ضياع العراق وضياعنا بين دجلة وبرطلة / عامر حنا فتوحي


نادي بابل

 

العراق بلاد الرافدين، بيث نهرين، ما بين النهرين، وادي الرافدين، ميسوبوتاميا وجنة عدن، أسماء لها وقعها الطيب في مسامعنا ومذاق العسل في فمنا، هذه التسميات التي طالما أستحوذت على مخيلاتنا وفتحت آفاقاً واسعة أمامنا نسبر غورها ونستمد منها قدرتنا على المواصلة والعطاء ما هيّ إلا مجموعة صغيرة بين جملة من التسميات العديدة التي وسمت وطننا الأم بأسمائها على طول التاريخ.

من البديهي هنا، أن هذه التسميات قد أرتبطت جميعها بمياه الرافدين العذبة وعطائهما الذي أفرز ظهور أول حضارة إنسانية في تاريخ البشرية كلها. حضارتنا النهرانية هذه حفزت على إنجاز الكثير من المشاريع الإروائية التي شكلت ملامح وبنية العراق القديم ولعل أشهرها آثار السد الذي بناه الأمبراطور الشمس (نبوخذنصر) في بغداد (بل أدد) والذي ما تزال بقاياه شاخصة في الجهة الغربية من جسر تموز بين منطقتي الشواكة والجعيفر، وقد بنى العامة فوقه ضريح (الخضر) الذي يؤمه اليوم جميع العراقيين!

مياه الرافدين الخالدين كانت وما تزال تروي وتغذي أرض الرافديين بالماء والخير والوفرة والحياة، لم تستطع عومل الطبيعة رغم ضراوتها أن تنال من تدفق مياه الرافدين (دجلة والفرات) منذ أن تكون هذان النهران قبل مئات الألوف من السنين، بل أنهما حافظا على تسميتيهما الأصليتين على مر التاريخ رغم تعاقب الحضارات وتطور الألسنة منذ العصر المجهول وصولاً إلى عصر الكتابة، ولعل أقدم تلك التسميات التي تعود إلى عصر الكلدان الأوائل بحدود 5300 ق.م هيّ: نهر دجلة (إيد دكنا)، ونهر الفرات (إيد بوراتي):

(Id-Purati/Puratum & Idigna).

مما يبعث على الأسى اليوم أن هذين الرافدين العظيمين اللذين كانا موئلاً لأعظم الحضارات الإنسانية وأقدمها يعانيان اليوم من الجفاف، وسط صمت دولي ومؤامرات عربية (كويتية-سورية) إيرانية تركية، وتجاهل حكومي عراقي محاصصاتي خطير ومريب وغريب!!

في إحصاء عالمي نشر قبل سنتين وردت إشارة تفيد بأن هذين النهرين العظيمين معرضان للجفاف في حدود العام 2040م بسبب إهمال عمليات الكري من ناحية، ومن ناحية أخرى تكالب دول الجوار على تسديد الطعنات القاتلة للعراق من خلال ذبح نهريه الخالدين وبكل ما أوتوا من قوة، لاسيما قيام الجارة المسلمة إيران بقطع الأنهر المشتركة وبخاصة نهر الكارون الذي يعد من أهم روافد شط العرب، حيث كان يزوده بحوالي 27 مليار متر مكعب سنوياً، علاوة على الروافد الأخرى القادمة من إيران وهيّ: الطيب، دوبريج، الكرخة، شط الأعمى، ناهيكم عن روافد الوسط والشمال ولعل أهمها الزابين الكبير والصغير والعظيم ونهر ديالى.

ووفقاً لذات السياق الإنتهازي والتخريبي قامت الجارتان المسلمتان تركيا وسوريا بالتعاون مع الكويت العربي المسلم بتقليل الحصة المائية الواصلة للعراق من خلال إنشاء سلسلة سدود جنوب الأناضول ومشروع جر مياه دجلة إلى الحسكة بتمويل كويتي!!

وبديهي هنا، أن ما شجع تلك الدول على أتيان هذا الفعل المدمر للحياة وللعراق، معرفة رئاسات دول الجوار (كومة حجار) بضعف المسؤولين العراقيين وإنعدام الغيرة لدى قادة حكومتي (المحاصصة والتوافقية) في المركز والإقليم، لاسيما وأن من يقود الحكم اليوم في العراق ليسوا بأكثر من ثلة من الغرباء والدخلاء المعدومي الوفاء والولاء للعراق، وجلهم ممن لا هم ولا غم لهم غير إرضاء أولي أمرهم وتنفيذ أجندات سادتهم في إيران وسعودستان وكويتستان وتكوير كروشهم وتعبئة حساباتهم المصرفية على حساب عرق وجوع وموت العراق والعراقيين اليومي المهين!

الفرق واضح وبسيط بين حكام اليوم المحسوبين عنوة على العراق وبين العراقيين الشرفاء أمثال شاعرنا الجواهري الكبير في قولته عن دجلة الخير:

حيّيْتُ سفحكِ من بُعد فحييني       يا دجلة الخير يا أم البساتين
حيّيْتُ سفحكِ ظمآناً ألوذُ به       لوْذَ الحمائم بين الماءِ والطينِ
يا دجلةَ الخير يا نبْعاً أفارقُهُ    على الكراهةِ بين الحين والحينِ
إنّي وردْتُ عيون الماءِ صافيةً    نبْعاً فنبْعاً، فما كانت لترويني

دجلة اليوم يناديكم فأغيثوا هذا الذي طالما أغاث أجدادكم وآباءكم وأمهاتكم وأخوتكم وأخواتكم وأبناءكم وبناتكم. دجلة هذا يحتضر اليوم أمام أعينكم ولا من يحرك ساكناً!

دجلة اليوم لا يطلب منكم غير توقيع بسيط لا يستغرق منكم غير ثلاث دقائق، فهل تستجيبون لندائه كما يستجيب هو لنداءاتكم (أرضاً وناساً). كلكم تعرفون بأن (عراق من غير فرات أو دجلة) يعني (لا حياة ولا عراق)، فهل ترضى ضمائركم أن نتخلى عن العراق وعن الحياة وعن دجلة؟!!

يحتاج (نهر دجلة) إلى تواقيعكم من أجل الحملة التي تشرف عليها منظمة اليونسكو لإيقاف المشروع القاتل سد (أليسو) التركي الذي يستهدف إبتزاز العراق سياسياً وإقتصادياً، ناهيكم عن أضراره الإنسانية والبيئية على المدى الطويل، أنه بأختصار (قتل للحياة وقتل للعراق)!
فهل نقف مكتوفي الأيدي، متفرجين على الغرباء وهم يقتلون العراق؟

للتوقيع على النداء من أجل انقاذ نهر دجلة وضمان مستقبل العراق يرجى زيارة الموقع الالكتروني التالي :

http://www.change.org/petitions/unesco-world-heritage-committee-save-world-heritage-on-the-tigris-river-in-mesopotamia

إنتباهة: كل من يقرأ هذا الموضوع ولا يبخل بدقيقتين من وقته من أجل إنقاذ نهر دجلة وإنقاذ العراق هو (عراقي شهم). أخيراً أقول: (بورك كل من قرأ ووقع النداء) وطوبى لكم أيها الغيارى بالعراق أرضاً وماءً.

برطلة بين حقائق التاريخ وإدعاء د. حنين القدو الباطل!

منذ ما يقرب من سنتين وأنا أتابع عن كثب محاولات التغيير الديمغرافي في وطننا الأم سواء تلك التي طالت قريتي (قرولة وديرأبون) وقرى وبلدات أخرى في دهوك، أم تلك التي تطال (بغديدا وعنكاوا) في سهل نينوى وأربيل، ولعل أشرس تلك المحاولات التي تمر على المسيحيين العراقيين اليوم والتي أشبهها بمثابة أختراق منطقة الحجابات في ساحة المعركة أو فتح ثغرة في الجدار الخارجي للحصون، إنما تتمثل في المحاولات الإيرانية لطرد المسيحيين العراقيين من بلداتهم التاريخية بإستخدام أدوات محلية (الشبك).

أصابع إيران الوسخة في كل مكان من العراق وأوهامهم في إعادة تأسيس أمبراطورية صفوية تنعكس اليوم وبشكل خطير على جميع مفاصل العراق، إبتداء بقطع الأنهار التي تصب في نهر دجلة وتبديل مصبات أنهر أخرى، ناهيكم عن توجيه المبازل الإيرانية التي تحمل النفايات المشعة لتصب في أهوار ميسان وشط العرب (البصرة)، ولعل أبرز موقعين عراقيين يعانيان اليوم من هجمات إيرانية عاتية بأياد محسوبة على العراق هما منطقة سلمان باك التي تأوي مرقد الصحابي سلمان الفارسي الذي كان حتى عام 2003م تابعاً مع أوقافه علاوة على السوق المجاور وبقية أراضي البلدة الأخرى إلى الوقف السني لهذه البلدة السنية قبل أحتلالها من قبل الميلشيات الإيرانية في محاولة لإبدال ديموغرافية المنطقة السنية الواقعة جنوب بغداد والتي كانت في يوم ما عاصمة صيفية للإحتلال الفارسي.

التهديد الخطير الآخر يتمثل في تغيير سهل نينوى ديموغرافياً من خلال إستغلال مكون (الشبك) الإيراني الأصل الذي أستقبله وأحتظنه أهلنا الكلدان في سهل نينوى بعد هجرتهم من إيران قبل قرنين أو أكثر نتيجة لظروفهم الإقتصادية الصعبة، ولم يبخل عليهم المسيحيون بالمساعدة والإحسان، الذي لم يقابله هؤلاء الغلاظ القلوب على ما يبدو بالأحسان!؟

وما هذه التعديات والتجاوزات المخططة والممولة والمدروسة الأبعاد إلا نقطة إنطلاق إيرانية رئيسة هدفها إحتواء المنطقة، حيث يتم اليوم التركيز على بلدة برطلة المسيحية بأغلبية ذات طقس سرياني أرثدوكسي، والتي لم يكن فيها بيت شبكي واحد قبل عقد السبعينات من القرن المنصرم.

يعرف المطلعون على خبايا هذا الشأن، بأنني على اطلاع واسع بحيثيات هذا الموضوع ومتابع لأدق تفاصيله بسبب طبيعة عمل فريقي في العراق ولا سيما مسألة تأشير التجاوزات على القرى والبلدات الكلدانية والمسيحية بشكل خاص وخلق فرص دراسة وإستطباب وعمل فيها.

من أجل الحفاظ على هوية هذه البلدة المسيحية قلباً وقالباً، أجريت سلسلة من الإجتماعات والأتصالات مع رئاساتها الروحية والعلمانية وعلى سبيل المثال (سيادة المطران سورس حاوا ومساعده الداينميكي الأب يوحنا أيوب والأب دواود دوشا ورئيس مجلس السريان وعضو مجلس ناحية الحمدانية في برطلة السيد يوسف يعقوب متي)، مثلما أجريت لقاءات واسعة أخرى مع رئاسات شبكية دينية وعلمانية منها طالب الحوزة (سماحة السيد الدكتور عقيل يحيى الأعرجي ورئيس تجمع الشبك الدكتور حنين القدو)، كما ألتقيت بالبرلمانيين خالص إيشوع بربر ود. لويس كارو، بل أنني من أجل تحريك الموضوع لم أتوان عن لقاء يونادم كنّا رغم معرفتي بأنه يقول كثيراً ولا يفعل شيئاً!!

ومن أجل التوصل إلى حلول عادلة، ألتقيت بالعديد من الشخصيات السياسية والقانونية ورؤساء منظمات حقوق الإنسان لعل أبرزهم الوزيرتين وجدان ميخائيل وباسكال وردة ووكيل وزارة الهجرة والمهجرين السيدة حمدية نجف ورئيس منظمة حمورابي الصديق وليم وردا والنائب السابق عبد الخالق زنكنة، مثلما ألتقيت بشخصيات معنية بهذا الشأن من مختلف الجنسيات، وذلك بشكل فردي وأيضاً ضمن فريق العمل المشترك.

أن موضوع قرية برطلة التي كانت حتى أواخر الستينات من القرن المنصرم قرية مسيحية خالصة، ليست قضية قرية حسب، وإنما هيّ قضية الوجود المسيحي برمته، أنه بأختصار أن يكون المسيحيون في العراق أم لا يكونوا؟!

أنه موضوع خطير لا بد من الوقوف أمام تحدياته بحزم وتفنيد حجة الطرف الآخر بالحجة والوثيقة الدامغة. لقد تمكن (أهل بغديدا) الغيارى من الوقوف في وجه أكبر تحد في زمن طغيان الدولة العثمانية وأستحصلوا بحكمتهم وصبرهم على أحكام قانونية تؤكد عائدية أرض بغديدا البلدة وأطرافها لأهلها الخديديون، فهل سنغض الطرف عن هذا التحدي الجديد ونمكن هؤلاء الأغراب والدخلاء الممولين من إيران للتحكم في رقاب أهلنا في برطلة في دولة تدعي بالديمقراطية وفي ظل حزب حاكم يدعي بأنه دولة قانون؟!

لأهمية هذه المسألة وخطورة تفاصيلها فأنني سأفرد مستقبلاً موضوعاً خاصاً بهذه المؤامرة الدنيئة، أحاول من خلاله كشف أساليب التغلل الشبكي لأحتواء هذه القرية المسيحية المنكوبة، مثلما سأسعى لكشف أوراق المتواطئين مع منفذي هذا المخطط الشرير من مسؤولين حكوميين وقيادات كوردية، وحتى ذلك الحين أقول للدكتور حنين قدو الذي أنهى رسالته الموجهة إلى السادة الأساقفة الأجلاء بعبارة (والسلام على من أتبع الهدى)، وهيّ عبارة تهديد سلفية تنم عن حقد طائفي متخلف أستخدمتها جيوش الغزاة الحجازيين التي غزت شرقاً وغرباً وعاثت في الأرض والضرع والعرض قتلاً ونهباً وإغتصاباً.

للدكتور حنين قدو النائب السابق في مجلس النواب العراقي (لجنة حقوق الإنسان !) أقول: أنني أتبرأ من أية علاقة لي مع هكذا عقلية مريضة تتلبس بلبوس العلمانية وتركب موجة حقوق الإنسان من أجل مصالح شوفينية طائفية متخلفة.

حنين قدو هذا الذي كنت أحترمه وتربطني به علاقة طيبة، قد كشف لي بدون لبس أو غموض عن حقيقة معدنه الطائفي السلفي، نعم يؤسفني حقاً تصريح قدو الذي أدلى به لموقع الشبك نيت، لأنه وكما بينت لا يصدر إلا عن إنسان تنازل عن تاريخه وقيمه العلمانية التنويرية ومساهماته في مجال حقوق الإنسان من أجل ولاءات طائفية ومكاسب سياسية زائلة.

أن عبارات من هذا النوع (لا تنتمي إلى عصرنا) أو إلى (أخلاق العراقيين السمحاء) ينبغي أن تجعلنا نفكر ألف مرة قبل أن نمد أيدينا للتعاون مع من قد يدعي مستقبلاً أنه حريص على وحدة العراقيين!!

لحنين قدو وأمثاله أقول: خذو كلماتكم المعسولة وتطميناتكم الفارغة التي تتلبس برداء المواطنة والأخوة وأعطونا أفعالاً لا أقوال، فقد شبعنا من كلامكم الذي أتخمنا قتلاً وتجاوزاً وتهجيراً ومهانة.

أعتقد أن على حنين قدو وأمثاله أن يخجلوا من أنفسهم ويتذكروا بأنهم ليسوا بأكثر من وافدين جدد إلى العراق وبأن سكان العراق الأصليين الكلدان / السريان تكونوا هنا مع تكون النهرين وأرض الرافدين وسيبقون في وطنهم الأم رغم أنفه وأنف أذناب أيران ما شاءت مشيئة الرب القدير.

أن مجرد مراجعة بسيطة لما ينشر في موقع حنين قدو (الرسمي الشبك دوت نيت) تؤكد لأي كان وبما لا يقبل الجدال بأن إدعائه المنافي للعقل والمنطق عن (رغبة الشبك للعودة إلى بلدتهم برطلة)، ليس أكثر من إدعاء سفيه وباطل لا أساس له من الصحة، وأنا في الحق أرثي لمن يدلي بتصريح غير مسؤول كهذا، فكيف إذا جاء التصريح من شخصية تدعي بالعلمانية والحرص على حقوق الإنسان مثل د. حنين قدو.

لا يسعني في الأخير إلا أن أقول لحنين قدو: نعم لقد كنت مخدوعاً بك وبإدعاءك بالعلمانية وتقديمك لقيم المواطنة على الولاءات الطائفية، إلا أنني اليوم أذكرك وكل من يعتقد واهماً بأننا لقمة سائغة بالقول المأثور (ما ضاع حق وراءه مطالب)!

أخيراً أردد ما قاله رب المجد وقوله حق: من أخذ بالسيف بالسيف يؤخذ، ومن له أذنان للسمع فليسمع.
فهل ستسمع؟

 

عامر حنا فتوحي
مختص في مجال (التاريخ الرافدي)
مستشار أول في حقل (المجاميع الدينية في العراق والشرق الأوسط)
www.amerfatuhiart.com

 

مقترح شعارات للحملات الإنتخابية القادمة … ساهموا معنا في إبتكار شعارات أخرى

من يقف في صف كنّا وآغجان فأنه مشارك في تهميش وإستلاب حقوق الكلدان

من يتعاون مع كنّا وآغجان فكأنه يطلق النار على الكلدان

 

عن الكاتب

عدد المقالات : 7517

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى