سيدة بابل الثانية واحتفالات أكيتو الأزلية


الاستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس
الاستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس

 

الاستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس

 

عشتار، أسم أشهر من نار على علم، تلقفته الأجيال لاعتبارات تأريخية دون الخوض في تفاصيله وكأن “عشتار” هي صورة طبق الأصل عن “فينوس” (الإغريقية) أو “إيزيس” (المصرية)، أو غيرهما من آلهات الجمال في أساطير الشعوب المختلفة. فمن هي عشتار، يا ترى؟ أسميتها في هذا المقال بـ “السيدة الثانية” بعد أن عرفنا من هي السيدة الأولى في مقال سابق نشر على هذا الموقع. “عشتار” أسم بابلي- آشوري استخدمه الأكديون في الحياة العامة كمرادف للأسم الديني السومري “إنانـّة”. وأصل “إنانـّة” غير معلوم تماما لدى المؤرخين الذين مثلما يرجحون بأنه إسم مركب من كلمتين، هما “نين” (بمعنى السيدة) و “آن” (بمعنى السماء)، أي “سيدة السماء”، فهم يرجحون أيضا بأنها حفيدة السيدة الأولى، آلهة الخلق، “تيامات” (أو “نمـّو” أو “نمـّة”، حسبما تفيد الخطوط السومرية). وتفيد المصادر التأريخية بأنها إبنة آلهة القمر “ننـّة”. أخواها هما “أوتو”، إله الشمس، و “إشكور”، إله المطر، وأختها “أريشكيجالا”، ملكة العالم السفلي (مملكة الظلام). ومن أسمائها الأخرى “إستر”.

 

ما حكايتها الاسطورية؟

 

هي إجمالا آلهة الحب والحرب، كما تعلمنا من التأريخ المبسط، ولكن يروى عنها بأنها “زقاقية” (كما في اللهجة العراقية)، أي بنت الشوارع، تقتنص بسحرها ما اشتهى قلبها من الشباب وتشبع غريزتها الجنسية معهم. وبعكس جدتها “تيامات” وأمها “ننـّة”، فهي لم توصف بالآلهة الأم، وإن خصها المؤرخون بالخصوبة أيضا، لأنها ربما كانت عاقرا. ذاع صيتها في مدينة أوروك (أورو) السومرية/البابلية (4000-3100 ق.م.) التي تبعد عن شرق مدينة السماوة العراقية بثلاثين كيلومترا في منطقة الأهوار،  ويعتقد بأن إسم “العراق” مشتق منها. وعلينا ألا نخلط بينها وبين مدينة “أور الكلدانيين” الواقعة في الناصرية (وإن كانت أم عشتار من تلك المدينة العريقة، كما يبدو، بسبب الزقورة المسماة بإسمها) لأن أوروك شهدت قيام أول دولة مؤسسات ذات جيش نظامي في التأريخ وأصبحت عاصمة لا مثيل لها في عالم ذلك الزمان، إذ يشهد لها إبنها البار “ﮔلـﮔـامش”، الذي حاولت “عشتار” إغواءه بشتى السبل. ومما أثار فضولنا في رواية قصة عشتار هو علاقتها بـ “أنكي”، إبن “تيامات” الذي نحر والده “إبسو” ونفى نفسه وعائلته إلى أهوار أريدو. ويعتقد علماء التأريخ والآثار بأن  قصة عشتار التي سنرويها تعيننا في فهم سبب انتقال السلطة من أريدو إلى أوروك.

 

إليكم القصة الممتعة:

 

قررت عشتار ذات يوم زيارة أختها الملكة في العالم السفلي (مملكة الظلام). وسكان هذه المملكة هم من الأموات النبلاء والعامة وكلهم متساوون في الحقوق والواجبات بناء على سلوكهم اليومي الذي قد يؤهلم لتسنم مناصب تتناسب ومؤهلاتهم. سبب هذه الزيارة غير معلوم، ولكن يرجح المؤرخون بأن عشتار كانت تنوي القضاء على مملكة الظلام. وهذا ما كانت تشك به أختها “اريشكيجالا”، ملكة العالم السفلي (مملكة الظلام) التي أساءت إليها، إلا أن عشتار أعطت تفسيرا مغايرا لبوّاب المملكة، وهو أنها جاءت لحضور مراسيم جنازة زوج شقيقتها. ومع ذلك، فقد كانت عشتار حذرة، إذ أوصت وصيفتها “نينقوربا” بأن تبقى على اتصال مع الآلهة “إنليل” و “ننـّة” و “أنكي” إذا ما حصل لها مكروه أثناء زيارتها.

 

حطت على رأسها شعرا مستعارا وتبرجت بالكحل واعتمرت عمامتها وزينت صدرها بالزمرد والياقوت وكأنها ذاهبة إلى عرس ملكي مهيب، فحامت الشكوك حول مقدمها. قضت تعليمات أختها أن تودع صولجانها المطرز بالاحجار الكريمة لدى البواب. لم تجادله، ففعلت، بل كان ينبغي عليها ايضا أن تمر من خلال ما مجموعه سبع بوابات. وعند كل بوابة كان عليها أن ترمي أرضا قطعة مما كان يكسو جسمها لتجريدها من حصانتها في الدفاع ودرء خطرها.

 

مثـُلت أمام شقيقتها عارية تماما. تقدمت بجرأة فتربعت على عرش أختها. أمطرها قضاة البلاط السبعة بوابل من غضب الكلم ونظروا إليها بازدراء. أصدروا حكمهم بفناء عشتار، فغدت على الفور جثة هامدة معلقة على صنارة قصاب. بعد أن مرّت ثلاثة أيام بلياليها على الحادث، توجهت “نينقوربا” إلى الآلهة “إنليل” و “ننـّة” و “أنكي” لطلب النجدة. وفي الوقت الذي رفض كل من “إنليل” و “ننـّة” تقديم العون بسبب رعونة عشتار وتهورها، حنّ قلب “أنكي” عليها (ربما لأنه كان أحد عشاقها)، وصنع مخلوقين مجردين من أية علامة ذكورية أو أنثوية، اسماهما “جالا طورا” و “كور يارا” وأرسلاهما كمندوبين عنه إلى ملكة الظلام لبعث عشتار. عندما سـُئلا عن مهمتهما، قالا بأنهما جاءا في طلب جثة عشتار لرشها بالماء المقدس وإعادتها إلى الحياة العليا. وكان ما كان للإله “أنكي”. ورغم أن عشتار عادت إلى الحياة، فقد أوعزت اختها إلى شياطينها بأن يأتوها ببديل عنها. اقتفوا اثرعشتار بعدما خرجت إلى النور وطلبوا منها وصيفتها فرفضت لأنه ساعدتها في عملية إنقاذها من براثن اختها. طلبوا إثنين آخرين ممن اعتنوا بجمالها ورفضت لأنهما ما زالا في فترة حـِداد عليها. وجاء دور زوجها “تموز”، فلم تمانع، لأنه كان مهندما بملابس مزركشة لا تعبر عن حزنه عليها. بل والأنكى من ذلك، لم يسع للبحث عن زوجته عندما فـُقدت. ولما علم بالأمر، قرر النفاذ بجلده، ولكن ذبابة ذكية همست في أذن عشتار فكشفت هي والشياطين الذين كانوا يقتفون أثره مخبأه. وصدر الحكم بأن يقضي تموز نصف السنة الأولى في العالم السفلي (بين الأموات) وأخته نصف السنة الثانية.

 

عشتار هي فعلا المرأة الحديدية الثانية في وادي الرافدين، أوامرها مُطاعة، ليس من شياطين العالم السفلي وحسب وأنما من كبار الآلهة. ترفع إلى العلياء من تشاء وتنزل اللعنة بمن تشاء، ولكن يبقى لكامش استثناء ممن فازت بهم في مخدعها أو غدرت بهم فأهلكتهم. ورغم كل جبروتها، لم تنجح سبلها الملتوية في اغراء واغواء كلكامش الذي خبـِر لعناتها. كلكامش هو الوحيد من بين الآلهة الذين كسروا شوكة وغرائز عشتار. ﮔلـﮔـامش هو الوحيد الذي احتقرها، وهو القائل لها بأنها “النعل الذي يشوّه خلقة وأخلاق صاحبه” بسبب كثرة عشاقها وعجرفتها، ولكن ﮔلـﮔـامش دفع ثمنا باهضا لعداءه معها، وهو خسارة صديق روحه “أنكيدو”. ومهما قلنا عن نزعتها الجنسية التي طغت على سيرتها، تبقى عشتار رمزا للغضب والعنفوان والجمال والجبروت والحياة الجديدة التي بعث بها “أنكي” بواسطة مخدوميه إلى العالم السفلي. وإذا كانت علاقتها بزوجها تموزعلاقة جنسية طقسية عابرة باركها ومارسها كهنة “أعياد أكيتو”، فأن مراسيم هذا الزواج أصبحت تقليدا يشهد عليها الشعب، بل ويحاكيها في بداية كل سنة بابلية جديدة كطقس لإخصاب الأنثى في الربيع بانتظار المولود في الشتاء القارص.

الأردن في 1/4/ 2010

عن الكاتب

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى