هل نسى قادة حركة التغير والاحزاب الاسلامية بعض الحقائق التاريخية عن اقليم كردستان ؟


يوحنا بيداويذ
يوحنا بيداويذ

يمر اقليم كردستان في وضع امني عصيب غير مستقر في هذه الايام، خاصة بالنسبة للمسيحيين ( الارمن والكلدان والاشوريين والسريان) لم يشهده منذ سنوات كثيرة. بسبب خطابات بعض رجال الدين المتعصبين و وموقف احزابهم .

لكن السؤال المهم الذي يجب ان يسأله كل كردي وغير كردي من اهل المنطقة ، كل مسلم ومسيحي ويزيدي،  هل يتذكروا شيئا عن  ما حدث خلال ثلاثين سنة او اربعين سنة الاخيرة في هذه المنطقة؟ هل يعرفون كم كانت الدماء التي سالت من اجل نيل  المنطقة الحرية والامان والديمقراطية والعدالة؟
هل نسوا ايام يوسف نزير (رجل المخابرات) في شوارع زاخو كيف كانوا يتمنون الاختفاء في شقوق الارض من سطوته ؟

لنذكرهم جميعا بقليل من ذلك التاريخ الاسود، المصبوغ بدما الشهداء لا فقط من الاخوة الاكراد وانما من المسيحيين وكل العراقيين.

بعد انهيار الجبهة الكردية في 6 اذار 1975 بعد معاهدة الجزائر  التي اقيمت بين ايران والعراق (بعد ان غدر الشاه محمد رضوي وامريكا  بسكان المنطقة وقيادتها السياسية)  عاش الاكراد 15 سنة في اصعب ظروف من تاريخهم الحديث (1) ، فكان الذل والقحط والتميز العنصري وصعوبة العيش والحرمان وعدم ارسال الاطفال الى المدارس  والتشريد والقتل (الاعدام بدون محاكمات) والترحيل والتهجير القسري الذي مُّرسَ ضدهم في اسوء اشكاله. كذلك مرت سنوات عصيبة في كفاحهم المسلح  الذي كلف آلاف الارواح ، بحيث وصل عدد شهد الانفال الى 180 الف قتيل ومفقود ومعوق  اغلبهم من الشعب الكردي.

وحينما رد نظام صدام حسين على انتفاضتهم نهاية اذار  سنة 1991 بعد حرب الكويت، نزح اكثر من مليون ونصف من الاكراد  والاقليات ( الكلدان والاشوريين والسريان واليزيديين والارمن و العرب ) الاخرى من سكان المنطقة الى جبال كردستان في تركيا وايران وسوريا، حينها سلط الاعلام العالمي على الكارثة الانسانية التي حصلت بهم  شعرت امريكا بحرجها امام الدول الاخرى العالم .
فقررت دول الحلفاء اقامت جسر  جوي لنقل الامدادات والمساعدات واتخذ قرار في مجلس الامن بإقامة المنطقة الامنة لهم فوق خطا 38 الدولي. ومنذ ذلك الحين كان الاكراد مع الاقليات يعيشون بأمان على الرغم  صعوبة الحياة  من جراء حصار الاقتصادي على العراق.

لكن بعد ان قررت امريكا وحلفائها تغير نظام صدام حسين 2003  حينها ظهرت فرصة ذهبية اخرى للاكراد واهل المنطقة لنيل حقوقهم لم تظهر من قبل ابدا فعاشوا منذ ذلك الحين وهم احرار وقرار الحكم في يدهم.

ماذا حقق الاكراد خلال عشرين الماضية؟

على الرغم من اعتراف معظم القادة السياسيين للاقليم  من عدم تحقيق كل الطموحات والاهداف التي كانوا يَصبُون اليها ،  لكنهم بلا شك حققوا اهم شيء بالنسبة لهم الا وهي نيل الحرية التامة والمطلقة لاول مرة  في تاريخهم ، كذلك مارسوا منذ 1992 عدة انتخابات ديمقراطية ، فانتخبت عدة دورات برلمانية وشكلت عدة وزارات منذ ذلك الحين وتم الاعتراف بقانون الفدرالية في الدستور العراقي الجديد الذي يضمن حدود اقليم كردستان الحالي، وصعدت الحياة العمرانية والتجارية والثقافة وانشأت عدة جامعات واقيمت فيه عدد كبير من المؤتمرات العالمية و العراقية والعربية والاقليمة.

لكن مع هذا نستطيع نقول لم تحقق كل الطموحات  لا سيما وجود الفساد والتبعية والواسطات وغيرها من الامور التي هي منغرسة في طبيعة الشرقيين و الموجودة في دول المنطقة  الى حد العظم،  نتمنى ان يستطيع قادة الحكومة في الاقليم و القادة السياسيين والمثقفين واعضاء جميع الاحزاب القضاء على هذه المظاهر غير الطبيعية وغير الانسانية وتحقيق العدالة وتطبيق القانون على الجميع، دون اي تميز على اساس ديني او حزبي او قبلي او بهديني او صوراني او قومي . ان يكن فوق الجميع القانون دون استثناء.

كيف تعامل القادة السياسيين في اقليم كردستان من الاقليات لاسيما المسيحيين؟

من خلال لقائي بأغلب المسؤولين السياسيين من ابناء شعبنا خلال زيارتي الى الاقليم كما قلت عام 2009 او خلال زيارت بعضهم الى استراليا ، اقر الجميع ان الاخوة الاكراد في حكومة الاقليم (2) قدموا المساعدات الكثيرة لابناء شعبنا، لا سيما بعد الضربات التي قصدتهم  مابين عام 2004 ولحد الان والتي اجبرت الكثير منهم الهجرة الى منطقة الاقليم، وان مشاريع لجنة المسيحيين التي يشرف عليها الاستاذ سركيس اغاجان ساعدت الكثيرين ولازالت تساعد على الرغم  من ظهور  بعض النواقص  الادارية فيها.
اقرت القيادة السياسية و برلمان الاقليم  خمس مقاعد عن طريق كوتا للاقليات المسيحية (الارمن والكلدان والاشوريين والسريان)، وكثير من الوظائف اسندت الى الشخصيات الكفوءة من ابناء شعبنا  و لازالوا يمارسون فيها.

اين هي نقاط الضعف عند الاكراد حاليا؟

كما قلنا خلال عشرين سنة الماضية حدث كثير من التطور الاداري والخدمي والتعلمي والنقل والبناء وشق الطرق وحل النظام في كثير من مفاصل الحياة بصورة عامة . لكن الصراع كان لا يزال مستمر (كما الحال في اي مجتمع اخر في العالم)  لاسباب كثيرة منها ادارية وانتشار الفساد ومنها دخول ايادي الغرباء في المنطقة عن طريق التجارة والهجرة والدين  او السياسيين! ومنها العقلية القبلية الكردي المتوارثة منذ قرون طويلة التي كانت دوما  ارضية خصبة وسهلة لرجال الدين للاختراقها  والاستناد عليها لتحريك الشارع الكردي بسبب والجهل (3).

يقال ليس عيب ان تخطأ في المرة الاولى، ولكنه العيب كله يكون حينما تخطأ  نفس الخطأ مرتين. والشعب الكردي ( مع احترامي له) قد اخطأ كثير من المرات في التاريخ. والسبب دوما كان رجال الدين المتعصبين الذين كانوا ولا زالوا ادات التحطيم والتخريب و التهديم للتيار الانساني المتطور بين قومهم وفي المنطقة.

في المرة الاولى
انه اصبح عبدا مطيعا لجميعة الاتحاد والترقي  التركية  ذات الاهداف العنصرية النازية التي ارادت صهر جميع القوميات الاثنية في تركيا ، من العرب والاكراد والجورجيين واليونانين والصربيين والكلدان والاشوريين والسريان في القومية التركية الطورانية(4) ، كانت القومية  الكردية هي القومية الوحيدة لم تنتفض ضد الامبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الاولى بعد ان اقنعهم رجال الدين في حينها  ان وجود الدول الغربية في المنطقة يكون لغير صالحهم. لكن منذ حين ولحد الامس لم ينال اكراد تركيا من عدالة  جمهورية تركيا الفتية سوى الاعتراف الاخير من اردغان بمذابح ديرسم وتركوا مئات المناسبات الاخرى!!!.

المرة الثانية:
بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى وفضح معاهدة سايكس- بيكو  (التي يعتقد الكثير من المؤرخين بأنها كانت اكثر عادلة من معاهدة فرسايي وباريس فيما بعد)  انقسم الاكراد مرة اخرى  حسب رؤساء عشائره وطموحاتهم الشخصية بين مؤيدي كمال اتاتورك والانتماء الى الهوية التركية الطورنية،  وبين تيار الكردي الذي يرغب بالتحرر والاستقرار ونيل حقوقهم(5).

المرة الثالثة : لم تحدث  لحد  الان
لكنها قد تحدث  لا سامح الله وهي الانقسام الكردي بعد الاحداث الاخيرة في زاخو وسميل و شيوز ودهوك.
ان حقيقة الصراع الدائر في المنطقة ليس سببه وجود محلات الخمور او مرافق السياحية مثل الفنادق والنوادي والمطاعم وانما هو صراع قائم  بين من يريد العودة  الى وضعية  ما قبل مئة سنة حينما كان قرار السياسي المنظم  مفقود ورجال الدين هم يقود المجتمع الكردي،
وبين النخبة السياسية ، من لهم تجربه مبنية على المحن والحروب والقتال ودفن الشهداء بأيديهم والهجرة والغربة والتميز العنصري وخيانة الاصدقاء من  اجل نيل الحرية والحقوق .
هذا الصراع لا سامح الله ان لم يخمد  سيترك فرصة تاريخية لدول المجاورة للقضاء على النعمة التي يعيش فيها سكان الاقليم ( ذو اغلبية كردية طبعا)  في هذه الايام وهي امتلاك الحرية و النظام الديمقراطي والتعلم والتجارة والبناء والاهم من كل هذا هو العيش في  ظروف تتوفر فيها امن وسلام الامر الذي افتقدوه الاكراد  قرونا عديدة!

هل يمكن اصلاح العلاقة بين الاكراد وابناء شعبنا؟

بالتأكيد يدرك جميع الاكراد بمن فيهم (الذين اشعلوا شرارة الفتنة في زاخو)، ان المسيحيين بجميع فئاتهم كانوا منذ القدم هناك وليس وجودهم طاريء كما يعتقد البعض منهم . وكانوا شركاء لهم على مر التاريخ في السراء والضراء، وان قيادة الحركة الكردية يدركون جيدا كم كانت مشاركتهم في حركة ايلول منذ سنة 1961 ولحد اليوم (ومن يشك ليذهب ويدقق سجل شهداء الحركة الكردية على الاقل.)

ان الجواب لهذا السؤال هو بالتأكيد نعم ، هناك فرصة كبيرة لاصلاح الوضع، الامر يتطلب من الجميع الاعتراف بسيادة القانون وقبول مسؤولية الخطأ الذي حصل من اجل المصلحة العامة وليس المصلحة الحزبية الضيقة ،  وكذلك على الجميع  الاعتراف  بحقوق  ووجود الاخر و العودة الى القيم الانسانية التي اسمى ما هو موجود في جوهر جميع الديانات ، يجب ان يكون كل واحد حريص وحذر جدا جدا  لما قد يحدث للتجربة الكردية الحديثة من جراء هذا الانقسام.
والامر الاخر والذي هو مهم جدا حسب رأئي ، يجب ان ينظر الاكراد المتعصبين دينيا الى التاريخ بنظرة موضوعية وعادلة، ويشخصوا ما حدث للابناء القومية عبر التاريخ  بسبب رجال الدين ومواقفهم،  وكذلك ما حدث للدول التي قادها رجال الدين في ثلاثين سنة الاخيرة وايران احد اهم الامثلة منها .فهل الحرب والجوع والموت والنار والعيش في الكهوف افضل من العيش في مجتمع مدني يسوده قانون وعدالة وحرية الراي والمساواة .

…….
1-لازلت اتذكر حينما قدمت الى زاخو من بغداد سنة ايلول 1980  من اول نظرة على جبال كردستان من فوق جبل الابيض على الجهة المقابلة كانت منطقة سوداء محروقة  كي لا يستطيع الثوار العيش هناك. بعد ان رحل سكان معظم القرى الكلدانية والكردية  منها سنة 1976م.

2-من خلال مطالعتي لتاريخ  الحديث للاكراد ومتابعتي لقصص واحاديث  لاشخاص مقربين من المرحوم قائد الحركة في عصر الحديث الملا مصطفى  البرزاني كانوا دوما ايجابيين ومعتدلين مع ابناء شعبنا.

3-كان احد اهم اسباب سقوط الامراء الاكراء عبر التاريخ مثل مير كور الراوندوسي وبدرخان بك  في القرن التاسع عشر هم رجال الدين، فالاول اعطيت فتوى ضدهم من قبل الرجل الدين المشهور (؟؟؟)  والثاني  كان رجال الدين هم من شجعوه على القيام بالمذابح ضد المسيحيين واليزيدين في حينها ( مذابح بدرخان بك ضد الاشوريين النساطرة عام 1842- 1846).

4-على الرغم من ان اثنين من اربع طلاب الذين اسسوا  هذه الجميعة كانوا اكراد القومية، إلا  قادة الجمعية بعد استلائهم على الحكم اتخذوا قرارا سياسيا سريا بصهر جميع القوميات والكردية من ضمنها في القومية التركية الطورانية الاتاتوركية؟

5-عدد كبير من رؤساء القبائل الكردية  فضل الحكم التركي على ولاية الموصل سنة 1925م ، فكاد يسقط مشروع انتماء ولاية الموصل الى جمهورية العراقية.

عن الكاتب

عدد المقالات : 49

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى