قـسّـان آخـر زمان في كـنيسة الكـلـدان فأين لـويس بـطـركـنا المُـصان / الحـلـقة الأولى


مايكل سيبي
مايكل سيبي

إنّ مباهـج الـدنيا ومـلـذاتها مثيرة تحـفـز الكاهـن منـذ قـديم الـزمان ، أما اليوم مع إنـفـتاح الحـياة وتجـدّدها كما نـراها الآن ، وسهـولة وسائل الإتـصال والـتـنـقـل الـسريعة في كـل مكان … فإن صموده يتـزعـزع أمام مغـرياتها ! … وَ رزانـته تـتـرنح عـنـد مصارعـته ألـوانها !… فـيكـون بحاجة إلى أن يمتـلك شخـصية محـصّنة ، بلا رَيـبة ! … كي يتجـلى إيمانه عـلى محَـيّاه ليـكـون أمام الناس شخـصية رصينة مهـذبة ! … وعـنـدها يمكـنه التعامل مع المجـتمع بهـيـبة !…….. فإن لم يـقـوَ عـلى كـل تلك الـنـقاط ! فـلـيـذهـب إلى حـياة عـلمانية مناسِـبة ، وعـنـدها يـواجه حـساباً آخـراً إذا ظهـرت عـليه شائبة .

يتـربى الـكاهـن طفلاً في عائـلته بتـوجـيهات والـدَيه ، ثم المدرسة والكـنيسة ، وتأثير أصدقاء المحـيط الـذي فـيه ، قـبل إنخـراطه في خـدمة الـبُـشرى السارة لمسيحه ، فـتـبـدأ تـنـشئـته ــ المستـدامة ــ ككاهـن ، وهي من أولـويات الكـنيسة في الـوقـت الراهـن .

إن الـقـداسة جـوهـرُ كل تـنـشئة روحـية ، ومِن ثم تأتي الجـوانب الإنـسانية والـفـكـرية والرعـوية ، وقـد بات واضحاً الـيوم أكـثر من أيّ وقـت مضى ، ليس سهـلاً أنْ يكـون الإنـسان كاهـناً حـقـيـقـياً ، حـيث يصعـب عـليه الـوفاء ، بما هـو مطلـوب منه بنـقاء ، لأن إنبهاره بالحـياة ورُخـص ممنوعاتها ، تجـعـله يتـذبـذب أمام المتاح من متغـيراتها .

إن المقـياس العـملي لـمصداقـية الكاهـن الحـقـيقي هـو :

(1) إستعـداده لمجانية خـدمته الكهـنـوتية لاسيما خـدمة الأسرار ، دون التـفـكـير بسيارة أو شـقة أو قـطار .. وعـنـدها فـقـط يمكـنه أن يخـدم سـيـداً واحـداً فـيُـحسَـبَ مع الـقـديسين الأبرار .

(2) أن يتحـدّى مثيرات المجـتمع وجاذبـيتها . وكم هـو جـميل لـو يـدرس بإمعان وتأمل حـقـيقي عـميق ، قـصة الراهـب الـوحـيـد ( ربّان إيحـيـذايا ) …..

لا شـك ، نحـن نـقـرّ بأنّ في الكـنيسة كهـنة يستحـقـون الـثـناء ، والراحـلـون منهم تـركـوا بصماتهم بجلاء ، والأحـياء السعـداء ما زالـوا كـثيري العـطاء ( بـدرجات متـفاوتة ) يـؤدون واجـبهم وليسـوا مجـبَـرين عـليه ، لإنهم إخـتاروه بأنـفـسهم بقـناعة ومحـبة ، ناذرين ذواتهم لخـدمة كلمة المسيح بمَودّة ــ لـذا لا يُحـمّلـونـنا منية ــ والناس تـشكـرهم ، دونما حاجة إلى رفع لافـتات لتمجـيـدهم ….

إلاّ أنّ هـناك نماذجَ ــ كهـنة من فـئة الشباب مغـرورين ــ يناقـضون كـهـنـوتهم ، يستـرخـصون لسانهم ، ينجـرفـون وراء أهـوائهم ، فـليس عـلينا إلاّ الإشارة إلى كلامهم المعـيب وتـصرفهم المشين وسـلـوكهم السيء المنحـدر إلى الـدرك السفـلي في المجـتمع ، وغايتـنا في ذلك ليست إلاّ من أجـل :

أولاً : تـنـبـيههم ، عـسى أن يشعـروا بزيغانهم فـيُـقـوّمـون ذاتهم بـذاتهم …

ثانياً : إعلام مراجعهم العـلـيا ( إنْ كانـوا لا يعـلمون ! ) عـن أنّ بعـض هـؤلاء الكـهـنة المسيئين يـدّعـون بأنهم مخـوّلـون من مراجعهم …

ثالثاً : تحـذيـر أبناء الكـنيسة ( الـمخـدوعـين منهم ) ليكـونـوا عـلى عـلم بهم .  

المسيح كان معـلماً ولكـنه لم يتـباهَ بعِـلمه ، بل كان متـواضعاً وأعـطى لـنا درساً إلى درجة تساؤله عـن سبب تـسميته ( بالرجـل الصالح ــ وهـو منـزه عـن الخـطيئة ) ولم يقـبل متملـقاً ولا منافـقاً ولم يُحابِ أحـداً …. وأراد من تلاميـذه أن يقـتـدوا به حـين أوصاهم أن لا يُـدعَـوا ــ أب ! ــ كما كان الكـتبة والفـريسيـيـن ! بمعـنى يطلب من تلاميـذه رفـض فـكـرة أنْ يُـدعَـوا بلـقـب ( أب ) لأن للجـميع أباً واحـداً الـذي في السماوات …. وعـلى نـفـس المنـوال أوصاهم بأن لا يُـدعَـوا بإسم ــ سـيـد ! ــ ……… أما عـن الأب والسيد الروحـيـين فـتـلك مسألة لـنا فـيها نـقاش .

والكاهـن هـو معـلم أيضاً ــ رابي ــ ونحـن نحـتـرم معـلمنا سـواءاً في الصف الأول الإبتـدائي أم في الجامعة ، وبالمقابل يتـطـلب منه أنْ يتـصف بما يلـيق به أن يُسمى مربي الأجـيال عـلميا كان أم روحـيا ، ويُـتـوقع منه أنْ يُعامِل الناس بما يحافـظ عـلى مكانـته ويصون كـرامته بنـفـسه ، بل يفـرض إحـتـرامه لا بعـنجـهـيته بل بأخلاقه وتـصرفاته وكـياسته …. فإذا زاغ عـنها ، زاغ الناس عـنه ، بالإضافة إلى أنّ المسيح هـو الـذي قال : بالكـيل الـذي يكـيل الإنسان يُكال له … وهـنا يصبح الكاهـن عـلى المحـك ، فإذا رفـض دستـورَ المسيح ، عـنـدئـذ لـن يكـون مستحـقاً سلام المسيح ….   

أما عـن أبناء الكـنيسة ؟ نـقـول : عـلى الصغار الإستماع بـوقار …  والمتـقـدمون بالأعـمار ــ أمثالـنا ــ يحـتـرمون المقابل ليس عـمياوياً بل بنباهة وإبصار ! …. عالمين أن الكاهـن الشاب متحـمس بإنـدفاع ، مُعَـرّض إلى فـقـدان تـوازنه وبـدون قـناع ، ومستمتع لا يصدّق نـفـسه حـين يـطلـق أوامرَ فـوق قابليته ، تباهـياً أمام جـموعه ، مستغلاً مرجعه الـذي يحـتـرمُه دون أن يخـوّله بعـشوائية تـصرفه …. وعـليه فالشخـص كـبـيـر العـمر لا ينـزل إلى مستـواه ، بل يتـصرف كـقـدوة رفـيعة معـتـبراً نـفـسه (( أب )) لهـكـذا كاهـن شاب الـذي يكـون بمثابة (( إبن )) فـيغـض الطرف عـن هـفـوات الشباب …..

أما الكاهـن الكهـل الـذي خاض تجارب الحـياة فـعـجـنـته ، ومصاعـبها أثـقـلـته ، فلا يتـشبّـث بملابسه درعاً لإبتـذال تـصرفاته ، ولا يستـرخـص سلـوكه مستـقـوياً بمرجعه …. إنما أخلاقه هي سـنـده وقـوته .  

***********

وبهـذه المناسبة أضيف : منـذ بـداية وعْـيي في الكـنيسة وتعـرّفي عـلى عـدد كـبـير من الإكـليروس بمخـتـلـف رتبهم ، يكـرزون بالإنجـيل ولكـني لم أسمع أحـدهم قـط أن نـطـق بالآية ( مجاناً أخـذتم مجاناً أعـطـوا ) إلاّ واحـداً فـقـط ومارسها عـملـياً في أثـينا 1992 وهـو الأب الراهـب مكاريـوس / دير المخـلـص / لـبنان…. كما لم أسمع في أحاديثهم أنْ ردّدوا كلام مار ﭘـولس ((  تعـبنا وكـدنا ،إذ كـنا نكرز بإنجـيل الله ، ونحـن عاملون ليلاً ونهاراً ، كي لا نـثـقـل عـلى أحـدمنكم )) . 

بقـلم مايكـل سـيـﭘـي / سـدني

عن الكاتب

عدد المقالات : 470

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى