مطران حلب في حديثه أمام البرلمان البريطاني: عازم على البقاء في مدينتي التي تحولت الى خراب


نادي بابل

أكد مطران مدينة حلب الكلداني الكاثوليكي أنطوان أودو، عزمه على البقاء مع شعبه الذي يُعاني من المحنة على الرغم من هروب العديد من الناس وحالة الدمار التي وصلت اليها المدينة.
وقال المطران أودو أثناء لقائه مع أعضاء البرلمان البريطاني ورؤساء الجمعيات الخيرية وأقرانهم في مجلسَي البرلمان، أنَّ مدينة حلب التي أحبها كثيراً وعمِلَ أسقفاً فيها للسنوات العشرين الماضية قد دُمرت الآن والكثير منها أصبح خراباً.
وأضاف، في وقت سابق من هذا العام هرب إثنان من الإخوة الأساقفة لكنهم عادوا بعد ذلك.
وقال أيضاً، بالرغم من كل هذا العنف والقصف والقناصة قررنا البقاء مع شعبنا ولم نرغب في المغادرة ونترك الشعب وحيداً، وإذا غادرت المدينة لبعض الوقت يشعر الناس بأنهم وحيدين. كذلك لم نذهب الى لبنان لمقابلة البابا والحديث معه عن وضعنا الخطير، ولكن بدلاً من ذلك كتبنا له طالبين دعمه لنا.
كان المطران أودو البالغ من العمر 66 عاماً، المُعيّن أسقفاً على مدينة حلب منذ عام 1992، كان يتحدث جنباً الى جنب مع المطران أغناطيوس كياجاما، من جوس – نيجيريا، أمام أعضاء البرلمان البريطاني في لندن.
وحذر المطران في حديثه الحاضرين من أن يحدث للمسيحية في سوريا ما حدث في العراق وتتراجع لتصبح رمزاً لا يًمثل إلا القليل من المؤمنين. وأضاف، سيكون ذلك بالنسبة للكنيسة في كل ركن من أركان العالم كارثة كبيرة لأن مسيحيي سوريا هم أنفسهم الوَرثة المباشرين للقديسين ، مثل القديس بولس والقديس برنابا ، وغيرهما. وتابع بالقول، إذا تراجعت المسيحية في سوريا فإن التأثير سيكون بعيداً وواسعاً ولن تكون الخسارة للمسيحيين وحدهم ولكنها خسارة للمسلمين أيضاً.
وقال: اضطر معظم المسيحيين في حمص الى مغادرة المدينة بعد موجة الاظطهاد حيث دُنسّت وأنتهكت قدسية جميع الكنائس.
ومن خلال حديثه رسم المطران أودو صورة قاتمة لحياة السوريين في مدينة حلب. وكرئيس لمنظمة كاريتاس سوريا الخيرية، قال بأنه يعمل على تنظيم وتنسيق برنامج الإغاثة الطاريء لعشرات الآلاف من الناس.
لقد فقد الكثير من الناس كل ما يملكون، وأغلبهم من المسيحيين في بعض المناطق مثل ميدان بسبب هروبهم من منازلهم نتيجة للقصف بالقنابل مما جعلهم يفقدون مصادر رزقهم والمدارس والمستشفيات، إضافة الى إنعدام الخدمات العامة الأخرى. إن هناك فوضى و 80% من الناس بدون عمل وليس لديهم أن يختاروا سوى البقاء في بيوتهم، كما أصبح الفقر شيئاً غاية في الخطورة، خاصة مع ارتفاع الأسعار وتوقف صرف الرواتب. لقد تغيّر وجه المدينة، فليس هناك أمن والقذارة منتشرة في كل مكان، هذا بالإضافة الى الصعوبات في التنقل والسفر لعدم وجود سيارات الإجرة والباصات.
وأضاف، هرب معظم الأثرياء ولم يبقى في المدينة سوى العوائل الفقيرة.
قام بتنظيم اللقاء المنظمة الخيرية مساعدة الكنيسة في حاجة وبرعاية البارونة بيريجي، رئيسة المجموعة البرلمانية لحرية الأديان العالمية.
نقدم في أدناه النص الكامل لخطاب المطران أودو أمام أعضاء مجلسَي البرلمان الذي ألقاه يوم 18 من شهر تشرين الأول الجاري.

نص حديث المطران أنطوان أودو…
أود أن أشكركم على ترحيبكم الحار وعلى شرف المجيء والمثول أمامكم اليوم لأكون شاهداً على معاناة الشعب السوري، وخاصة ما حدث في الأشهر القليلة الماضية من الأزمة القاسية التي تمر بها البلاد.
وإذا جاز لي، أود البدء ببعض الفقرات والكلمات للأب الأقدس البابا بنديكس السادس عشر. جاءت هذه الكلمات ضمن الإرشاد الرسولي لكنيسة المشرق الذي وقعه قداسته قبل شهر واحد بالضبط خلال زيارته الى لبنان.
يقول: سبّبَ إنعدام الاستقرار الاقتصادي والسياسي واستعداد البعض للتلاعب بمصير الآخرين والقصور في الفهم الصحيح للدين الى فتح الباب أمام الاصولية الدينية. تصيب هذه الظاهرة جميع الطوائف الدينية وتتنكر لتقاليد التعايش طويل الأمد. إنها تريد الوصول الى السلطة، وعن طريق العنف أحياناً، على حساب الأفراد والدين نفسه وذلك لأسباب سياسية. أنا أناشد بشدة جميع القادة الدينيين لليهود والمسلمين والمسيحيين في المنطقة الى السعي حسب تقاليدهم وتعاليمهم للقيام بكل ما في وسعهم للقضاء على هذا الخطر الذي يؤثر بشكل عشوائي وقاتل على جميع المؤمنين من كافة الأديان. ويُعتبر استخدام الاصطلاحات والكلمات، مثل ظهور الكلمة والكتاب المقدس واسم ألله لتبرير المصالح والسياسات، من الأشياء الخطيرة للغاية.
ومن الأخذ بنظر الاعتبار هذه الكلمات القوية للأب الأقدس، وقفتُ أمامكم اليوم أُنادي من أجل حقوق الانسان، حقوق الانسان للجميع. وفي ظل ثقافات وتقاليد مثل ثقافاتنا حيث ما يزال الإيمان قوياً، إن لم يكن هو القوة السائدة في الحياة، أعلن الى جانب البابا أنَّ الحرية الدينية هي الأعلى وتمثل ذروة الحريات الأخرى.
في ظل هذه الخلفية جئتُ لتقديم شهادتي على معاناة الكثير منا في سوريا. حتى أن رحلتي وسفري الى هنا لم يكن سهلاً ومباشراً، إذ أنني كدت أتراجع عنها حيث اضطررت الى الرجوع عن طريق المطار بسبب السيارات التي سدّت طريق الوصول، وفكرتُ في استخدام طائرة هليكوبتر لكن الكلفة كانت عالية تعادل ثمن الرحلة كاملةً مما حدا بي للعدول عن تلك الفكرة. وفي اللحظة الأخيرة تم فتح الطريق، وعلى الرغم من المشاكل عند مدخل المطار استطعت في النهاية أن أستقل الطائرة التي غادرت قبل موعدها بحوالي 45 دقيقة. ولكن كل تلك الحوادث الشاذة لا تمثل شيئاً مقارنة بما نعانيه خلال حياتنا اليومية في الأشهر الثماني عشر الماضية. وبالنسبة لي، أصبح صوت سقوط القنابل شيئاً اعتيادياً، فأنا لا أخاف ولديَّ الهدوء الداخلي الذي يدلني على أنَّ ما أقوم به هو الشيء الصحيح، ألا وهو مساعدة أبناء شعبي بقدر ما أستطيع.
إن حلب المدينة التي أحبها كثيراً وأعمل فيها أسقفاً منذ 20 عاماً هي الآن مُدمرة والكثير منها في حالة خراب. حدث كل هذا الدمار منذ بداية شهر تموز الماضي، وهرب الناس من منازلهم وحتى أن الباب الأماني لدار ابن أخي تحطم من شدة القصف، ولكن لحسن الحظ ذهب حالياً للعيش مع والديه الذين يسكنون في منطقة أكثر أماناً. أما بالنسبة لي فكان يتوجب عليَّ أن أكون أكثر حيطة وحذر عند السير والتجوال في المدينة بسبب القناصين وعمليات الاختطاف، حتى أن الناس كانوا قلقين على سلامتي. وكان قد هرب إثنان من الاخوة الأساقفة الى الخارج بعد أن هوجم منزل أحدهما مرتين متتاليتين، لكنهما عادا ليكونا متضامنين مع شعبهما. وعلى الرغم من كل هذا العنف من قصف القنابل والقناصة، قررنا البقاء مع شعبنا ولا نريد ترك المؤمنين وحدهم، وإذا حدث وغادرت المدينة لبعض الوقت شعر المؤمنين بأنهم أصبحوا لوحدهم. إننا لم نذهب الى لبنان لمقابلة البابا والتحدث اليه عن الوضع الخطير الذي نحن فيه، وإنما بدلاً من ذلك كتبنا اليه طالبين دعمه لنا.
وكرئيس للمنظمة الخيرية كاريتاس سوريا، أقوم بتنسيق الإغاثة الطارئة لعشرات الآلاف من الناس المحتاجين جداً للمأوى والغذاء والعناية الطبية، وهم مثلنا خائفين لا يعرفون ماذا سيكون المستقبل. وهناك خطورة أكبر على منظمات الهجرة، بما فيها منظمة مساعدة الكنيسة في حاجة حيث قدمت لنا المساعدة الطارئة التي نحن بأشد الحاجة اليها، إذ فقد العديد من الناس، ومن بينهم الكثير من المسيحيين، كل ما يملكون بعد أن هربوا من منازلهم في بعض المناظق – مثل ميدان – نتيجة للقصف بالقنابل. لقد فقد هؤلاء الناس مصادر رزقهم والمدارس والمستشفيات، إضافة الى فقدان الخدمات العامة الأخرى. هناك فوضى، وهناك بطالة، إذ أن 80% من الشعب بدون عمل وليس لديهم خيار سوى البقاء في منازلهم، وأصبح الفقر خطير جداً بسبب ارتفاع الأسعار وتوقف صرف الرواتب. لقد تغيّر وجه المدينة، فليس هناك أمن، والقذارة منتشرة في كل مكان، هذا بالإضافة الى صعوبات التنقل والسفر لعدم وجود سيارات الإجرة والباصات.
بالطبع، في سوريا عانى الجميع بشكل أو بآخر وأصبحت أعمال العنف وصعوبة الحياة من المعاناة اليومية المباشرة على معظم الناس أو لمن هم أقرباء اليهم. ولكن بالنسبة للمسيحيين فإن المشاكل خطيرة بشكل فريد، ففي مدينة حمص المعروفة على أنها موطن ثاني أكبر مجتمع مسيحي في البلاد لم يبقى إلا القليل من المؤمنين فيها، فقد اضطر معظم المسيحيين الى المغادرة بعد عمليات الاضطهاد، حيث أنتُهكت ودُنِسّت المقدسات في جميع كنائس المدينة.
أما الهجرة فهي في عقول وأفكار الناس بشكل دائم، خاصة المسيحيين. وقد غادر بالفعل معظم الأثرياء مدينة حلب وهاجروا الى لبنان للبحث عن مدارس لأطفالهم، ولم يبقى في حلب سوى العوائل الفقيرة. ونحن نخشى من تراجع المسيحية وفقدان نفوذها في سوريا، كما حدث على مدى العقد الماضي في العراق المجاور. وإذا حدث ذلك فإنه سيكون كارثياً على الكنيسة في كل ركن من أركان العالم، لأن مسيحيي سوريا هم أنفسهم الوَرثة المباشرين للقديسَين بولس وبرنابا وغيرهما.
وبالنسبة لنا، تعتبر سوريا كنيسة الأسقف الأول أغناطيوس النوراني، الذي يُصادف ذكراه هذا الاسبوع، والتي تعود الى بداية القرن الميلادي الثاني. وإذا تراجع المسيحيين في بلادي ليصبحوا أقلية رمزية، فإن ذلك سيكون كارثياً لأنه حتى الآن تعتبر سوريا أحد أقوى المراكز المسيحية الأخيرة الباقية في عموم الشرق الأوسط.
وهكذا، أتساءل، ماهو مستقبل المسيحية في الشرق الأوسط الآن؟ وكأسقف، ومع الأساقفة الآخرين، نحاول مع الكنيسة الجامعة إيجاد وسيلة نحو مستقبل آمن وسلمي وإيجاد طريقة نصل بها الى الاستقرار وفرصة لبناء مجتمعنا. كذلك نسعى نحن الأساقفة الى بناء الجسور بين مختلف التيارات المتحاربة حالياً. وأنا أعتقد أن الكل يعرف بأنه ليس للمسيحيين الرغبة في السُلطة. إن لهم وجوداً مهماً في سوريا وهم محترمين جداً ومعروفين في كونهم أُناس لا يسعَون الى السُلطة لذاتها. على سبيل المثال، خلال هذه الأزمة جاء الكثير من اللاجئين المسلمين الى المدارس المسيحية في مدينة حلب وأظهر المسيحيين الكرم الفائق والشفقة في خدمة هذه العوائل، وقد أعربت الحكومة وكل أولئك الذين في السلطة عن تقديرها لهذه الاستجابة من الجانب المسيحي، لأن المسيحيين أظهروا الاحترام للأغلبية في المجتمع.
تعمل المنظمة الخيرية مساعدة الكنيسة في حاجة على دعم مشروع إنساني في مدرستين قرب مقر الأسقفية في مدينة حلب حيث تجري عمليات الإغاثة الى 100 عائلة ويتواجد يومياً 6 من الكهنة الكاثوليك الشباب لخدمة هذه العوائل وتوفير التعليم والعناية الطبية وسلال الغذاء والماء الساخن ليتمكن هؤلاء الناس من الاغتسال أو الاستحمام. وقد أعرب جميع المسلمين في المجتمع عن تقديرهم العميق لهذا العمل الانساني، فالمسيحيين هم مثال على التضامن حتى في حالة اختلاف قناعاتهم السياسية.
مع ذلك، هناك بُعد آخر للأزمة ذو أهمية لجميع الناس من جميع الأديان، وحتى لأولئك الذين لا يؤمنون بالدين. فإذا حدث لمسيحيي سوريا المصير نفسه الذي حدث لمسيحيي العراق وتراجعت أعداد السكان المسيحيين السوريين  فسيكون لذلك آثاراً بعيدة وواسعة المدى، ولن يكون مجرد خسارة للمسيحيين فقط ولكنه سيُعد خسارة للمسلمين أيضاً. إن المسلمين يحتاجون الى الوجود المسيحي كضمان للحفاظ على هويتهم الحقيقية. ويتشابه المسيحيين مع المسلمين في الكثير من الصفات، ولكن في الوقت نفسه يختلفون عنهم. وهكذا، يتواجد المسيحيين بصورة جيدة لمساعدة المسلمين على الاستمرار بالسلوك كمركز للمجتمع يتمحور حول الاعتقاد في إله واحد والتسامح مع الآخرين. ونحن كمسيحيين يجب علينا الاعتراف بحقيقة حاجتنا الى دعمهم وتعزيزنا بالقيم المشتركة التي تجمعنا.
وعلى المسيحيين أيضاً واجب الدفاع عن الإيمان والحرية. وكمسيحيين عرب، لدينا دوراً كبيراً للقيام ببناء الجسور لمساعدة أفقر الفقراء. كذلك لدينا ثقافة مهمة يجب علينا المساهمة بها.
وكما قال قداسة البابا بنديكس السادس عشر في عِظة له عن الشرق الأوسط: “كما حدث في الماضي وكرُواد لعصر النهضة العربية فإن على المسيحيين أخذ زمام المشاركة الكاملة بالثقافة والاقتصاد والحياة العلمية لمختلف الثقافات في المنطقة،. وهكذا، أيضاً يرغب المسحيين في أعمالهم اليومية مشاركة المسلمين لخبراتهم وإسهاماتهم الخاصة”.
وفي الختام ولجعل ندائي من أجل السلام والمصالحة، أطلب منكم الصلاة والتضامن والمساهمة والسعي معنا لإيجاد وسيلة للسلام في أرضنا المضطربة.

 

عنكاوا كوم – مارك كريفيز – ترجمة رشوان عصام الدقاق

عن الكاتب

عدد المقالات : 7499

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى