبالكل !!

 

فمثلا ً نتكلم عن الديمقراطية في الأنتخابات العامة ( وكأن الديمقراطية هي في هذا المجال فقط ) الذي ما هو إلا جزء بسيط من الحياة اليومية للأفراد والمجتمع , ولنفرض جدلا ً أو نتخيل وجود نوع بسيط من أنواع الديمقراطية في هذه العملية المصيرية .. فما هي في الحقيقة إلا زائفة ومصطنعة وهي بالمظهر فقط لا أكثر ( صناديق إقتراع وأستمارات وناخبين … ) أما جوهر العملية فهو أيضا دكتاتورية إذ أن الكل محكوم هنا أيضا ً وبالعديد من الأشكال ( الكتلة والحزب والعشيرة وفلان وفلان وووو ) !! وبمعنى أخر أننا هنا نجسد الدكتاتورية بأسم الديمقراطية والدليل الواضح على ذلك أن لا أحد يقبل بالنتائج أو يرضى بها .. ولا يتقبل الفشل أو الخسارة وهذا عكس ما تنادي به الديمقراطية تماما ً .

 

إن الحقيقة التي قد لا يقبلها البعض ويعترض عليها البعض الآخر هي أن الديمقراطية عندنا هي فقط كلام وشعارات وخطب .. أما على أرض الواقع فلاشيء بتاتا ً ! إذ أن العكس هو الصحيح , لأن الديمقراطية كما ذكرنا في بداية المقال ممارسة قبل كل شيء وهذه لا تأتي إلا بتجارب وخلاصات وسنين من الممارسة الفعالة وما تتطلبه العملية ككل من نزاهة وشفافية وثقة بالنفس وروح رياضية تقبل بالوقائع ..

 

وقبل أن نختم مقالنا البسيط هذا نقول :

 

أن تقبل بمقترح صاحبك , وأن تناقش زميلك , وأن تحترم رأي الآخر مهما كان .. وأن تصغي لكل فكرة مهما كانت صغيرة .. وأن تقبل بالفشل في نيل أي منصب , وأن تتعامل بأحترام مع الكل , وأن لا تفرض آرائك دائما ً , وأن لا تهدد وتتوعد وتنتقم من الآخرين .. وأن تكون واضحاً وصريحاُ في كل المواقف , وأن تفضل المصلحة العامة , وأن تقبل النصيحة وتتقبل الواقع , وأن تعترف بالآخر كائن من كان , وأن تكون بسيطاً في التعامل وشفافاً وحريصاً على المسؤولية ومراعياً للضمير .. تلك هي الأجواء والظروف للديمقراطية وهذا هو مناخها الذي تنمو فيه وتثمر لتأتي بأفضل النتائج للمجتمع ككل ..

 

سؤالي هنا وبكل صراحة هل هذا موجود في مجتمعاتنا ؟

 

أترك الأجابة للقاريء الكريم .. وأقول :

 

لنوفر المناخ المناسب للديمقراطية ولنبدأ من الآن , في البيت والمدرسة والشارع , في العمل والتعامل وفي كل مرافق المجتمع ومجالاته .. بين الأفراد , بين الرئيس والمرؤوس , بين الأصدقاء والأقرباء وبين الكل , بتواضع وسهولة وبساطة .. وإلا كيف لنا أن نتحدث عن الديمقراطية ؟ وإن تكلمنا أو حاولنا حتى دون ذلك فديمقراطيتنا في كل الأحوال كاذبة !!

 

غسان حبيب الصفار

      20 / 5 / 2015 / كندا

You may also like...

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *