عراة امام المرآة


زيد ميشو
زيد ميشو

لاأضيف على العلم شيئاً إن قلت بأن المرآة وجدت لنرى بها إنعكاسات للأشياء التي أمامها . وكثيراً شهدت وقوف أشخاص ولوقتٍ طويل وهم يبحثون عمّا لايحبونه ظاهراً في وجوههم فيلجأوا لمساحيق تسترها عن الأعين . أو من يجرّب أمامها نصف ملابسه التي تحويها خزانته لتكون هيئته مميزة لأمسية سيذهب إليها بعد قليل . وكم من الأشخاص الذين تعلّقوا بالمرآة أكثر من تعلقهم بأفلام الأكشن والهندية وحتى تعلّقهم بأمهم ، وأصبحت لهم بمثابة إله يتمنى كلٍ منهم أن يرى أجمل شيء من خلالها . وبما إن وظيفتها تقتصر على إنعكاس للظاهر فقط ، لذا فهي مصدر قلق وفرح في آنٍ واحد ، قلق عندما تعكس أشياء لايحبذها المرء في شكله وجسده ، وفرح إذ تريه مايرضي الغرور . وبكلا الحالتين ، فإن للمرآة إعجوبة إنعكاس الحقيقة وكشفها بحسناتها وعلّاتها . وهذا الكشف مفيد أحياناً خصوصاً في الفترة التي يقف أمامها المتعري حتى من ورقة التين ، عندها ستكون أقرب صديق يُظهر المستور من جمال وعيوب دون إفضاحها . فلماذا لايتعرى الإنسان أمامها إلى ماهو أبعد من المنظور والملموس ، ويبدأ بمحاورة الوجه الذي أمامه ويحدثه عن كل مابداخله من أسرار وغموض بشفافية مطلقة ، عن مايشعر به ويخبئه ، وما يضمره من حقد وحسد وغيرة ، كاشفاً لحظات اللاسلام التي تهزّ إنسانيته ، وعن الرغبة بالتسلّط وامتلاك ماتطاله يده وإن كان على حساب بشراً مثله . ليحاور ذاته عبر المرآة علّه يجد مالايسره فيصححه كما يرى البثور السوداء في وجهه ويعالجها ؟ أم هو الخوف من مواجهة الذات حتى في الخلوة ؟
وبما أن رضا الكثيرين عن أنفسهم يرتبط بظاهرهم ، فقد عمل الأغلبية بأنانية مطلقة ليتحول كل من يلتقونه إلى مرآة تعكس مايتجمّلون به فقط . فكما النساء تضع المكياج ليتجمّلن به سويعات ، كذلك يفعل الكثيرون عندما يقابلون أشخاصاً يحاولون ان يتجملوا أمامهم في الكلام والتصرّف لينالوا إحسانهم ويتمتعوا بإطرائهم ، إنما لاننسى بأنها ( أي المرآة ) تجعل اليسار يميناً والعكس صحيح ، وأقصد بأنها تعطي إنعكاساً للأشياء وتعكسها دون أن ننتبه أو نفكر بهذه النقطة .
لاأقول بأن ذلك سيء ، إلا أنه يصبح كذلك عندما يكون الآخر غاية لنيل المديح .
الكل بحاجة إلى المرآة ، وروعتها بأنها لاتعرف المجاملة ، فما أروعنا لو أصبحنا مرآةً لغيرنا وكذلك الآخر لنا ، اليس ذلك مايسميه الجميع بالصراحة ، تلك الكلمة التي يتبنّاها الجميع كجزءاً من كيانهم ؟ فلنختبرها إذن لتصبح جزءً منّا بحق وحقيق ….. إنما من يضمن عدم رمي الصريحين بحجر ويكسر هذه الإنعكاس ؟
أشخاص بحاجة إلى مرآة حقيقية … إلى صراحتنا
من يسعى إلى تحسين ظاهره ويهمل داخله ، وشتان بينهما .
من ينجذب إلى الجمال الخارجي فقط ، ولا يحاول أن يتعرّف على الجمال الداخلي !
من يعتقد بأن التعرّي أمام الناس معاب أكثر من الحشمة الكاذبة
الذي يتظاهر بالإيمان لغرض المفاخرة وتحسين السمعة
المتكبر عندما يمثّل دور المتواضع
رجل الدين الذي يسعى لتمجيد ذاته وليس ربه
المثقف الذي يحاول كسب الناس وليس من أجل فائدتهم
والقائمة تطول ……

عن الكاتب

عدد المقالات : 73

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى