في الذكرى المئوية الأولى لإبادة الأرمن الجماعية عام 1915م


الشماس د. كوركيس مردو
الشماس د. كوركيس مردو

 والكلدان بشقَّيهم الكاثوليك والنساطرة والسريان اليعاقبة والكاثوليك

ننقل عن شاهد عيان مطران ماردين الكلداني مار اسرائيل اودو وبتصرُّفٍ صياغي لا يُخالف المُحتوى نقصاً أو زيادة، في كتابه المُعنون:

(اضطهاد المسيحيين من الكلدان الكاثوليك والكلدان النساطرة “الآثوريين” والأرمن في ماردين، آمد، سعرد، الجزيرة ونصيبين وغيرها عام 1915م في تركيا /ترجمة. الشماس خيري فومية/ مشيكَن- أميركا 2009م)

ففي (توطئة الكتاب اعلاه ص 9- 10) يقول المؤلف مار اودو: بأنَّ اضطهاد المسيحيين “أبناء الطوائف المسيحية” في ماردين باستثناء اليعاقبة “السريان الأرثوذكس” منهم في باديء الأمر، بدأ يوم الثالث من حزيران عام 1915م ولم تخمد نارُه حتى نهاية تشرين الأول من العام ذاته. ويُضيف: لم اسخِّر قلمي لأدوِّنَ هذا السِّفر، إلا على ما رأيته بأم عيني وسمعته باذني من الحقائق، مُبتعداً عن الإطالة ما استطعتُ. أما عن الذي دوَّنته نقلاً عمّا رُويَ لي، لم أقبله ولم أدَوِّنه إلا بعد البحث والتمحيص الدقيق، مُسجِّلاً لكُلِّ حادثٍ سببه.

سبب اضطهاد الأرمن

في المقدمة الأولى للكتاب المنوَّه عنه أعلاه (صفحة 11) وما يليها يقول المؤلف: كما هو معروف عن الأرمن بأنهم ومنذ قرون عديدة كان لديهم شعور قومي يدفعهم الى حبِّ الإستقلال والتحرُّر من نير العبودية للأقوام الغازية وفي مقدمتهم أرمن جبل ارارات وما دونهم، وقد ازداد لديهم الشعور القومي نموَّاً بشكل كبير في أواخر القرن التاسع عشر ومُستهَلِّ القرن 20 ، ونظروا الى شعوب شبه جزيرة البلقان من اليونان والصرب والرومان والجبل الأسود”مونتنيكرو” يثورون الواحد تلوالآخر فينالون الإستقلال والحرية، رغم تجاهلها من قبل الشعوب الأخرى لعدم إلمامِها بأيِّ نوع من المعرفة والعلوم الحديثة، وإن كانوا غير قادرين للحصول على الإستقلال والحرية إلا بدعم  ومساعدةٍ من القِوى الأجنبية التي حرَّضتهم على الإنتفاضة والثورة. فقد تأثر الأرمَن جداً بما آلت إليهم نتائج ثوراتهم، فكم بالحري وهم المشهود لهم بالمُثابرة والشهامة والبسالة أن يُطالبوا بالحصول على هذا المكسب العظيم المتعطشين إليه منذ زمن طويل! فاستفاقوا من غفوتهم الطويلة نافضين ما تراكم عليهم من غبار اليأس والكسل، آملين على كسر قيود الأسر ونزع نير العبودية الثقيل عن أكتافهم!

تقديم الأرمن قوميتهم على مسيحيتهم

ويواصل المؤلف الحديث في (الصفحة 12- 13) فباشر الأرمن وبخاصةٍ الأثرياء منهم بإرسال أبنائهم الى بلدان اوروبا المتقدِّمة، لينهلوا العِلم والمعرفة بمختلف الأنواع والإختصاصات في مدارسهم، ولدى عودتهم متسلحين بالعِلم قُبِلوا في دواوين الدولة وعُهِدَت إليهم مناصب مُهمة ذات المستوى الرفيع، فتبوأوها وأصبح بوسع عددٍ كبير منهم الإمساك بزمام امور الإمبراطورية العثمانية وإدارتها بمنتهى الهمة والجدية. فأسَّسوا المدارس للبنين والبنات في المدن التي تُقيم فيها الأكثرية الأرمنية,عيَّنوا لها مدرسين أكفاء، ولم يبخلوا بالصرف عليها أموالاً طائلة سنوياً، والى جانت تعليمهم فيها اللغات والعلوم الحديثة، راحوا يُلقنون طلبة تلك المدارس من كِلا الجنسين قصصاً وأخباراً عن عظمة وأمجاد ملوكهم الأوائل، علاوة على قيامهم بإطلاق أسماء اولئك الملوك على أطفالهم الحديثي الولادة. وفي تلك المدارس كانوا يغرسون في ذاكرة طُلابها الحِسَّ القومي الأرمني ويُنمَّون فيهم نوازع الثورة من أجل الحصول على الإستقلال والحرية. ولكي يُقووا فيهم هذا المنحى أهملوا التعليم الديني في مدارسهم، وعلى غِرار ذلك حذا حذوهم أساقفتهم وكهنتهم بترك تعليم اصول الدين المسيحي في كنائسهم، والإستعاضة عنه بتوجيه أحاديث عن الحرية والإهتمام بتحصين دورهم وحثِّهم على حيازة الأسلحة والعِتاد ليكونوا متأهبين لردع أيِّ خطر قد يُحدق بهم. وبتبنيهم لهذا التوجه المُنافي الى ما تدعو إليه المسيحية من التثقيف الديني والسلوك الأخلاقي الحسن، فقد بلغت الجرأة ببعضهم بالدعوة الى هدم الكنائس وتحويلها الى قلاع وحصون، بعد أن جعلوا منها أماكن للهو وقاعات لإجتماع الأحزاب فيقوم منتسبوها بعرض اجتهاداتهم على مستمعيهم مفسِّرين لهم القضايا والشؤون السياسية. والأدهى من ذلك يقول الأب جاك ريتوري في كتابه (مسيحيون بين أنياب الوحوش/تحقيق وعرض جوزيف اليشوران/ترجمة الأب عمانوئيل الريس ص 68) بأنَّه في الفترة الأخيرة راح شباب الأرمن يتباهون وبتبجُّح في إنكار وجودالله، ويُروِّجون للمبدأ الألماني الداعي الى عدم الإلتزام بوصايا الله العشرة، ولم يقتصر ذلك على المونوفيزيين الأرمن (الأرثوذكس حالياً) بل تعداه الى الأرمن الكاثوليك حيث انخرط الكثيرُ منهم في هذه الحركة، منادين جهاراً أنَّ للأمة الأولوية على الكنيسة، وواجباتنا الوطنيةهي في مقدمة واجباتنا الدينية، تُرى، ماذا سيعقب هذا الإنحراف والإلحاد؟هل من الممكن مروره بدون عقاب؟

بهذه الأساليب الإلحادية استطاعوا استمالة أفكار الجماعات الأرمنية، ولم يكتفِ المُلحدون بذلك بل راحوا يتطاولون على القوانين والأنظمة السائدة في البلاد، من حيث الشروع بتدريب شباب المدارس سراً على كيفية استخدام السلاح، والقيام بتأسيس مجالس متعددة (جمعيات، منظمات وأحزاب) في كُل المدن لنشر تلك الآراء والأفكار وتحفيزها، ليس بين الأرمن  الرازحين تحت السلطة العثمانية فحسب، بل بين الأرمن المُقيمين في البلدان الأخرى من العالم، لأنَّ الشعور القومي لديهم أصبح من القوة بمكان، الى الحد الذي دفع بهم للمطالبة بمحاربة الفساد الإداري في السلطنة العثمانية  لغرض إصلاحه، ومنحهم الحكم الذاتي مرتبطاً بالحكومة المركزية للدولة العثمانية.

مطالبة الأرمن بالحكم الذاتي

إنَّ مُطالبة الأرمَن بالحكم الذاتي لأرمينيا، كان بالنسبة للإمبراطورية العثمانية المتكونة من شعوبٍ متعددة الأجناس كان مطلباً بالغ الصعوبة، عسير التحقيق بل مُستحيل المُوافقة عليه، وقد أحدثَ استياءً كبيراً لدى السلطان عبدالحميد الثاني لدى إبلاغه به، فعارضه بشدة وصمَّم على إفشال المطلبَين معاً “المُساواة والحكم الذاتي” وأضمر في قلبه الحقد على الأرمن لإلحاق شَرٍّ مُستطير بهم وتدمير مصيرهم. فقابل الأرمن هذا الموقف بردَّ فعل مُعاكس، حيث بدأوا بإرسال فدائييهم الى مُختلف مناطق السلطنة لإثارة الفِتَن والإضطرابات، فكانت القوات الحكومية لهم بالمِرصاد، إذ قامت بقمع تطاولاتهم التي تحدث من جرّائها كثيراً من الأحيان اصطدامات ومواجهات دامية بينهم وبالتالي تتمكن من احتواء تأثيراتهم التي تتمخَّض عن تحرُّكاتهم وتفرض الأمن. وفي خِضَمِّ هذه الفوضى العارمة التي كانت تجتاح البلاد، هَبَّ الجيش التُركي لإنتشال بلاده من الفوضى شاعراً بالعار من النزاع الداخلي المُستحكم، حيث اعتبره سبباً في تغلغل اليونانيين الى آسيا الصغرى، فثار قادتُه بزعامة مصطفى كمال أتاتورك على السلطة العثمانية الهرمة الواهنة، وشكَّلوا حركة ثورية عُرفت بحركة “الإتحاديين” مُهمتها إنقاذ البلاد.

في عام 1908م يقول المؤلف (الصفحة 16 – 17) زحفت قوات الإتحاديين من سلانيك “تسالونيقي” نحو العاصمة لعزل السلطان عبدالحميد الثاني وإزاحته عن العرش، أو إجباره على القبول بالتشريعات الداعية الى “المساواة والحرية” في جميع أرجاء الإمبراطورية. ودعا قادة الإتحاديين أرمن العاصمة اسطنبول وضواحيها للإنضمام الى حركتهم للإطاحة بعبدالحميد الثاني واعدين إياهم بمكر بتحقيق حُلمهم بالحكم الذاتي، ولما كان ذلك ما يصبو إليه الأرمن، فلم يتأخروا عن نجدة الإتحاديين مُصدِّقين وعدهم السرابي! دون أن تخطرعلى بالهم خيانتهم المرسومة مسبقاً! فوقعوا في المصيدة وهبوا للثأر مِمَّن أهدر دماء الآلاف من الأرمن، يدفعهم الوهم بأن السلطان وحده هو المسؤول عن مذابح بني قومهم، وهو الوحيد المناهض لنيل حريتهم. ودار قتال بين جيش السلطان من جهة وألوية حركة الإتحاديين وحلفائهم الأرمن من جهةٍ اخرى، وما إن شعر السلطان باندحار مقاتليه أمام مُقاتلي الإتحاديين، ولن يستطيع الصامدون منهام قمع حركة الإتحاديين، رضخ لشروط الإتحاديين وحلفائهم، وبهذه الخطوة ظَلَّ متربعاً على العرش، واعلن يومُ انتصار الحلفاء 23 تموز 1908م عيداً قومياً يُحتفل به سنوياً “يوم النصر” وفي ذات الوقت صدر قانون “الحرية والعدالة والمُساواة” وأعلن في كُلِّ المدن والأقطارالخاضعة للسلطنة العثمانية ونقشت الكلمات الثلاث على شعار الدولة وعلى العملة العثمانية.

وقام الإتحاديون بفتح فروع لجمعيتهم التي أسَّسوها بداية في تسالونيك باسم “جمعية الإتحاد والترقي” في كُلِّ مدن مناطق السلطنة، والهدف من تأسيسها كان لمقاومة طغيان السلطان عبدالحميد الثاني، وكان قادتُها الكبارالبارزون كُلٌّ من جمال باشا “السفاح ” وأنور باشا وجودت باشا، فعقدوا علاقات سرية مع الجمعية الماسونية، وقام القادة بتشريع قوانين سرية تقضي بإبادة مُواطنيهم الأرمَن واجتثاث جذورهم من أعماق الأرض. وكان جمال باشا أشدَّ المتزمتين الأتراك وألدَّ اعداء المسيحيين، فهو الذي قطع الأرزاق والإمدادات عن أهالي جبل لبنان فارضاً على مسيحييه الحصار إبّان الحرب العالمية الأولى، مِمّا سبب بوفاة الآلاف من سُكان جبل لبنان ذي الغالبية المارونية فقضوا جوعاً، تُرى، أليس هذا دليلاً واضحاً بأنَّ الإضطهاد التركي كانت نزعته دينية بحتة؟

وعلى غِرار الإتحاديين شكَّل الأرمن جمعيات علنية وبعِلم الدولة، ولكنَّهم بعد حين صار الأمرُ جلياً لديهم، بأنَّ الحرية لن تمنحهم حكماً ذاتياً، وعليه فقد اقتصر طلبُهم على إجراء إصلاحاتٍ خاصة بأرمينيا فقط، وأن يجري تطبيقها جِدِّياً وعملياً. بيدَ أنَّ الإتحاديين لم ينكثوا عهدهم للأرمَن فحسب، بل اغتاظوا جداً مِن مطلبهم، وكسابقيهم أضمروا الشرَّ لهم، وراحوا يتحيَّنون الفرصة لإبادتهم، وجاءَت الفرصة المؤاتية مع بداية الحرب العالمية الأولى وإليكم التفاصيل:

ظنَّ السلطان عبدالحميد بأنَّه طالما استطاع البقاء على العرش، لن يستطيع أحدٌ زحزحته عنه، فعاوده حُبُّ الإستبداد والإستفراد بالرأي، فألغى الشروط التي أملاها عليه الإتحاديون عام 1908م، واستولى على دار الشورى، وطرد كُلَّ مَن كان فيها من المستشارين وبدَّدَ شملهم ثمَّ أغلقها. وللإنتقام من كارهيه الأرمن وحلفاء أعدائه الإتحاديين، بدأ أولاً بإبادة أرمن قيليقية، فقام بتحريض الغوغائيين من عامة الشعب ضِدَّهم،  فقاموا بضربهم ضربة ماحقة وتعرَّضَ للقتل ما يقرب من ستين كلدانياً من الكلدان الساكنين بينهم، وأحرق الرُّعاع كنيسة الكلدان في قيليقية، وقد جرت هذه الأحداث في عام 1909م. وإذ انكشف للإتحاديين كذب وخِداع هذا السلطان المُراوغ والشرير، وعودته ثانية الى مُمارسة ما جُبِل عليه من الطغيان، لم يتردَّدوا بتجهيز قوات كفوءة وتوجَّهوا بها بعزم لا يلين نحو العاصمة، فحاصروه في قصره وانتصروا عليه بعد أن سقط  من الجانبين عددٌ من القتلى، واعتقلوه وعزلوه عن العرش قسراً، وذهبوا به برفقة عددٍ من نسائه الى  القصر اللاتيني في تسالانيك، وحُجزعليه تحت حراسةٍ مُشدَّدة. وأقاموا أخاه رشاد سلطاناً بدلاً عنه بعد موافقته على شروطهم. وظلَّ عبد الحميد المخلوع سجيناً في منفاه بتسلانيك حتى اندلاع حرب البلقان، وقبل سقوط تسالانيك بأيدي اليونانيين، نُقل الى اسطنبول وظلَّ سجيناً فيها حتى وفاته في ربيع عام 1918م.

وفي (الصفحة 14 – 15) يسترسل المؤلف: كان الأرمن القاطنون في روسيا يمُدّون إخوتهم أرمن تركيا بكُلِّ ما يستجد من الأسلحة لتعزيز مُقاتليهم، وكانت اثمان تلك الأسلحة تُدفع من ايرادات كنائسهم وأديُرتهم، وإزاء هذه التطوُّرات شعر السلطان عبدالحميد بأنَّ خطرهم يتعاظم وصوت مطالبتهم بالحرية يتصاعد بقوة عن طريق الصحف والمجلات الأجنبية التي تنشر تهديداتهم له الى جانب تقريفهم إياه ونعتِه بصفات وسجايا لاذعة جلبت له السؤم والقلق على مصيره، وخلقت نشاطاتُهم جوَّاً من الرعب والفزع حوله حتى وصل به الأمر الى الإستنجاد بقيصر روسيا نيقولا الثاني طالباً منه إسداء المشورة بشأن تدارك الموقف المتأزم رغم كون روسيا الجارة غير المُريحة للعثمانيين. ولكنَّ المصالح تجعل من الأعداء أحياناً حلفاء، فالحركات الأرمنية المناهضة كانت تُغذيها وتُحركها قِوىً خفية، وتلك القِوى الخفية كانت بنفس الوقت لإدارة قيصر عدوَّة (وكانت انكلترة العدوة المشتركة) حيث كانت تحتضن الزمرة البلشفية التي أطاحت بالقيصرية، وتدعم الحركات الأرمنية لإرباك الدولة العثمانية وإضعافها داخلياً لكي يسهل عليها وعلى حلفائها الإنقضاض عليها.

وما إن نال السلطان من القيصر مأربَه حتى اعتبرها فرصة سانحة له لم يكن يحلم بها! وفور حصوله على مؤازرة نيقولا الثاني، حتى أصدر الأمر لقواته في الحال لضرب أرمن بلاده الضربة القاضية، فقامت بالإستيلاء على كافة أوقافهم وأملاكهم في جميع أنحاء السلطنة، وشمل الأمر السلطاني إعدام كُلِّ مناويء أو معارض، فأظهرت تلك القوات مدى شراستها وكان يؤازرها رجال العشائر الكُردية، فلم يسلم من شرِّها الذي شمل كُلَّ المدن والقرى التي يتواجد فيها الأرمن، عاملين فيها قتلاً ونهباً ومستولين على أراضي الأرمن ودورهم، ولأن هذه الهجمة كانت اولى الصَولات فلم يَدُم فيها القتل والنهب إلا أياماً قليلة، وكانت اشبه بالتي حدثت في مُستهَلِّ تشرين الثاني لعام 1895م وفاتحة للإبادة الشاملة التي بدأ تنفيذها عام 1915م في عهد السلطان رشاد (محمد الخامس 1909 – 1918م)  وكان عبدالحميد الثاني المعزول على قيد الحياة. ولكن خلال هذه الصَولة قتِل من الكلدان عمدا أو سهواً نحو ستين شخصاً في آمد وضواحيها. وفي أدنة تعرَّضَ للقتل مئات الكلدان، أما قتلى الأرمن فتخطى عددُهم الخمسة والعشرين الفاً كما جاء في قصيدة القس اسطيفان مكسابو الشعرية.

أحدثت هذه الصولة هيجاناً في صفوف الأرمن وهم يُشاهدون بني جنسهم يهوون تحت سنابك خيول السفاحين الأتراك الهائجة وهي تعدو فوق أجسادهم، وكانت مناظر ذبح أطفالهم كالخِراف تُفتِّتُ أفئدتهم، ولم يكن هناك مَن يُنجيهم من مخالب الذئاب الكاسرة، إنَّ هذا الموقف الرهيب والبشع انغلقت أفواه الأرمَن وخَرُست السنتهم لفترةٍ من الزمن أمام هول هذه الصدمة، وكان أشقّاؤهم المُقيمون خارج حدود الدولة العثمانية الباغية قد ملأوا الدنيا صُراخاً وعويلاً مُولولين ومُستغيثين ولم يكن هناك مَن يسمع!

ويسرد المؤلف في (الصفحة 18 – 19 – 20) كانت الدولة العثمانية قبل استيلاء الإتحاديين على السلطة تُعاني من مشاكل اقتصادية، حاول الإتحاديون بعد استيلائهم على زمام الأمور حَلَّها ولكنهم لم يفلحوا، وكانت أحد الأسباب لخوض العثمانيين حربين خاسرتين الأولى ضِدَّ ايطاليا التي انتزعت منها طرابلس الغرب أولاً، وبعد فترةٍ وجيزة استحوذت على كامل الأراضي الليبية. أما الحرب الثانية فخاضها العثمانيون وبعد وقتٍ قصير من خسارتهم الحرب مع ايطاليا ضِدَّ دول شبه جزيرة البلقان، فأصاب الشلل القوات العثمانية وعادت على أعقابها مدحورة، وكانت خسارة الدولة العثمانية انسلاخ المقاطعات الست التي كانت متبقية لها في هذه الجزيرة، بالإضافة الى جُزرالأرخبيل ومن بينها جزيرة ميداليني الجميلة المجاورة لزمورنا. وفي أعقاب هتين الحربَين وما سبقتهما من حروب فهنالك قسم من الأرمن من الداخل والخارج رأوا في هذه الأحداث فرصة سانحة لتكثيف مطالبتهم بشأن إجراء إصلاحات في أرمينيا وبإعادة أراضيهم وممتلكاتهم التي نُزعت منهم في أحداث عام 1895م. إنَّ ممثل الأرمن بولس باشا المُقيم في مصر، أخذ يتنقل بين باريس ولندن في مسعىً لتجديد الرقابة بشدَّةٍ على الحكومة العثمانية، وقد لاقت مساعيه نجاحاً، وشُكِّلت لجنة مفتشين من دول أجنبية كهولندا ودول اخرى غيرها من جهة، ووافق السلطان رشاد “محمد الخامس” بتعيين ممثلين عن الحكومة العثمانية من جهةٍ ثانية، وكان الهدف منها إجراء الإصلاحات ومنع حالات الإنتقام في أرمينيا. لكنَّ النجاح لم يُحالف هذه اللجنة بسبب اندلاع نار الحرب بين النمسا وصربيا في 29/7/1914م قبيل توجُّه أعضائها الى اسطنبول لمباشرة مهامها، وما لبث أن استشرى سعير تلك الحرب الى دول اخرى، فدُعيت بالحرب العالمية. وأدَّت نتيجة تلك الظروف المُضطربة جداً الى سقوط الأمة الأرمنية تحت رحى تلك الحرب فسحقتها كما تُسحق حبة القمح! ودخلت الدولة العثمانية في هذه الحرب الضروس الى جانب المانيا وحليفاتها، آملة ليس المُحافظة على وحدة أراضي امبراطوريتها الهرمة فحسب، بل علَّها تتمكَّن من استعادة الأقطار والمقاطعات التي انسلخت منها في الأعوام الأخيرة ولطرد الإنكليز من مصر.

وفي هذا الظرف المُضطرب والعصيب الذي رأوه الإتحاديون الجُناة مؤاتياً لهم جداً، استعدّوا لتنفيذ مآربهم الشريرة التي يضمرونها ضِدَّ الأرمن، باستدعوا الضباط الذين في العاصمة وأبلغوهم شفوياً عن موعد وكيفية القضاء على هذا الشعب الأرمني البائس، بقلع جذوره لكي لا تكون له قومة الى الأبد. وقد استثني في باديء الأمر الساكنون في ماردين وسعرد والجزيرة وآمد. وبدأ نحر أبناء هذه الأمة الشهيرة والعريقة بشكل بربري ووحشي، يصعب على العقل البشري تصوُّرَه! ويعلِّق المؤلف شاهد عيان قائلاً: ومِمّا أتينا على ذِكره باختصار، نستطيع القول، بأنَّ الأرمن هم الذين بأنفسهم جنوا على انفسهم، حين ساهَ عن بالهم عن الصعوبة التي تحول دون نيلهم الإستقلال، ألا وهي تداخل مناطق سكناهم مع الشعب ذي الغالبية التركية الحاكمة، وامتزاجهم به يُشبه امتزاج الخمرة بالماء، وهذا ينطبق على وضعهم بين العشائر الكردية في كُلِّ مدن وقرى أرمينيا علاوة على ضآلة عددهم بالنسبة الى الأتراك والأكراد، وحتى لو نالوا الإستقلال فلم يكن لهم حتى مدينة واحدة خاصة بهم، أفلا يمكننا القول بأنَّ الحكومة العثمانية تحمَّلت تحرُّكاتهم اللاشرعية بصبر كبير ولفترة من الزمن!

ويُضيف المؤلف: كان على الأرمن أن يتعظوا من الدرس القاسي الذي لقنتهم إياه أحداث عام 1895م، إذ كم كان سهلاً القضاء عليهم، ولكنهم لم يرعووا، بل وضعوا نصب أعينهم أحد الأمرين لا ثالث لهما: إما الموت او الإنعتاق والتحرُّر من ثقل نير الأتراك الطغاة، والأدهى من ذلك الخلاص من الظلم الجائر الذي لا يُحتمل من جرّاء مُعاملة الأكراد المُجحفة لهم نتيجة جهلهم ووحشيتهم المجبولين بهما. وفي (الصفحة 22 – 23 – 23) يقول: إنَّ إبادة شعبٍ برُمَّته واجتثاثِه من جذوره وفي القرن العشرين عصر النور والتمدُّن، لهو جريمة لا تُغتفر، ولم يرتكبها إلا الإتحاديون الأتراك، أما إدِّعاؤهم وعُذرُهم بأنهم لم يكن في نيتهم إبادتهم، وإنَّما إبعادهم ونفيهم خارج حدود المناطق الملتهبة بسبب الحرب، ولكنَّ الأكراد قطاع الطرق هم الذين قتلوهم أثناء ترحيلهم، إنَّه إدِّعاء ملفق لا يُبرِّر فعلتهم الشنيعة ولا يقتنع به حتى أقل الناس سذاجة، وكيف كان يتسنّى للأكراد قتلهم وهم بحماية مُرحِّليهم العساكر التركية!

أية ذريعة يتذرع بها هؤلاء الجُناة كي يلقى منهم هذا الشعب كُلَّ صنوف الظلم والإضطهاد لحد الإبادة؟ ومن خلال تتبعنا للأحداث المأساوية لم نجد سبباً مقنعاً يُبرِّر تأجيج نارهذا الإضطهاء، غير كون الشعب المُضطهَد مسيحياً وهو السبب الرئيسي والسبب الثاني هو الإضطهاد العِرقي الذي تبناه الإتحاديون الأتراك بحسب محللي اليوم. إن الإتحاديين هم الذين أمروا الأكراد والعرب والشركس، بأن يقوموا بهدم دور المسيحيين وإخراجهم منها بلا رحمة واقتناص مَن ويروق لهم. ليس بإمكان أيِّ إنسان مهما طغت عليه الوحشية والبربرية أن يغفر أو يُسامح الإتحاديين ومليشياتهم سفاكي الدماء الخطفة، قساة القلوب أعداء الإنسانية من الإثم الكبير الذي لا يُمحى الى ابد الآبدين، إنَّه وصمة عار على جباههم حتى يوم القيامة التي لن تنفع فيها الندامة.

الشماس د. كوركيس مردو

في 24/4/2015

عن الكاتب

عدد المقالات : 218

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى