كنائس بغداد تستعيد ألق ليلة الميلاد


نادي بابل

بغداد ـ علي البغدادي

المسقبل

لم تحل التهديدات والتحديات التي طاولت مسيحيي العراق على مدى سنوات دون جعل أجواء الاحتفال بعيد الميلاد في كنائس بغداد مختلفة عن الأعوام المنصرمة وأكثر بهجة رغم أجواء الحزن بسبب معاناة أشقائهم في سوريا وفلسطين.
وللمرة الأولى منذ العام 2003، أقام المسيحيون في بغداد احتفالات العيد المجيد حتى ساعة متأخرة من الليل بعد أن كانت مقتصرة على قداس بسيط في وضح النهار فرضته أعمال العنف التي تخيم على العراق وكان للمسيحيين نصيب منها, إذ ما زال الهجوم الدامي على كنيسة سيدة النجاة عام 2010 وما خلفه من”هزة” ماثلاً في ذاكرتهم.
ويتعرض المسيحيون في العراق منذ العام 2003 بعد سقوط نظام صدام حسين على أيدي القوات الأميركية لتهديدات وأعمال عنف استهدفتهم في بغداد والموصل وكركوك والبصرة حيث شهد عام 2008 خطف المطران الكلداني الكاثوليكي بولص فرج رحو وعثر عليه مقتولاً في وقت لاحق، كما فجرت جماعات مسلحة منازل مواطنين مسيحيين في 2010.
وارتدت كنيسة “مار يوسف للسريان الكاثوليك “في منطقة المنصور الراقية (غرب بغداد) والتي كانت مسرحاً لأعمال عنف وتفجيرات خلال السنوات الأخيرة، حلة زاهية وزينت بالإضاءة الملونة التي أضفت عليها بهاء وقدسية وتوافدت العشرات من العائلات بكل هدوء وسكينة لإحياء الليلة المجيدة فيما كانت النار الموقدة وسط باحة الكنيسة رمزاً لقرب الميلاد .
وتختلط التراتيل والترانيم ورنين الأجراس مع دخول الخورأسقف بيوس قاشا راعي كنيسة مار يوسف متوجهاً إلى المذبح، محاطاً بالشمامسة وحملة الصليب ليطلق بعدها التحية الميلادية الأزلية، “ولد المسيح ..هللويا”, ليردد الحاضرون “هللويا” فتتعالى زغاريد النسوة وتصفيق الحاضرين، ليحمل بعدها الخوري تمثال طفل يجسد ولادة السيد المسيح، إلى المغارة وسط أجواء روحانية مبهرة.
ويقول الخورأسقف قاشا إن “مسيحيي العراق متمسكون بالبقاء في بلادهم ومنخرطون في الحوار مع الآخرين من أجل الحصول على حقوقهم كاملة من دون نقصان”.
واضاف قاشا ان “الاحتفال بالعيد المجيد يجسد حب المسيحيين للوطن والتمسك بالوحدة الوطنية وقيم التسامح والحوار وحرية الايمان والمعتقد”، مؤكداً أننا “نؤمن بأن العراق واحد والمسيح والكنائس ليست للمسيحيين فقط وإنما للجميع”.
وأوضح راعي كنيسة مار يوسف للسريان الكاثوليك: “نلتقي مسيحيين ومسلمين على هدف السلام ونصلي ليحل السلام في سوريا وفلسطين”.
وكان المسيحيون يشكلون نسبة 1،13 في المئة من السكان في العراق وفق إحصاء أجري العام 1947، وبلغ عددهم في الثمانينات بين مليون ومليوني نسمة، الا أن هذه النسبة انخفضت بسبب تصاعد معدلات الهجرة خلال فترة التسعينات وما أعقبها من حروب وأوضاع اقتصادية وسياسية متردية،كما هاجرت اعداد كبيرة من المسيحيين الى الخارج بعد عام 2003.
واختلطت مشاعر الشاب العراقي المسيحي وسام سرسم بين الفرح بالميلاد وفراق الاحبة في بلاد المهجر اذ قال لـ(المستقبل) إن “أعياد الميلاد هذا العام اختلفت اختلافاً جذرياً عن الاعوام الاخيرة حيث كان العامل الامني سبباً بان تجري الاحتفالات في اجواء من الكتمان خوفاً من الارهاب”، مشيراً إلى أن “العام الحالي شهد تحسناً ملموسًا في الوضع الامني حيث عاد الزمن الى الوراء كما كنا قبل عام 2003 وبدأت أجراس الكنائس تقرع ليلاً لتبشر بولادة المسيح بعد أن غابت زمناً طويلاً ونتمنى أن تبشر بولادة الامل بنهوض العراق”.
وأضاف سرسم بنبرة من الحزن: “كنا نحتفل بالعيد وسط الأهل والاحبة ولكن الآن معظمهم خارج العراق وهذا أمر محزن ولا يمكننا أن نطلب منهم العودة مجدداً لان الاوضاع ما زالت مقلقة رغم التحسن النسبي” معبراً عن أمله بأن “يستتب الأمن في جميع البلدان العربية ومنها سوريا وفلسطين ومصر فقد مررنا بأوقات صعبة جداً ونصلي جميعاً من أجل السلام في العالم”.
وكشف أن “رسالتي الى مسيحيي العراق في المهجر أنه مهما طال الزمن فلا بد أن يضعوا في أذهانهم العودة الى البلد الأم لأن الله خلقنا في العراق وسنحيا ونموت في أرضنا”.
واضفت مشاركة العديد من العائلات المسلمة في قداس الميلاد نكهة خاصة وجواً من الالفة بعدما حاول المتطرفون من خلال أعمال العنف التي استهدفت الكنائس إثارة النعرات الدينية وفرض ثقافة القطيعة بين العائلات المسيحية والمسلمة التي عاشت معاً منذ عشرات وربما مئات السنين كما اصطف أطفال الديانتين في طابور طويل لاستلام الهدايا من “بابا نويل” وهو ما زاد من روعة احتفال عيد الميلاد.
وبهذا الصدد يقول وليم وردة رئيس منظمة حمورابي لحقوق الانسان في حديثه لصحيفة “المستقبل” ان “الكنائس بدات تشهد بشكل لافت وملموس في العامين الاخيرين وخاصة بعد حادثة كنيسة سيدة النجاة تواجد المسلمين ومشاركتهم في مراسم العيد المجيد وهذا دليل قوي أن العراقيين شخص واحد لا يفرقهم دين وتجمعهم أرض واحدة وهذه رسالة واضحة للتعايش وخصوصاً لمسيحيي العراق في الخارج”.
وعبر وردة عن فرحته بأجواء عيد ولادة السيد المسيح التي “غابت عن بلدنا منذ 2003 حيث قرعت أجراس الكنائس ليلاً بعد أن كانت تجري الصلاة والقداديس ومراسيم العيد في النهار”، منوهاً الى ان “الأجهزة الأمنية وفرت الحماية للكنائس مما جعلنا نشعر بالراحة والاطمئنان”.
وأبدى رئيس منظمة حمورابي لحقوق الانسان ألمه لما يحدث في سوريا، قائلاً: “نصلي للشعب السوري سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين أو دروزاً أو غيرهم من قوميات من أجل حلول السلام ولا نريد ما حدث في العراق أن يتكرر في سوريا”، مبيناً أن “الشعب السوري عريق وتربطنا به روابط كثيرة وكان مضيافاً للعراقيين واحتضنهم في ظل الظروف الصعبة جداً ونصلي في يوم الميلاد بأن يحمي الله هذا الشعب وأن يمنح قادته الحكمة بأن يجلسوا إلى طاولة الحوار من أجل الشعب السوري”.

عن الكاتب

عدد المقالات : 7492

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى