مسيحيو الشرق الأوسط بين “ربيع العرب”.. وزيارة الحبر الأعظم


نادي بابل

الخميس 13 أيلول 2012، الأب كميل مبارك – “الثبات”

تأتي زيارة قداسة الحبر الأعظم إلى لبنان، حاملاً معه الإرشاد الرسولي لمسيحيِّي الشرق الأوسط، في زمن تجتاح الثورات العالم العربيّ، ومعظمها يطالب بالتغيير سعياً إلى الديموقراطيّة، ممَّا أطاح بالأنظمة، حيث نشبت هذه الثورات، وكانت نتيجة بعضها موت القادة أو هربهم أو سجنهم، وما زالت نتائجها غير معروفة في بلدان أخرى، وإن كانت أهداف الثائرين متشابهة.
في هذه الفوضى التي وُصفت بأنها “خلاقة”، كان المسيحيون يعيشون حالاً من القلق والخوف، انتهت بتهجير العديد منهم وبهجرة مئات الآلاف، خصوصاً في العراق وسورية، وارتفعت أصوات تطالب بترحيلهم، وكأنَّ وجودهم يزعج الأصوليَّات، ممَّا حدا بالبعض إلى رفضهم وتكفيرهم وهدر دمهم، ومن ناحية أخرى يأتي قداسة البابا حاملاً رسالة تختلف في جوهرها وأهدافها عن الكثير ممَّا يصيب أبناء الشرق الأوسط عموماً والمسيحيين خصوصاً.
لذلك يجوز السؤال عمَّا سيكون وقع هذه الزيارة على الوضع العام، وكيف سيقرأها أهل الرأي والقادة المسلمون واللاعبون الكبار على مسرح الشرق الأوسط؟

موجة التغيير.. ونتائجها غير الواضحة
من الواضح حتى الآن، أنَّ الثورات التي عُرفت بالربيع العربي في تونس وليبيا ومصر واليمن، وسورية الآن، والعراق سابقاً، تحمل في العلن شعارات التحرّر والإصلاح وتداول السلطة واحترام حقوق الإنسان وقبول الاختلاف والتنوّع، غير أنَّ الواقع الظاهر لم يصل بعد إلى هذه المفاهيم إيماناً وممارسة، وما زال الإرهاب والاغتيالات والتفجيرات خبز الناس اليومي في جميع دول الربيع العربي، مّما يعني أن أهداف الثورة لم تتحقق بعد، وأن “الفوضى البنّاءة” لم تبلغ مرحلة البناء، بل ما زالت هنا وهناك مصدر قلق للآمنين، وفرصة يستغلها الانتهازيون لكي يمارسوا شرّهم، سعياً وراء مقاصدهم المختلفة، منها الكسب المادي ومنها الوصول إلى السلطة، ومنها تطبيق أحكام الشرع الديني، ومنها رفض كل اختلاف، ومنها تقسيم بعض الدول إلى دويلات متخاصمة متحاربة.

الديكتاتورية بأوجه مختلفة؟
نخشى ممَّا نخشاه، والواقع العملي السلوكي الظاهر كنتيجة أولية للثورة في بعض البلدان، يزيد قلقنا من أن تنتقل بعض الشعوب من ديكتاتورية الفرد إلى ديكتاتورية الجماعة أو المذهب أو الحزب، ما يعني أن الإنسان العربي في معظم دول الشرق الأوسط، لم يصل بعد إلى القبول بالديموقراطية بحسب مفهومها العالمي، لذلك نرى، في بعض الدول، ممارسات قمعيّة جديدة ومحاولات هيمنة على الحريات، ومنها الحريّة الدينية وحريّة الفكر والرأي والإعلام، ممَّا يُنذر بمستقبل ليس أفضل من الماضي الذي دفع إلى الثورة، وكأنَّ الثورة استهدفت الأشخاص، ولم تصل إلى الذهنيات السائدة، أو الأساليب المعتمدة في نهج الحكّام، وهذا يعني أنَّ ثورات جديدة ستشتعل بعد حين، وأن الفوضى ستبقى سيدة المواقف.

موقع المسيحيين في دول “الثورات”
لا شكّ أن الواقع الديمغرافي للمسيحيين في دول ذات أغلبية مسلمة، تفوق التسعين في المئة أحياناً، قد أثر على مواقفهم في زمن الثورات، خصوصاً أنهم كانوا في معظم الحالات مهَّمشين، وأحياناً مبعدين عن مراكز القرار، وإذا ما وُجدوا فيه، فوجودهم شكلي أكثر منه جوهري، كما هي الحال في مصر والأردن وسورية والعراق.
صحيح أن الأنظمة السابقة أمّنت شيئاً من الاستقرار في مناخ بعيد عن الحريّة، لمعظم المواطنين ومنهم المسيحيون، غير أن الثورة هنا وهناك جعلت المسيحيين يتردَّدون في اتخاذ مواقف صريحة ومعلنة مع الثورة أو ضدها، فهم بعيدون كل البعد عن التنطيم العسكري المسلّح، ويحاولون أن يعيشوا بسلام مع الجماعات الأخرى، غير أن زمن الفوضى سمح لبعض الجماعات المتشددة دينياً أو عقائدياً، أن تعبث في أمن المسيحيين، فأحرقت كنائسهم وصادرت أملاكهم وقتلت منهم أساقفة وكهنة ورهباناً وعلمانيين، وهجّرت الكثيرين داخل البلاد، وهاجر عدد كبير إلى حيث يعيشون بكرامتهم.
لقد نادينا وما زلنا نناشد الثوار والحكّام في دول الربيع العربي، إلى العمل على تحقيق الإصلاحات بالسلم والحوار وسُبل التفاهم، ولكن الآذان لم تكن لتصغي لمثل هذه المناشدات، وكأن اللاعب الأساسي وغير المنظور، يسعى إلى أن تعمّ الفوضى بين الجماعات العقائدية والمذهبية، كي يطول أمد الحرب.

المسيحيون في لبنان
تختلف الحالة اللبنانية عن واقع الدول العربية الأخرى، حيث المسيحيون موجودون، ذاك أن لبنان عريق في عيش الديمقراطية، وإن كانت له مقايسه الخاصة في هذا المجال، كما عرف مناخ الحرية الذي يرجع إلى أجيال عديدة، هذا ويتمتع المسيحيون فيه بدورهم الفعّال في بناء الدولة سياسياً واقتصادياً وإدارياً وأمنياً.
بالرغم من هذا الواقع الديمقراطي، فقد تعرّض المسيحيون في لبنان لمحاولات إبعاد عن مراكز القرار، ممّا جعل المسيحيين يشعرون بالغبن، فابتعدوا عن الوظائف العامة وهاجر عدد كبير منهم.
لذلك وتلافياً لما قد يكون أسوأ من الواقع، دعوْنا، وما زلنا، إلى العمل على تحقيق الدولة المدنيّة التي تحترم جميع الديانات، ولا تتعرّض لممارسة الشعائر الدينية، وبالوقت نفسه تبعد الدين عن إدارة شؤون البلاد، مع الحفاظ على حقوق الجماعات بالمشاركة الفاعلة في جميع القطاعات تبعاً للحاجة وللكفاءة.

زيارة قداسة البابا واحة رجاء
وسط هذه الرمال المتحركة، حيث يجهل كثيرون ماذا ينتظرهم، تأتي زيارة الحبر الأعظم إلى لبنان، وعبره إلى الشرق الأوسط كاملاً، وقد رحبت أوساط المجتمع اللبناني بأسرها بهذه الزيارة، إكراماً لصاحبها ولما يمثل في المجتمع الدولي عموماً والمسيحي خصوصاً، ولما يحمله من دعوات إلى التآخي والحوار الهادئ سبيلاً لحلِّ معظم الإشكالات التي قد تقف عثرة في طريق نمو المجتمعات وتلاقيها على الخير، لذلك نرى في هذه الزيارة واحدة من علامات الأزمنة التي إن أحسن قراءتها القيمون على المجتمعات في الشرق الأوسط ومنه لبنان، جنينا ثماراً للإنسانية جمعاء وخيراً ليس للمسيحيين فحسب، بل لجميع أبناء هذه المنطقة، التي تذخر بأكبر إرث تاريخي حضاري على المستويين الفكري والديني.

ثمار الزيارة
لاشك أنّ الإرشاد الرسولي الذي سيُهدى لجميع أبناء الشرق الأوسط، سيعبّر عن مدى اهتمام قداسته بالسلام بين أبناء هذه المنطقة، مسيحيين كانوا أم غير مسيحيين، غير أننا يمكن أن نرى فيها عبراً كثيرة منها:
الوجود المسيحي ضرورة للسلام في العالم قاطبة، وفي المجتمعات التعددية خاصة، وما هذا إلا لأننا نؤمن بوحدة الطبع البشري الذي يوحّد بين جميع الناس بقطع النظر عن دينهم ولونهم وعرقهم وثقافاتهم.
وثانياً لأننا نؤمن بالمحبّة وبقدرتها على التغلّب على كل شرور الكون لأن الله محبة، ولأننا إذا عشنا روح الإنجيل وكانت فينا المحبّة يعرف العالم كلّه، أنَّ رسالتنا العمل من أجل ملكوته، وليس من أجل ملكوت سلاطين هذا العالم.
ونرى فيها تقديساً لحق الاختلاف والتنوع الثقافي، وقبول الآخر ضمن حدود كرامة الشخص البشري التي منها تنبع جميع حقوقه، وأنَّ السلطات المدنية مسؤولة عن حماية هذه الحقوق وصون هذه الكرامة، انطلاقاً من سَهرها على الخير العام الذي ينعكس إيجاباً على خيرات الأفراد الخاصة.
سوف توقظ هذه الزيارة ضمير العالم الغارق بالحسابات المادِّية والمصالح والنفوذ، وتجعله يعي أن قيمة الإنسان أَوْلى بالاهتمام، وأن جميع النظم والشرائع وما يرافقها من تقدّم تقني، لا قيمة لها إذا لم تخدم الإنسان فرداً وجماعات.
كما ستلفت الزيارة انتباه قادة العالم إلى دور لبنان الرسالة، لأنَّه يشكّل نموذجاً مشعّاً لتلاقي الحضارات والمذاهب والأديان، ففي لبنان تتعايش الأديان والمذاهب بحريّة مكرّسة في الدستور ومصانه بالقوانين والأعراف.
تُظهر الزيارة العلاقة الراسخة بين رأس الكنيسة والكنائس المحليّة في لبنان والشرق الأوسط، وإن دلَّت هذه العلاقة على شيء غير وحدة الإيمان، فتدلّ على قدرة العقل اللبناني إذا شاء، على استيعاب الثقافات وجعلها تحتكُّ ببعضها البعض، لتخلق نموذجاً فكرياً واسع الانفتاح، مع الحفاظ على خصوصيَّة كل مجموعة واحترام معتقداتها وشعائرها، يعلن المجتمع اللبناني بأسره، من خلال التفافه حول قداسة الحبر الأعظم في لقاءاته الخاصة وفي القداس، أنَّه مجتمع متفاعل وفاعل مع حضارة المحبّة التي دعا إلى العمل من أجلها أحبار عظماء، كبولس السادس، ويوحنا بولس الثاني، وبندكتوس السادس عشر، وأنَّ جميع اللبنانيين إلى أي دين أو مذهب انتموا، إنما يكبرون في قداسته محبّته المميزة للشرق الأوسط مهبط الأديان ولأبناء لبنان عموماً، وذلك عبر دعواته المتكررة في الفاتيكان ومن المحافل الدولية، إلى العمل من أجل إحقاق السلام بين شعوب المنطقة، وإلى إيجاد حلول عادلة لجميع القضايا العالقة.
لا بدّ من أن تساعد هذه الزيارة مع ما يرافقها من إعلام عالمي وعربي ولبناني، على محو صورة الإرهاب عن وجه المجتمع اللبناني، وقد شوّه على مدى سنوات صورة اللبنانيين في ذهن العالم، ممَّا أثر على اقتصادنا وحضارتنا وسمعة مجتمعنا، ومن خلال لقاءات قداسته مع القادة الروحيين والسياسيين الذين ينتمون إلى المذاهب كافة، وإلى التيارات السياسية المتخاصمة حيناً والمتضامنة أحياناً، سيرى العالم قادة ومواطنين، أن لبنان بلد الحضارة التي تزيد على ستة آلاف سنة، مازال قادراً على أن يظهر مخزون هذه الحضارة، إذا ما أعطي الفرصة لذلك.
تُظهر الزيارة أيضاً مدى التزام الشباب اللبناني عامة والمسيحي خاصة، بالقيم والمبادئ الأخلاقية التي يعلِّمها قداسة البابا، ويناشد شباب العلم كلّه التشبث بها والعمل على نشرها، ومنها كرامة الحياة وقيمة الجسد وقدسيته، وفعل المحبّة في حينه وفي غير حينه، والالتزام بمشروع الله لكل واحد من الناس، والسعي إلى تلاقي إرادة الإنسان الحرّة مع إرادة الله التي ترغب في سعادة كل واحد من الناس، هؤلاء الشباب الذين جمعهم حبهم لقداسته حوله في مقر البطريركية المارونية، هم ربيع الكنيسة ومستقبلها الواعد.
وختاماً نسأل قداسته أن يبارك وطننا وشرقنا وأطفالنا وشبابنا وشيوخنا وكنائسنا وكهنتنا ورهباننا، لكي يكونوا حقولاً خصبة لفعل الروح.

عن الكاتب

عدد المقالات : 7493

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى