“مني ياقو” تشكو من الغاء الاشوريين  لكنها تُلغي الكلدان والسريان!


الدكتور عبدالله مرقس رابي
الدكتور عبدالله مرقس رابي

في لقاءٍ مع الاكاديمية الدكتورة منى ياقو المختصة في القانون الدولي في فضائية الميادين اللبنانية/ برنامج أجراس المشرق في 20 من الشهر الجاري، حصل تجاوز من قبلها، ومن قبل معد البرنامج الإعلامي غسان الشامي بحق الاثنيتين (القوميتين بالمفهوم السياسي) الكلدانية والسريانية من خلال حديثهما المتبادل. وقد يُثير هكذا خطاب الاستغراب من اكاديمية وتعمل في مجال حقوق الانسان وتدعي بحقوق الاقليات في مجانبة الحقيقة، لعدم احترامها لمشاعر الاثنيات الأخرى الاصيلة من بلاد النهرين، الكلدان والسريان لتعميم التسمية الاثنية القومية على مسيحي العراق بأنهم اشوريين. كما انها توحي في طرحها وتثير انطباعاً لدى العرب وكل المشاهدين ان مسيحي العراق كلهم اشوريين. لكن الواقع يُشير الى غير ذلك.
بدلا من ان تكون الدكتورة منى ياقو حيادية ومنصفة لما هو في الواقع من الانتماءات الاثنية وتسميات قائمة تاريخياً، وكما نشأ عليها الفرد، لجأت في خطابها الى بث روح التفرقة والالغاء العنصري القومي الذي لا يتطابق ابداً مع ما تدعي به من انها تعمل في مجال حقوق الانسان، فأي حقوق للإنسان قد شرعتها الأمم المتحدة وتلغي الاخر!!!
انها قانونية، والمفروض منها ان تكون في مقدمة الكل في بث خطاب يتسم بقبول الاخر واحترام مشاعره الانتمائية الاثنية، ولكن هنا عملت العكس تماماً. ومن حقها وحق كل الاخوة الاشوريين ان يفتخروا بانتمائهم الاثني القومي، وهذا حق طبيعيي ومشروع وانساني للشعور بالانتماء كغريزة بشرية، وهكذا من حق كل كلداني ان يفتخر بكلدانيته وانتمائه الكلداني، وكل سرياني يفتخر بسريانيته وانتمائه السرياني، ولكن الضيفة في برنامج أجراس المشرق الغت هذه الحقوق، وليست هذه المرة الأولى تبث مثل هكذا خطاب، بل في معظم خطاباتها ولقاءاتها تحتوي وتعبر عن مشاعر الاقصاء للأخرين. علما انها مرشحة سابقة للبرلمان في إقليم كردستان ضمن قائمة حزب (أبناء النهرين) بمعنى ان الحزب المذكور يؤيد هكذا أفكار الغائية.

اذا كان مقدم البرنامج يعاني من نقص في المعلومات عن التركيب الاثني لشعب بلاد النهرين والعراق الحالية، كان الواجب، لو تملك نية من الاحترام وقبول الاخر عليها تصحيح من تعميمه بتسمية الاشوريين على مسيحي العراق، وكما ورد ايضاً في المقطع الوثائقي الذي قدمه قبل بدء المحادثة وصورّ الفيلم في محتوياته بان كل الاحداث التي وقعت لحقت الاشوريين، انما لم يكن للأشوريين وجود في سهل نينوي الحالي، بل القرى والبلدات معروفة للجميع انها كلدانية وسريانية باستثناء عدد ضئيل من الاشوريين في تلكيف والشرفية قياساً للأخرين، او عبر التاريخ الذي كان الاضطهاد موجهاً  ضد الكلدان والسريان والاشوريين والارمن .الا اذا انها تعرف مُسبقاً او انها اعدت الفيلم الوثائقي.

تحدثت الدكتورة منى ياقو عن حقوق الاشوريين وتشكو من تهميشهم واقصائهم من قبل العرب والكرد، بالرغم من ان هناك انصاف في المواد الدستورية كما قالت في الدستور المركزي وفي دستور الإقليم، ولكنها تأتي وتلغي حقوق الاخرين بعدم ذكر الوقائع كما هي على ارض الواقع، وتعمم بحديثها بان الاشوريين هم في الواقع ولا غيرهم، فهذا اجحاف بحق الكلدان والسريان.
تحدثت عن الأقليات ككل عند ذكرها لأقليات العراق ولكن لم يعجبها ان تذكر الكلدان والسريان وتضيفهم الى الأقليات. بمعنى انها مصممة على الإلغاء والاقصاء، وان كانت تتحدث بشكل عام في بعض الأمور عما يجري في العراق، ولكن ان تقصد في حديثها وتعمم بتسمية الاشوريين، فهذا غير مجدي بحق الكلدان والسريان.
في سؤال الإعلامي عن موضوع التسمية ومدى تأثيره في نيل الحقوق، اخفقت لعدم ذكر الحقيقة، قالت نحن شعب واحد، نعم نحن شعب واحد من بلاد النهرين، ولكن انت كقانونية تعرفين جيداً ان مصطلح الشعب مطاطي ومصطنع يمكن استخدامه في حالات متعددة، وقد يكون الشعب واحد كالشعب العراقي ولكنه متكون من عدة اثنيات قومية، وممكن ان يستخدم مفهوم الشعب ويطلق على حالات مثل ان نقول الشعب المسيحي، ولكن الشعب المسيحي يتكون من عدة اثنيات، ولهذا ممكن ان نقول شعب بلاد النهرين ولكن تاريخياً متكون من عدة اثنيات، بينما مفهوم الاثنية هو مفهوم طبيعي يقترن بالمشاعر الانتمائية الغريزية للفرد بالإضافة الى ما ترسخ الاسرة في اذهان الفرد منذ الطفولة للمشاعر الانتمائية، فمفهوم الشعب، سياسي ويحدد بقانون اكثر مما هو غريزي واجتماعي يحدد بالتنشئة الاجتماعية. وعليه لو نريد احترام الاخرين ونقبلهم، علينا ان نسميهم كما هم في الواقع وليس كما نريد.

قالت ان موضوع التسمية واشكالياته قائمة، وذكرت ان التسمية الرسمية قبل 2003 كانت واحدة هي الاشورية، هل هذه حقيقة؟ وأين كانوا الكلدان والسريان يبدو انهم بعد 2003 هبطوا من المريخ!! علما ان الاشوريين في العصر الحالي هم اقل من 5٪ من مسيحي العراق، ما هذا التخبط؟  ا لا تشعري انت وغيرك أنتم السبب في استمرارية إشكالية التسمية؟ في مثل هكذا مواقف وفي كل مناسبة، كما قلت من حق الفرد ان يقرر انتمائه الاثني، اما يأتي الاخرون ويفرضون عليه انتماء ما، كما ظهر في حديثك، فهذا تعدي صارخ ضد حقوق الكلدان والسريان لمشاعرهم الانتمائية.

الكلدان والاشوريون والسريان المعاصرين، واقع في الوجود لا محال، وإذا يرغب من هو على شاكلة الدكتور منى في خطابه، عليه ان يقر بذلك لكي يتم السيطرة على إشكالية التسمية، مع بقاء وتفضيل خطاب التضامن واحترام خصوصيات الاخر التي تكمن في المشاعر الانتمائية الاثنية وتوحيد الكلمة والموقف تجاه ما يجري بحق الاثنيات الثلاث، والا مادام الإلغاء قائم، الإشكالية ستظل كما تشير اليها كل المعطيات في الواقع السياسي والاجتماعي، لم يكن جوابك صائباً في جوابك للإعلامي، بان إشكالية التسمية لا تمثل شيء عملي في خطاباتنا، بالعكس تماماً أساس التلكؤ والاخفاق في الخطاب وايصال ما تريدون من أحد اسبابه الرئيسية هي إشكالية التسمية.

لم تقبلِ بالتسمية الثلاثية، فهل تقبلي بفرض التسمية الاشورية على الاثنيات الثلاث؟ وهكذا ان في حديثك هذا وكالمعتاد تجعلي من المهتمين بهذا الشأن الرجوع الى المربع الأول، بعد ان حصل نضج ووعي، وأدراك كما تؤشر المعطيات بقبول التسمية كما هي في الواقع الكلدان والاشوريين والسريان، وهذه الرؤية المفروض ان تنال الدعم منك كأكاديمية، لان الأكاديمي وفقاً للمفاهيم العلمية، يؤكد على الظاهرة كما هي لا كما يريد لتحقيق الموضوعية، فهنا خرجتِ عن القاعدة وأردت الظاهرة كما ترغبين. والذي يرى الظاهرة كما يريد هو سياسي أيديولوجي بعيد عن الموضوعية.

انت متوهمة جداً بان من هم في الخارج يسعون لدعم من هم في الداخل الذين يسيرون في خط الالغاء، لا تتصوري ابدا، ان كلدان وسريان الخارج يدعمونكم وأنتم ملتزمون في السياسة الالغائية القومية. الكلدان والسريان يدعمون من يحترم مشاعرهم الانتمائية، فهم لا يفرقون، بل مشاعرهم تجاه الكل واحدة بشرط الاحترام المتبادل في كافة المجالات. وكلما تسعون لبث هكذا خطابات، أني على ثقة بحسب المؤشرات تلقون رد فعل سلبي.

تحدثت عن أعضاء البرلمان كأنهم اشوريون جميعهم، ونست ان واحد فقط في المركز اشوري ومثله في البرلمان الكردي، واما البقية فهم كلدان، او من اتباع التسمية المركبة.

ذكرت كنيسة النجاة، وهي تتحدث عن الاشوريين، ولكن الذين استشهدوا في كنيسة النجاة هم سريان وليس غيرهم، كما انها تحدثت عن تهجير وتشريد سكان سهل نينوى، وهي تتحدث عن الاشوريين، ولكن سكان سهل نينوى كما بينت أعلاه هم من الكلدان والسريان، باستثناء نفر قليل من الاشوريين.

اذكركِ واذكر الجميع المهتمين بالموضوع سواء من السياسيين او غيرهم، ان موضوع الانتماء الاثني لا يمكن ان يحدد بقانون ابدا ولا يمكن ان يلزم الانسان لتبني تسمية معينة، وذلك لان الانتماء ظاهرة غريزية تنميها الاسرة عبر التنشئة الاجتماعية بمساعدة عمليات اجتماعية أخرى. واذكّر ان من يقول لنا جميعاً سواء كلدان او سريان او اشوريين صلة عرقية مباشرة ونقية بكلدان واراميين واشوريين القدامى فهو متوهم جدا، وليقر ذلك، فالمختبرات مستعدة لفحص انتمائه البيولوجي العرقي، وليجرب، بل نعم وكما توصلت في دراستي المستفيضة ونشرتها في كتاب، اننا من سكان بلاد النهرين بالانثنيات الثلاث، ولكن بعد تلاقح حضاري وبيولوجي وثقافي، تكونت على مر العصور الاثنيات الثلاث المعاصرة، الكلدان والاشوريين والسريان، ولا يمكن لأي واحد ان يهز شعرة من راس الاخر لترسّخ هذا المبدأ في ذهنه، اما ان يختار أي واحد انتمائه بحسب اهوائه ومصالحه فهو حر ولكن لا يحق له ان يفرض ارادته على الاخرين.

ففي ضوء الدراسات الأنثروبولوجيا والاجتماعية الحديثة التي ادعو الدكتورة منى ياقو وغيرها الرجوع اليها، يؤكد العلماء عدم وجود جماعة بشرية اثنية او قومية تتميز بدم نقي لأبنائها دون ان يدخلها دم غريب، اذ السلالات البشرية بدأت بتداخل واختلاط الدم منذ القدم، فانقرضت سلالة وظهرت أخرى مكانها، فاختلطت في السابقة، وهكذا، وان اعتبار وجود جماعة بشرية ذات دم نقي، هو ضرب من الخيال. وهنا ادعوها وادعو من يكتفي قراءة الكتب التاريخية وبالذات غير المكتوبة من قبل الاختصاصيين او المكتوبة من قبل السياسيين ان يراجع كتب التي تفسر الاقتباس الحضاري وتأثيراته في المجتمع من الأنثروبولوجيا والاجتماع، ومن هذا المنطلق كمختصة في القانون اكاديمياً، دون المام بكورس واحد في دراساتك عن التاريخ والدراسات ذات الاختصاص في تفسير الظواهر الاجتماعية، مثل علم الاجتماع والنفس لا يحق لك ان تُثيري هكذا مواضيع، الا في حالة كونك سياسية مؤدلجة تبحث عن مصالحها ومصالح حزبها الضيقة.

اختم هذا المقال بما اكد وتوصل اليه المفكر الكبير الشهير (جون فييه) وشخصياً اتفق معه في قوله لوصف الاشوريين المعاصرين (ان تضارب الآراء وكثرة الادعاءات الحاصلة خلال القرن العشرين لعبت ادواراً قاتلة في مجرى تطور حضارة هذه الجماهير، لأنها جعلت تعيش الخيال بأسماء رنانة اتخذوها اسماء لأحفادهم المتأخرة من أسماء ، سركون وسنحاريب واسرحدون واشور وشميران التي صبغت تاريخ الاشوريين القدماء بطابع العظمة والافتخار، انها مأساة حقيقية خلقت الانتساب الأسطوري الخرافي لاختلاق قومية اشورية او كلدو اشورية ، فسببت التشرذم لهؤلاء من عام 1918). ” المصدر، ميشيل شفاليه، المسيحيون في حكاري وكردستان الشمالية” وهذا حقاً ما نلاحظه من تحقيق في تنبؤ هذا العالم الكبير الذي اختص في دراسات مجتمعات الشرق الوسط.

الى متى يستمر السياسيون في نشر وبث الكراهية، والاقصاء للأخرين، أ لم يردعوا وتلقوا دروساً عبر التاريخ وبالأخص ما بعد 2003 من مسالة الغاء الاخر؟ ومن هنا ادعو من الإعلامي غسان الشامي والدكتورة منى تقديم الاعتذار للمكونين الكلدان والسريان العراقيين.
وادعو كافة التنظيمات، مجتمع مدني والسياسية والكنائس وممثلي في البرلمان المركزي واقليم كوردستان من الاثنيتين الكلدانية والسريانية في الداخل والخارج استنكار وشجب مثل هذه الخطابات في الاعلام العربي والعالمي التي تقود الى التفرقة والتمييز.

د. عبدالله مرقس رابي

عن الكاتب

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى