للذكرى والتاريخ


زيد ميشو
زيد ميشو

وذكّر عسى أن تنفع الذكرى

الدينار العراقي وحشرة السون

في عقد الأربعينيات من القرن الماضي ونيران الحرب العالمية الثانية تحرق الأخضر واليابس في معظم اقطار العالم. حينها كنت لا أزال في مرحة دراستي الإبتدائية في بلدة ألقوش الجميلة شمال محافظة نينوى. كان العالم كله يعاني من ويلات تلك الحرب الضروس وانعكاساتها السلبية على الحالة المعيشية وشحة المواد الغذائية وأرتفاع أسعارها، حتى في بلدنا العراق رغم بعده عن محاور القتال الدائرة في البلدان الغربية آنذاك.

وأتذكر في إحدى تلك السنين أن مزارع الحنطة والشعير كانت في أوج نموها وأرتفاعها حتى بلغت في بعض مستوياتها قبل موسم حصادها قامة رجل معتدل الطول، وأكتشف بعض الفلاحين حشرات كثيفة تشبه الذبابة الصغيرة بلون رمادي تتجمع على سنابل الحنطة فقط وليس على الشعير وغيرها، وتنتقل تلك الحشرات في حقول الحنطة من سنبلة إلى أخرى. وشخّصَ الفلاحين من كبار السن تلك الحشرة لخبرتهم المتراكمة في المجال الزراعي وتسمى (حشرة السون) وبالآرامية (السنن)، وإنها تلتصق بسنابل الحنطة حصراً وتغرس خرطومها الرفيع في حبّات القمح الطرية لتمتص رحيقها الحلو وتركها قشرة فارغة لا تنفع بشيء حتى كعلف للحيوان لما تخلفه فيها تلك الحشرة من رائحة كريهة.

ولعدم وجود وسائل لمكافحة الآفات الزراعية في ذلك الزمان، فقد إستمرت تلك الحشرة تفتك بحقول الحنطة في تلك البلدة، فأتلفت المزارع وشرّدت المزارعين وأفقرت حتى الأغنياء وأصحاب المزارع الكبيرة إلى أن فيّض الله تلك المنطقة البائسة شتاءً قاسياً تساقطت فيه الأمطار والثلوج بكثافة وغزارة كبيرة، ففسدت بيوض تلك الحشرة وأنقطع نسلها وعاد الفلاحين إلى زراعة أراضيهم تدريجياً فأنتعشت زراعتهم وعادوا إلى أعمالهم وكانت الحرب العالمية الثانية قد وضعت أوزارها في صيف 1945.

وما ذكرني بهذه القصة المأساوية ما آل إليه الدينار العراقي من حالة متدنية بعد أن إلتصقت عليه حشرة الحرب العراقية الإيرانية الملعونة منذ 33 سنة، وأحالته إلى مجرد قشرة وورقة لا قيمة لها ولا وزن بالقياسات العالمية النقدية.

والفرق بين سنابل الحنطة والدينار العراقي، إن حشرة السون التي ضربت حقول الحنطة وأمتصت رحيقها لعدة سنين، إنقرضت بإرادة ربانية من خلال التقلبات الجوية، اما حشرة الحرب العراقية الإيرانية وما بعدها من حصار إقتصادي وصولاً إلى الحالة الكزرية في عراق اليوم والتي ضربت الدينار العراقي والتصقت به، فالكارثة الإقتصادية لا زالت تمتص قوته ورحيقه برغم التبدلات التي طرأت على أسعار النفط العالمية التي وصل فيها برميل النفط إلى مبلغ 100 دولار عالمياً.

وبرغم مئات المليارات من الدولارات التي تدخل خزينة العراق سنوياً كونه من أوائل الدول النفطية في العالم، فلا يزال الدينار العراقي مثل تلك القشرة الفارغة وورقة نقدية لا وزن لها ولا قيمة عالمياً، ولا زال سعر صرفه إلى ساعة نشر هذا المقال يساوي 1200 دينار لكل دولار أميركي واحد! بينما كان سعر صرف الدينار العراقي حتى السنين الأولى من الحرب العراقية الإيرانية مساوياً لقيمة الجنيه الأسترليني وكان سعره بالنسبة للدولار الأميركي يساوي (3.03$). أليس هذا شيء عجيب وأمر غريب؟

زيد ميشو

 

 

عن الكاتب

عدد المقالات : 72

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى