ما الذي أعرفه عن غبطة البطريرك مار لويس روفائيل الاول ساكو؟


الدكتور عبدالله مرقس رابي
الدكتور عبدالله مرقس رابي

تلقى الشعب الكلداني حول العالم بفرح عظيم نبأ اختيار الاسقف مار لويس ساكو بطريركا على الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في السهنودس الذي عقد في الفاتيكان لغرض اختيار البطريرك الجديد في 28 شباط 2013،فعلا كانت بشرى التجديد والاصالة والوحدة التي جاء بها شعارا غبطة البطريرك لمسؤوليته الجديدة،ولم تقتصر الفرحة عند الكلدان بل تعدت المؤمنين في كل الكنائس الشرقية ،مما يدل وجود مغزى لتسنمه السدة البطريركية للجميع .

تعرفت على الاب لويس ساكو في الموصل في مطلع السبعينات من القرن الماضي معرفة شخصية وعائلية،وقد تلقى تنشئة اجتماعية في احضان اسرة كريمة أصيلة، تسود المحبة والاخلاص والسعادة والتواضع والاحترام بين افرادها، ومبنية على الاسس الدينية المسيحية والاخلاقية السليمة ،ومتميزة بخصالها الاجتماعية المهذبة والمتسمة بروح المودة ، تلك المفاهيم التي تلقاها من لدن والده الشماس روفائيل وتواضع ومحبة والدته .

وقد عرفته كاهنا متميزا في مدينة الموصل وهو يخدم في كنيسة ام المعونة في الدواسة منذ سنة 1986 ،تلك الكنيسة التي كانت اكثر نشاطا من الكنائس الاخرى في الموصل ،وقد كان جل اهتمامه بالشباب المسيحي ،فاحتضنهم ولبى متطلباتهم الدينية والاجتماعية والتربوية الصالحة ،وذلك من خلال البرامج المتنوعة التي نظمها ونسق لها لتربية النشىء على المفاهيم الدينية التي كانت من اولى ما يركز عليه.

وقد لاحظت نشاط كنيسة ام المعونة من خلال الدورات اللاهوتية التي نظمها الاب لويس لشباب الخورنة متضمنة العلوم الدينية ومحاضرات فلسفية و نفسية واجتماعية ،ناهيك عن المحاضرات والندوات الاخرى الاسبوعية التي استعان بها بزملائه الكهنة واساتذة جامعة الموصل في اختصاصات نفسية واجتماعية لبناء الشباب المسيحي المتكامل تربويا، ولحبه المفرط للعلم بادر من اول وهلة الى تاسيس مكتبة زاخرة بالكتب في الكنيسة لتكون مصدرا للمهتمين بالمعرفة .

تبين لي ومن خلال احتكاكي المباشر مع سيادته انه يتحلى بخصائص شخصية تثير الدهشة والاعجاب من كل الذين عملوا معه ،فهو هادىء الطبع ،يمتلك ثقة عالية بالنفس ، قابليته في التحكم بالغضب ، القدرة على المبادأة ، والسرعة في ابداء الرأي ،التزام الحكمة ، الذكاء ، القدرة على التفكير ،ومن اهم صفاته الشجاعة التي تميز بها ولكن لم يعبرعنها بالقوة والغضب بل بالحكمة والتأني ،تميز بالمرونة في علاقاته مع مختلف الفئات الاجتماعية والطبقات العمرية مع الصغار والمراهقين والشباب وكبار السن .

وقد تميز بالتواضع الكبير ،ولهذا بالرغم من تضلعه بالمعرفة وحصوله على الشهادات العلمية العالية في تاريخ اباء الكنيسة ودراسة مقارنة في الدين الاسلامي وثم تاريخ العراق ،الا انه كان دائما يستشير ذوي الخبرة من اصدقائه الكهنة والشمامسة والعلمانيين ،وعند اللقاء معه يشعرك بالاطمئنان والاهمية والتقدير بغض النظر عن المكانة الاجتماعية للفرد ،فهو يحترم آراء الاخرين ولو اختلفوا معهم فلم يؤكد يوما على ان ما يدور في ذهنه هو الذي سيتم ويجب الاخذ به .وكان دائم التأكيد على دور العلمانيين في بناء الكنيسة كمؤسسة دينية .

وأما على المستوى المجتمعي في مدينة الموصل نال الاب لويس وهو كاهن ثقة الجميع شعبا وحكومة محلية ،وقد احترم من قبل الجميع من المسلمين ،من العرب ،والكورد ،ومن جميع الطوائف المسيحية في المدينة ،وعليه اكتسب خبرة في التعامل مع المجتمع الذي يعد من اكبر المجتمعات تباينا في الخصائص الديمغرافية ،ولما لا وهو يتميز بكل الصفات التي تؤهله لنيل التقدير من مختلف فئات المجتمع الموصلي ،وقد كان صاحب المشورة في شؤون المجتمع المحلي دائما . وقد ظل على حالته الاب لويس الى ان غادر خورنته في عام 1997 الى بغداد ليتسلم مسؤولية جديدة في المعهد الكهنوتي تاركا فراغا كبيرا .

وقد تسلم الاسقف مار لويس ساكو ابرشية كركوك الكلدانية في احلك الظروف الامنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية منذ عام 2002 ،وانما بالفطنة والحكمة والانفتاح والمثابرة والخبرة استطاع ان يضطلع دورا كبيرا في هذه المدينة التي تعد من المناطق الاكثر حساسية وتوترا وصراعا في العراق ،فاصبح رجل السلام بين كل الفئات الاجتماعية والسياسية والدينية فيها .وعلى اثرها حصل على عدة اوسمة تعبر عن ايمانه المسيحي واهتمامه بحقوق الانسان وكونه رسول السلام والمحبة والاخوة ،ومناداته بالاستقرار والتسامح والعيش المشترك والكرامة والحرية ،فهو الذي دوما يؤكد على الوفاق والحوار الذي يعده الاسلوب الحضاري والانساني لحل المعضلات الاجتماعية والسياسية.

وعليه استقى من خبرته ما يجب ان يتميز به البطريرك الجديد بعد استقالة البطريرك الكاردينال مارعمانوئيل دلي،حيث جاء في آخر رسالة له بمناسبة عيد الميلاد الاخير ” لنصل من اجل كنيستنا المشرقية الكلدانية ،ليعطينا الرب راعيا جديدا ،رجل ايمان وصلاة ومحبة ومعرفة وحكمة ،يكون بطريرك النهضة والتطور والوحدة والاصالة والتجديد والانفتاح والحوار والتفاعل بين مختلف الطوائف والاديان ،يدعم الوجود المسيحي ويفعله في المجال الروحي والوطني والثقافي والتربوي والخدمي والاجتماعي “.

وليس احد اكثر من اخوته الاساقفة معرفة ودراية بهذه الخصال الشخصية والثقافية والاجتماعية والدينية ،فعليه كان قرارهم في انتخابه راعيا لكنيستنا الكلدانية الكاثوليكية صائبا ومدروسا وموفقا في كل جوانبه،وهكذا اصبح لنا بطريركا هو مارلويس روفائيل الاول ساكو ،فهو فخر لنا وأملنا في تحقيق مايؤكد عليه دوما وابدا،ففي مقابلة معه اجراها الناشط والصحفي المعروف الاستاذ فوزي دلي من اذاعة صوت الكلدان في مشيكن يوم السبت 3 شباط ،قال غبطة البطريرك في اجابته لاسئلة الاخ فوزي :

” لنتاكثف جميعا لبناء بيتنا الكلداني ،في الحوار والمناقشة واحترام اراء الاخرين وتعاون اخوتي الاساقفة معي، وقال: ليس زمن الدكتاتورية وانما الحوار المتبادل للوصول الى الحلول لكل ما يعترضنا ،واشاد سيادته بدور العلمانيين في بناء الكنيسة فقال: نحن بحاجة اليهم في الكنيسة لاننا كلنا شركاء فيها ،واستطرد وقال: لابد من تشكيل لجان لدراسة كل الظواهر والاشكاليات ويشارك معنا اخوتنا الكهنة والرهبان والراهبات والعلمانيين وستكون هناك منهجية واضحة ومعلنة للجميع ،ويشترك معنا المختصين في علوم الاجتماع والنفس واللغة وغيرهم ، واكد على الانفتاح مع الكنائس الشرقية الاخرى,الاثورية والسريانية,والحوار وايجاد سبل الحياة المشتركة مع المسلمين.

فاذا ليتكاثف الجميع السادة الاساقفة والكهنة والرهبان والراهبات والعلمانيين والمختصين لكي يحقق راعينا الكبير شعاره “الاصالة ،الوحدة ،التجديد ” واخيرا اقدم لكم اخلص التهاني بهذه المناسبة السعيدة متمنيا لكم الموفقية في المسؤولية الكبيرة والثقيلة في مثل هذه الايام العصيبة والمشحونة بالصراعات المحلية والاقليمية والدولية ،وبوركت العائلة التي احتضنتك وعلمتك الطريق لكرم الرب .

الدكتورعبدالله مرقس رابي

أستاذ وباحث اكاديمي

 

 

عن الكاتب

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى