نهاية المسيحية في العراق


عمانوئيل تومي
عمانوئيل تومي

كل الاحداث والدلائل تشير الى ان العراق يجري افراغه من مكونه الاصيل ,  المسيحيين ( الاشوريين , الكلدان , السريان ) تصاعد ذلك خاصة في السنوات العشرة الاخيرة ضد هذا المكون  الذي  يعود تاريخ تواجده على هذه الارض لالاف السنين . ان العنف سواءا  العشوائي  او المخطط  قد ازداد ليشمل  جميع مكونات الشعب العراقي وقد استغلت (بضم التاء) ظاهرة العنف المتزايدة هذه للتركيز على المكون المسيحي من قبل جهات معينة هدفها افراغ البلاد من هذا المكون الصغير في الحجم ولكن الكبير في حضوره وتاريخه ووزنه الحضاري   بقصد التطهير  العرقي  والوجود البشري وخاصة من قبل قوى التطرف الاسلامي والذين لغرابة القدر التقت مصالحهم واهدافهم مع قوى الاحتلال المسيحي  ومن يقف وراء قوى الاحتلال  من اجندات ومنظمات  دولية / اقليمية / ومحلية .

من الطبيعي ان هذا الاستهداف ليس موجها فقط ضد المسيحيين او منطقة عن اخرى بل يشمل جميع مناطق العراق وفئاته وهذا التزايد في الاحتراب السياسي  والعنف الطائفي قد ادى ولا يزال يؤدي الى تمزيق البلد وتجزئته الى مناطق حسب الطائفة والهوية وبالتالي بهدف تحويلة الى ولايات او دويلات صغيرة (mini states (, ان تردي الاوضاع الامنية في السنوات الاخيرة والاستهدافات التي تطال المكونات الصغيرة بشكل خاص ادت الى اجبار اعدادا كبيرة من هذا المكون الاصيل الى حزم حقائبهم ومغادرة مناطق سكناهم الى مناطق اكثر امنا  في داخل البلاد او الى البلدان المجاورة على امل الالتحاق بعوائلهم او اقاربهم في بلدان المهجر .

نتيجة لهذا الوضع المأساوي للشعب العراقي  بشكل عام والمكون المسيحي بشكل خاص , بدأت تتكون لدينا ظاهرة ما يمكن ان نطلق عليها ( شعب من اللاجئين ), ان الوضع بشكل عام هو خطير ويفوق التصور , اي بمعنى اخر ان تحرير العراق في 2003 على يد الامريكان ( المسيحيين ) اتى بنتائج ماساوية ومدمرة لمسيحي العراق والذين لا تربطهم بهم اية رابطة لا من قريب ولا من بعيد .

لقد تعرض المسيحيين ( الاشوريين , الكلدان , السريان ) والمكونات الصغيرة الاخرى من ارمن وصابئة مندائيين الى (( pogrom)) هجمات ارهابية واختطاف  وتهجير قسري من مناطق سكناهم في بغداد بشكل خاص وبعض مدن الوسط والجنوب بالاضافة الى تفجير كنائسهم ودور سكناهم , وان حملة الترهيب والابتزاز والمضايقات وتفجير الكنائس والاجبار القسري  على تغيير الدين والحرمان من الحقوق السياسية والتمثيل الحقيقي في الحكومة بالاضافة الى تدمير الممتلكات , ليست هذه سوى بعض الامثلة  للانتهاكات المتعمدة لحقوق الانسان التي تجري ضد المسيحيين العراقيين ابناء البلاد الاصليين .

حسب الاحصاءات التخمينية , فانه كان عدد مسيحيي العراق يقدر ب 6% الى  9% من مجموع السكان البالغ عددهم حوالي 27 مليون انسان , وان غالبية هؤلاء يسكنون في مناطقهم التاريخية الاصلية في سهل نينوى والمدن القريبة منها مثل الموصل ودهوك واربيل . اما الان وبعد ثمان سنوات من الترهيب والتهجير والقتل على الهوية فقد تناقص العدد الى ان وصل وحسب التخمينات الى حوالي 400 الف انسان , اما اوضاع المسيحيين في المناطق الاخرى في الوسط والجنوب فليس افضل من سابقيه ,  فهم دائما عرضة الى هجمات الارهابيين والاسلاميين المتشددين وحتي عصابات الاجرام تحت ذريعة ان ”  مسيحيي العراق هم عملاء المسيحيين الامريكان ” وكأن المسيحيين العراقيين  هم الذين جلبوا الامريكان الى العراق وليس من يجلس على سدة الحكم منذ سقوط النظام البائد ولحد الان ؟

لنضع النقاط على الحروف بعيدا عن التخمينات والتقديرات فلو ترجمنا الوضع المأساوي للمسيحيين العراقيين الى ارقام لاكتشفنا واقعا مريرا وخطيرا , فبناءا على الارقام الصادرة من الهيئة العليا للمهجرين التابعة للامم المتحدة , فان حوالي 1,250,000 شخص عراقي لجأ الى سوريا والاردن وتركيا وان 35% من هؤلاء هم من المكون المسيحي , انها نسبة عالية لو اخذنا بنظر الاعتبار حجم المسيحيين الصغير  مقارنة بعدد السكان الاجمالي  , هناك اكثر من 300 الف مسيحي عراقي لاجئ في سوريا والاردن وتركيا بالاضافة الى اعداد كبيرة اخرى لجأت الى الشمال العراقي هربا من الارهاب والعنف الطائفي والتهديد  في بغداد والمناطق الاخرى .

اما من ناحية التعويضات فانه في الوقت الذي تم تعويض الاخوة الاكراد بمبالغ كبيرة من الاموال والامتيازات تعويضا عن الظلم الذي لحق بهم في زمن النظام الصدامي المقبور نلاحظ ان المساعدات المادية والتعويضات للمكون المسيحي استطيع ان اقول كانت  شحيحة  جدا , مما ادى ذلك الى ان العديد من اللاجئين والمهجرين المسيحيين عاشو تحت نير ظروف صعبة جدا سواءا داخل بلدهم او في بلدان الجوار , وحتى الاموال التي خصصت الى المكون المسيحي فان اغلبها لم تصل الى مستحقيها الحقيقيين بل استقرت في مشاريع وبنيان لا فائدة منها لعموم الشعب او في حسابات خاصة وبذخ واستثمار  شخصي لهذا المسؤول اوذاك .

ان كل التوقعات  والدراسات  التابعة للمنظمات الانسانية العالمية تؤشر على انه لو استمر هذا الوضع المأساوي للمسيحيين والعنف والتمييز الطائفي والانصهار الاثني والديني والهجرة فان المسيحيين ( من الاشوريين , الكلدان , السريان والمكونات الصغيرة الاخرى ) , سيتم ازالتهم من الخارطة البشرية والاجتماعية  (للعراق الديمقراطي الجديد )  وذلك في خلال  اقل من عشرة سنوات , بعد ذلك مبروك عليكم العراق الاسلامي في ظل جمهورية اسلامية طائفية  ترجع القهقري قرون الى الوراء  , ان سياسة التعريب والتكريد والاسلمة التي تتبعها المكونات الاكبر والتوجه الديني المتطرف لدى غالبية مؤسسات الدولة والاحزاب الدينية سوف يؤدي لاقدم شعب  سكن هذا البلد لان يكونوا على قاب قوسين او ادنى من الاندثار .

ان دعوات واستغاثات مسيحيي العراق بجميع تسمياته القومية لم تلق اذن صاغية او اية استجابة حقيقية وجدية سواءا داخليا او اقليميا او عالميا .لو اخذنا الحالة الماساوية التي يعيشها هذا المكون المهم فنستطيع ان نقول ونؤكد ان الحل الافضل والاكثر واقعية  هو في ايجاد منطقة حكم ذاتي تدار ذاتيا من قبل ابنائها,  وانها   لمسالة مهمة وضرورية لتكون ملجئا امنا ومستقرا لهذا المكون الصغير والمهم بالاضافة الى جميع المكونات الصغيرة الاخرى المتواجدة اصلا هناك , وهي ليست مسالة رغبات وامزجة لهذا السياسي او ذاك او هذا الرجل الدين او ذاك , بل هو مصير شعب  ووجود امة, مستقبلها اهم واكبر بكثير من كل مواقف وطروحات ومصالح القادة السياسين والدينيين مسيحيين كانو ام غير مسيحيين , كنا نتمنى ونطمح ان يقف السياسيين ورجال الكنيسة بكل الوانها والقيادات الحزبية لشعبنا المسيحي ( الاشوري /الكلداني/ السرياني ) موقفا موحدا وشجاعا  للتصدي لكل هذه الممارسات ضد ابناء شعبنا ووجوده المهدد على ارض اجداده الا انهم وبكل جدارة قد اثبتوا عدم اهليتهم  للمواقع التي يشغلونها (ويعشعشون بها), بل عوضا عن ذلك فانهم منشغلين في صراعهم فيما بينهم محاولين تفسير اللغز الذي يبدو انه قد حيرهم وهو ,  ايهما الاول ( البيضة ام الدجاجة ) , او في افضل الحالات  بالخروج هنا وهناك ببعض التصريحات البائسة والهزيلة والمتخاذلة  على اساس ان ((هذا التهميش والهجوم لازالة وجودنا ليس فقط موجه ضد شعبنا المسيحي بل كل ابناء البلد )) , غير أبهين او مدركين  اننا عدديا قلة قليلة وان اي تسونامي مهما كان لونه اومصدره  من الممكن ان يقتلعنا من جذورنا والى الابد , عندها لا تنفعهم تصريحاتهم ولا كراسيهم بعد ذلك  لانه لن يكون هناك وجود لشعبنا  كي يمثلونه او يتبجحون باسمه .

من الغريب  ان الاحتلال الامريكي ومن خلفه اجندات عالمية واقليمية ومحلية والتي تعمل بدون كلل  للتغيير الديموغرافي في العراق  قد تنجح في ازالة الشعب المسيحي صاحب الحضارة البابلية الاشورية من على ارض اجداده بلاد الرافدين في الوقت الذي فشل حتى الخلفاء المسلمين او المغول او حتى الامبراطورية العثمانية مرورا بنظام البعث الفاشي  من تحقيق ذلك .

نعم ان الخطط المدروسة والمبرمجة قبل وبعد احتلال العراق والمشروع الجديد/القديم  للتغيير الديموغرافي قد بدأ والشواهد على الساحة عديدة وملموسة , وما هي الا مسألة وقت حتى يتم ازالة وجود المكون العراقي الاصيل من ارض العراق ارض الرافدين والى الابد .

لقد وجدت  هذه الاجندات والمخططات الخارجية والاقليمية وللاسف الشديد  صداها وتوافقت مصالحها  مع قوى وافراد من النفعيين والمرتزقة سواءا كانو من داخل المكون نفسه او من بقية المكونات الاخرى للشعب العراقي , وتراجيديا او دراما  ازالة مسيحيي العراق من عراقهم قد كتبت على يد كتاب محنكيين محترفين في الخارج والادوار تم اسنادها للاعبين كل حسب مقدرته وموقعه ليلعب دوره في هذا المسلسل الدرامي المأساوي , ان سيناريو ازالة المسيحية في العراق وبالتالي الوجود الاشوري/الكلداني /السرياني قد بدأ منذ ازمان بعيدة , الا ان حدتها وفاعليتها بدات منذ ان بدات الملحمة السوداء , منذ اعلان بطل قادسية العرب  الحرب على ايران بدعم وتشجيع من شركائه القادة العرب ومن ثم احتلاله الكويت وبايعاز ومباركة  من اسياده الامريكان , بعد ذلك تلاه الحصار المدمر  ولمدة ثلاثة عشر عاما والذي عانى ما عانى منه الشعب العراقي في الوقت الذي كانت القيادات تعيش في ترف ونعيم , واستمر المسلسل التراجيدي الى سقوط النظام البائد وما بعد السقوط والى يومنا هذا .

ان الاحداث واالمتغيرات التي نعيشها ويعيشها البلد والمنطقة ككل  من تغلغل وتدمير للبنية التحتية والاجتماعية والثقافية والحضارية  وخاصة بكل ما يتعلق بحضارة وادي الرافدين التي يرجع تاريخها الى سبعة الاف عام جارية ومستمرة, وما التدمير للمتحف العراقي وسرقة الالاف من كنوزه  وكذلك التدمير المتعمد للمواقع الاثرية في العديد من المناطق في العراق مثل بابل ونينوى والكوفة كذلك سرقة وتدمير الارشيف العراقي  على سبيل المثال لا الحصر  خير شاهد على النية والمخطط المبيت لمحو حضارة وادي الرافدين  ولازالة كل ما يمت الى فترة العصور الذهبية للامبراطوريات السومرية والاشورية والبابلية

ان هذا التهميش والتدمير لم ياتي عفويا او اعتباطا بل انه مقصود وذات ابعاد ايديولوجية تاريخية لتغيير ديموغرافية البلاد وازالة مكوناته الاصيلة والى الابد , ان ما نشاهده اليوم وخاصة في العقود الاخيرة والى يومنا هذا لهو خير دليل على هذا النهج التدميري والموجه خاصة ضد الموروث الحضاري الاشوري / البابلي / وبالتالي المسيحي للشعب والمكون الاصيل في العراق .

ما تشهده البلدات والقرى المسيحية في سهل نينوى وحتى في كردستان العراق من تشويه ومحاولة تغيير للبنية التحتية والحضارية والاثارية لهو شاهد حقيقي وممارسات شبه يومية تحت ذريعة الاعمار والتحديث وكان الاعمار والتحديث لا يمكن ان يتم الا بتدمير الموروث الحضاري والتراثي والتاريخي للبلاد ,

براي ان ذلك ليس تطور وحداثة بل هدم لكل القيم الروحية التي تحتويها هذه الاماكن التاريخية والابنية التراثية من اجل قطع كل علاقة وصلة لنا نحن اصحاب هذا الموروث الشرعيين  واحلال محلها هياكل وابنية هجينية  لا علاقة لها بالموروث الثقافي والتاريخي لهذا المكون الاصيل .

ان هذا المخطط المبرمج والمدروس يجري على قدم وساق وبتاني في جميع بلداتنا ومناطقنا , لغرض اقتلاعنا منها بعد ان تم تقريبا اقتلاعنا من المدن الرئيسية والمناطق الاخرى مثل بغداد والبصرة والموصل والمدن العراقية الاخرى, ان المرتزقة وضعاف النفوس تواجدوا في كل مكان من العالم  وعلى مر التاريخ حيث كان هناك دائما من كان جاهزا ليبيع نفسه للشيطان  من اجل الكسب الشخصي والذاتي حتى لو كان ذلك على حساب شعبه وامته وحتى دينه ولماذا يكون شعبنا استثناءا عن الاخرين وكما يقول المثل الشعبي ( ماكو زور يخلى من واوي ) ومشالله( واويتنا) جشعهم لا حدود له وبامتياز  ؟  هناك الشواهد العديدة لافراد وكل من موقعه من باع نفسه للشيطان والمال وتعاونوا وما يزالون في تخريب حضارتنا وموروثنا لاعبين دور الطابور الخامس في هذا المخطط الجهنمي الخطير.

لقد تكالبت واتفقت قوى عديدة محلية واقليمية وعالمية لازالة وتغييب حضارة وادي الرافدين المسيحية  ( البابلية / الاشورية ) , لما لها من دلالات ورموز مهمة اساسية في تاريخ هذا البلد والمنطقة  قديما وحديثا , ما قبل ظهور المسيحية او بعدها  وعلى اعتبار وجودها وديمومتها هو وجود وديمومة بلد ووطن اسمه العراق خلفيته الحضارية والموروث الثقافي هو بابلي اشوري سواءا شائت هذه القوى ام ابت  , وان المخطط  لا زال جار لاكمال هذه المهمة, مهمة ازالة وانهاء الوجود المسيحي ( الاشوري/البابلي ) من العراق,  بلاد الرافدين .

عمانوئيل جورج تومي

فنان وناشط سياسي

21/ 07/2011

elias.tomi@hotmail.com

عن الكاتب

عدد المقالات : 11

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى