لمن امنح صوتي الثمين في الأنتخابات القادمة؟


حبيب تومي
حبيب تومي

في الأنتخابات السابقة في شباط او آذار 2010 لم يتوفر مركز انتخابي في النرويج، وهكذا اضطررنا نحن المشدوهين بحب السياسة ان نقطع حدود دولة اخرى وهي، السويد، للإدلاء بأصواتنا، لقد اتفقت مع احد الأصدقاء للذهاب من اوسلو الى مدينة يوتوبري في السويد التي تبعد 350 كم اي قطعنا 700 ذهاباً وأياباً يوم الأنتخابات. كان امامنا خياران، إما ان نركب في باص مؤجر من قبل الحركة الديمقراطية الآشورية، وفي الحقيقة عرضوا علينا الفكرة دون ان ندفع اجور السفر، والأختيار الثاني كان الباص التابع لمنظمة الحزب الشيوعي، وعلينا دفع اجور السفر، فهنا لا يوجد صداقة بل (كلمن قهوتو من كيسو)، المهم ركبنا انا وصديقي الباص المؤجر من قبل منظمة الحزب الشيوعي في اوسلو، وكان الجو بارداً جداً وبقينا واقفين ساعات ننتظر الى ان دخلنا المركز الأنتخابي ومنحت صوتي الثمين للسيد ضياء بطرس حيث كنت قد وعدته بأن امنح له صوتي في الأنتخابات ووفيت بوعدي، فوعد الحر دين عليه كما يقال، بعد تلك المعاناة اليس صوتي ثمين؟

اجل ان صوت اي مواطن عراقي ثمين لانه عن طريق صناديق الأقتراع يستطيع ان يغير المعادلة السياسية في العراق، يقول جون لوك، إن الشعب لا يحكم بل يقوم بتفويض الأشخاص الذين يأتمنهم ويعهد اليهم بمهمة تحقيق السلم والأمن من خلال النظام الديمقراطي، اي الشعب ينتخب البرلمان، ومن البرلمان وحسب قوة الكتل السياسية فيه يصار الى اختيار رئيس الحكومة الذي بدوره يتشاور مع القوى السياسية لتشكيل حكومة تخدم الشعب، وعادة ما يكون الصراع السياسي محصوراً بين قوى يسارية وأخرى محافظة وتكون هنالك قوى وسط، ولكن الخلل عندنا حدث حينما بنيت المعادلة السياسية على اسس طائفية.

لقد جرى تسويق شعب العراق على انه عبارة عن طوائف دينية ومذهبية وعرقية وكل طائفة لها حصة في الكعكة حسب اصواتها وثقلها السياسي، ومن ليس له ثقل سياسي او لم ينظم نفسه في حزب سياسي فعال، فليس له حصة في الوليمة وعلى هذا الأساس خرج شعبنا الكلداني من المعادلة السياسية في العراق الأتحادي وفي اقليم كوردستان إذ خرج من المولد بلا حمص.

لم يثبت البرلمان العراقي، ولا الحكومة المنبثقة منه، وخلال دورتين انتخابيتين لم يثبتا الجدارة، فالمشاكل لا زالت تعصف بالعراق من كل جانب، إن كان على نطاق الأرهاب الذي يصول ويجول في المدن العراقية، وإن كان في عمليات الفساد المستشرية، او في تعثر العملية السياسية وتوالي الأزمات دون ان توضع لها حلول جذرية، هذا بالإضافة الى توتر العلاقات مع اقليم كوردستان. امام هذه الأوضاع المتأزمة على مختلف المستويات تيقن الناخب العراقي انه قد اخطأ في الأختيار، وإن كان اكتشافه قد جاء متأخراً فإنه افضل من لا يأتي ابداً، والمسالة، لا تنتهي حين اكتشاف الخطأ، فتشخيص الطبيب للداء ليس كافياً ما لم يعالجه بالدواء المطلوب للحالة.

اليوم في الحالة المرضية العراقية قد تم تشخيصها من قبل الشعب العراقي، وتبقى المعضلة كيف يستطيع الشعب وضع علاج شاف لهذه الحالة المستعصية، جميعاً نحث الناخب العراقي ان لا يمنح صوته الثمين للفاسدين واللصوص والمجرمين، لكن تبقى مشكلة امام الناخب كيف يستطيع التمييز بين المرشح المخلص والآخر الفاسد، هل له جهاز فلتر لا يدخل فيه الفاسدون؟ في المطارات نولج جهاز الفحص، وإن كنا نحمل اي قطعة معدنية فإن الجهاز يؤشر بضوء احمر، ولكن في معادلتنا تختلف القضية، فإنه يأتي متلبساً بشعارت جميلة براقة ووعود ما بعدها وعود، وفي النهاية يدير المرشح ظهره للناخب حال فوزه في الأنتخابات.

إذن هنا يجب ان يكون الناخب العراقي (مفتح باللبن) لكي يستطيع مقارعة هؤلاء، هنالك تجربة حية امامه، ولابد انه يختار جماعة من منطقته او يكون على معرفة تامة بهم وبحقيقتهم وتاريخهم، لابد ان تتوفر لديه معلومات عن خلفيتهم الأجتماعية والسياسية، فعلى الناخب ان يكون يقظاً وحذراً.

في المقدمة يتحتم، على الناخب (غير الملتزم الحزبي) ان يساهم بالحضور والإدلاء بصوته، وإن غيابه سيخلي الساحة للناخبين الحزبيين الملتزمين بأجندة احزابهم، وبغيابه ستخلو الساحة للؤدلجين حزبياً، اما حضوره والمساهمة الفعالة من قبل المستقلين (اي الأغلبية الصامتة) في الأنتخابات سيأخذ مساحة كبيرة، وبذلك يستطيع ان يخرج العراق من قعر الهاوية، ويصل به الى القمة ليلتحق بالركب الحضاري، ويعيد امجاده التاريخية كمهد للحضارات.

النائب المسيحي في البرلمان العراقي

احترامي الشخصي لأعضاء البرلمان العراقي من المكون المسيحي، وسوف لا اقول من الكلدان والسريان والآشوريين، لأنهم يمثلون المكون المسيحي فحسب، لكن اثيرت الكثير من الأقاويل حول خلافاتهم وانقسامهم داخل قبة البرلمان حول مختلف القضايا، فلم يسجلوا يوماً موقفاً قومياً نشير اليه بالبنان، فالأكراد رغم وجود بينهم خلافات سياسية ومصلحية لكن حينما تأتي المصلحة القومية يتحدون مع بعضهم لمصلحة كوردستان، وهذا ينطبق على المكون الشيعي ومكونات عراقية أخرى.

قبل يوم قرأنا على موقع عنكاوا مواقف مثيرة مثلاً وقوف وزير مسيحي الى جانب تشريع قانون الأحوال الشخصية الجعفري، في حين ان وزراء شيعة عارضوه، وانا لست مع او ضد التوقيع، لكن على المسيحي يجب ان يسجل موقف، وكذلك قرأنا عن نواب من شعبنا قاطعوا جلسات المؤتمر حول الميزانية تضامناً مع القوائم او القائمة التي قاطعته.

في الحقيقة نحن المسيحيون في العراق من الكلدان والسريان والآشوريين والأرمن، نعاني في الوقت الحاضر من مشكلة مستعصية وهي الهبوط الكبير في اعداد المسيحيين في المدن العراقية، لكن نعوض هذا النقص في العدد بما يمكن ان نطلق عليه بالنوعية، فلنا شخصيتنا وثقافتنا ولغتنا ومكانتنا في المجتمع، ولنا دورنا المميز في شتى مجالات الحياة الأجتماعية والأقتصادية والثقافية والسياسية، واعتقد افضل مكان نبرز وجودنا وشخصيتنا هي ساحة البرلمان العراقي.

ما بقي عالقاً بالذاكرة هو الموقف النائب الأيزيدي (لا يحضرني اسمه) قبل سنين في البرلمان العراقي، وكان ذلك عبر مقال قرأته للكتاب السعودي عبدالرحمن الراشد، حيث افاد ان السيد ابراهيم الجعفري واعتقد كان رئيس وزراء العراق وقتئذِ، ابتدأ كلامه بقوله: بسم الله الرحمن الرحمن عودة من الشيطان الرجيم، وهنا وقف له النائب الأزيدي قائلاً: هنا مبنى البرلمان وليس مسجداً للصلاة.

لقد تكلمت عن هذا الأعتراض الشجاع وسائل الأعلام الى درجة ان الكاتب السعودي الكبير عبد الرحمن الراشد كتب مقالاً حول الموضوع في جريدة الشرق الأوسط اللندية. هذا يسمى تسجيل موقف شجاع وجرئ، حتى وإن لم يثمر نتائج.

نتمى في الدورة القادمة ان يكون لأعضاء برلماننا من الكوتا المسيحية ان يكونوا متوحدين ومخلصين للشعب الذي وثق بهم وإن يسجلوا مواقف مستقلة ومشهودة، فالذيلية تفيدهم شخصياً وتفيد عوائلهم وربما أحزابهم، ولكنها تخذل الشعب الذي وثق بهم وأرسلهم الى مبنى البرلمان ليخدموه، ولكي يكونوا امناء ومخلصين له.

د. حبيب تومي

اوسلو في 17 / 03

عن الكاتب

حبيب تومي
عدد المقالات : 252

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى