زوعا خسرت الكثير من شعبيتها بسبب غرورها وقصور افقها السياسي


حبيب تومي
حبيب تومي

 

المقدمة

عمر الحركات السياسية والأحزاب السياسية يمكن مقارنته مع أعمار البشر ، فألإنسان يبدأ بالطفولة ومراهقة الشباب ثم الشباب المتكامل الذي يتمتع بالقوة الفكرية الى جانب القوة العضلية ، وتستمر المسيرة لتبدأ مرحلة الرجولة المحتفظة بالقوة الجسمانية مع النضوج الفكري واكتساب المزيد من تجارب الحياة ، وبعدها الكهولة التي تبدأ مرحلة الضعف في القوة العضلية لكن تصحبها زيادة نضوج فكري كامل بعد تراكم تجارب الحياة عقب مرور غالبية عقود العمر .

الحركة الديمقراطية الاشورية يمكن النظر اليها بهذا المنظار حينما بدات بفترة الطفولة عند التأسيس بإمكانيات متواضعة وبعدها فترة المراهقة الصعبة ثم كانت فترة الشباب حيث خدمتها الظروف السياسية بعد سقوط النظام عام 2003 لتنزل الى الشارع في كامل قوتها واندفاعها وزخمها ، وتعاطفت معها مختلف مكونات الشعب المسيحي دون ان تكون اية حساسيات بل كان ثمة ترحيب وقبول مسيحي ، فتمكنت من فتح مقرات في البلدات المسيحية الكلدانية والسريانية في سهل نينوى ، إضافة الى فتح فتح مقرات لمنظمات مكملة لخطابها للطلبة والنساء والشباب .. وكانت الحركة اللاعب الوحيد البارز في الساحة السياسية لشعبنا المسيحي ، ولم يكن هنالك اي اعتراض ظاهر على ذلك الدور .

والزوعا حزب مهم على الساحة السياسية لشعبنا المسيحي ويمكن الأشارة الى بعض مكامن الخطا لهذا الكيان السياسي ببعض النقاط وهي :

اولاً :

كان خطأ الحركة بدلاً من مواصلة اتصالها بالجماهير ومراجعة الأنتقادات التي تصلها ، كانت تستهجن تلك الأنتقادات وتضعها في دائرة المؤامرة على الحركة ، فجماهير الشعب مع الحركة ، اما الناقدين والمعارضين عبارة عن انفار قلائل على عدد اصابع اليد وهم في خانة الأعداء فليكتبوا او يعارضوا ما استطاعوا .

ألم تحقق الحركة الفوز والسيطرة على معظم مقاعد الكوتا المسيحية في اقليم كوردستان وفي البرلمان العراقي ؟ فلماذا الأهتمام بما يكتبه منتقديها وخصومها ، لقد اصابها الغرور والنرجسية في خطابها إزاء مخالفيها في الرؤية .

ثانياً :

الخطأ الآخر الذي ارتكبته الحركة هو التركيز على الجانب القومي على حساب الجانب السياسي ، فأسرعت على الدعوة القومية الآشورية دون اي ذكر للمكونات القومية الأخرى كالكلدان والسريان ، وأهملت واجبها السياسي فأوجدت حولها حلقة من الكلدان والسريان من الموالين لخطابها القومي الآشوري ، واهملت بل جابهت كل دعوة قومية كلدانية او سريانية بالرفض القاطع ، ووضعت اي دعوة من هذا القبيل خيانة لمبادئ الأمة التي تحددها (هي ) دون مراعاة مشاعر الآخرين ودون الأهتمام بالأكثرية الصامتة من الكلدان والسريان ، ووضع كل من لا يؤيد الخطاب القومي او حتى من يقف موقف محايد وضعته في خانة الخصوم . وهذا خطأ فاضح إذ خلقت لها جيش من الأعداء او من المستائين من سلوكها وهي كانت تستطيع اجتياز هذه الحالة لو تصرفت بذكاء وعقلانية وشفافية مع الآخرين المختلفين معها إن كان سياسياً او مذهبياً او قومياً .

ويمكن ملاحظة هذه الحالة حينما اقدمت على اشورة اسماء الأماكن في بغديدا كالتي بينها الأخ وسام موميكا في احدى مقالاته ، فالحركة ذات النفوذ في تربية الموصل لم تحاول ان تطعم هذه الأسماء الآشورية ببعض الأسماء السريانية التاريخية بل تعمدت على اشورتها ، وهذا يعكس التعصب القومي للحركة .

الحركة الديمقراطية الآشورية كحزب مسيحي كان يجب ان تستفيد من تجربة الأحزاب الليبرالية الأوروبية ولا تقتدي بحزب البعث او الأحزاب الأديولجية في المنطقة ، فالأحزاب الأوربية لها برنامج عمل سياسي ، ومن يؤازرها هو صديقها ومن لا يؤازرها بل حتى من يحاربها لا تجعل منه عدواً او خصماً ، لكن احزابنا السياسية برمتهم لهم انصار ولهم خصوم ولا يعترفون بالوسط ، وهذا الطريق سلكته الحركة بتفوق .

وفي مجمل سير الحركة يمكن ملاحظة ان خطأ الحركة بدأ حينما بدأت تحاول بلع فريسة اكبر من حجمها ، فعرض إطار مسيحي وان تكون ممثلة للمسيحيين كان مقبولاً الى حد ما ، او بالأحرى لم يكن هنالك اعتراض ظاهر كما قلت لكي تلعب هذا الدور ، فنحن جميعاً مسيحيون وليس بيننا فرق إن كنا كلدان او سريان او اشوريين ، لكن هذا القبول قد اوقع الحركة في هوة الغرور والغطرسة كما قلت ، فلم تولي اهتماماً لمعارضيها ولم تحترم الأصوات التي تحترم وتفتخر بكلدانيتها او سريانيتها ، فكان انصار الحركة يعاملون اي معارض وكأنه خائن لوحدة الأمة ومتآمر ، وتعاملت معه معاملة الخصم او العدو ، فازادات دائرة الأعداء ، إما صديق وإما عدو فلا مكان للوسطية ، وليس اي قبول او احترام لمن يقف في مربع الوسط .

وهكذا كان للحركة أما اعداء او اصدقاء ولا يوجد محايدين . الحركة دأبت على التواصل بتمثيل دور الممثل القومي ، وتسعى الى صهر الجميع ببودقها وتفرض عليه الدخول في إطارها القومي الآشوري وربما كان هذا الشئ مقبول في البداية . لكن بعد الأستقطاب الطائفي والديني والقومي بعد 2003 ، قد ايقظ الآخرين من سكرتهم ، فجاءت الفكرة ، فالنظام الداخلي للحركة يدعو الى حقوق الاشوريين ، ولا مجال لوجود مشاعر قومية كلدانية او سريانية وهكذا بدأ النهوض القومي الكلداني ثم السرياني .

إذن الحركة اخطأت سياسياً لمزج الأهداف القومية مع نظيرتها السياسية ، القومية تتناولها في تثقيف اعضاء حزبك ، وليست مسموعة من الأخرين او بالأحرى ليسوا ملزمين بسماعها او القبول بها ، فهذه قضايا اديولويجية ، وإن اردت ان تتعامل معنا فخاطبنا بالمنطق السياسي وليس بنظرياتك القومية التي تبني عليها اديولوجيتك .

ثالثاً :

بتصوري ان السيد يونادم كنا هو سياسي محنك ويجيد اللعبة السياسية ويعرف دوربها ومن اين تؤكل الكتف ، لكن الخطأ الذي وقع فيه هو إحاطة نفسه بحلقة من المؤيدين والمصفقين ، وعدم سماعه للأصوات المعارضة او التي توجه له شئ من النقد ، واحاط نفسه بمؤيدين وموالين دون اعتراض ، وكانت مكافئات وجوائز هؤلاء المصفقين كانت ترضيتهم بمناصب على حساب الكفاءة ، فتمكن من التحرك والمناورة بغية الأستفراد بالسلطة في حزبه وإقصاء الآخرين المعارضين فأتيحت له إمكانية الأنفراد في القرار داخل قيادة حركته او حزبه ، وبالتالي نشهد ترهلاً في هيكل هذه الحركة والتي ظهرت فيه بعض مظاهر الفساد التي تسربت من خلال الإعلام ومن القياديين المنشقين من الحركة .

رابعاً :

ثمة جانب آخر قد اثر على شعبية الحركة لا سيما في صناديق الأقتراع ، إذ ينبغي النظر الى المشاعر والنعرة القومية المتنامية للكلدان والسريان ، وقد قرأت مقال في موقع عنكاوا عنوانه : زوعا تخسر مقعد نينوى للكوتا المسيحية .. لماذا ؟ ويحاول الكاتب الجليل ان يقلل من شأن تنامي المشاعر القومية للكلدان والسريان ، وحجته بذلك هو فوز مرشح الزوعا في بغداد والمقترعين هم في الغالب من الكلدان والسريان ، لكن هذه المقارنة ليست واقعية بسبب ان التركيز القومي السرياني هو في برطلة وبخديدة وهكذا كان السرياني ابن المنطقة السيد انور هدايا يحصد الأكثرية الساحقة من اصوات ابناء قومه ، بينما في بغداد لم تكن مثل هذه الكثافة في المكون السرياني ، وهذه النتيجة تعكس جانب من المشاعر القومية ليس إلا .

وهذا يعكس ايضاً جانب مهم من تفكير الزوعا بالمحاولة لتحييد الكلدان والسريان والعمل على إبقائهم خارج ساحة اللعبة في العملية السياسية العراقية وفي اقليم كوردستان .

خامساً :

ثمة عامل آخر وهو وجود المجلس الشعبي كقوة مؤثرة في المنطقة ، وهو يطرح شعار الكلدان والسريان والآشوريين بأكثر من القوة التي تطرحها الحركة الديمقراطية ( الآشورية تحديداً) ، كما ان للمجلس سند مادي قوي وهو مدعوم من قبل الحزب الديمقراطي الكوردستاني كحليف سياسي ثابت .

وهكذا كل هذه العوامل لعبت دورها في هبوط شعبية الحركة الديمقراطية الاشورية في المنطقة ، وإذا ما حصل نهوض قوي للقوى الكلدانية بعد المؤتمر القومي الكلداني العام في ديترويت وإن توفرت لهم شئ من الأمكانيات المادية فحتماً سوف يكون له المزيد من التأثير على شعبية الحركة ، فمعظم جماهير الحركة هم من الكلدان والسريان .

انتشت الحركة الديمقراطية الآشورية بمكانتها السامية في بداية السقوط وقعدت متربعة على عرشها في السنين التالية بعد السقوط حيث استلمت السلطة والنفوذ على طبق من ذهب بعد سقوط النظام عام 2003 ، دون ان تفكر في ابداع افكار جديدة بعد ذلك ولحد الساعة ، بل استهوت الفكر الأديولوجي القومي ولم تحرك قيد انملة من فكرها التقليدي ، فكل شئ يتحرك حولها وأمامها وهي باقية تلوك مجدها وتلوح بالويل والثبور لكل من تسول له نفسه في المعارضة او في نقد خطابها القويم .

هكذا بقيت الزوعا اسيرة هذا الفكر المتعالي الى اليوم ، ولكن برأيي يجدر بالحركة ان تتواضع قليلاً وتلامس ارض الواقع بعد نتائج انتخابات مجلس محافظة نينوى إذ استطاعت ان تحصل على 20 بالمئة فقط من الأصوات في نينوى وربما اقل من ذلك ، وهذه كارثة للحركة التي كانت تحصد حصة الأسد من الأصوات في كل الأنتخابات .

لا ادري كيف سوف تنظر الحركة على هذا المقال هل ستضعه في خانة خصوم الحركة أم سوف تفكر ملياً قبل التسرع بإصدار الحكم على هذا الكلام وغيره من الأفكار والأحاديث التي توجه لها عبر منظومة النقد والأنتقاد .

في الحقيقة لا يوجد جدول ضرب للأرقام او كتالوك في السياسة يرشدك الى كيفية الأستعمال لكن هنالك تجارب وعبر وهنالك متغيرات ينبغي مراعاتها وهنا يقول ميكافيللي : على الأمير ان يغيّر طريقته عندما تتغير الظروف ، فالحركة الديمقراطية الآشورية لم تراع المستجدات والمتغيرات حينما تبدلت الظروف ، بل تشبثت بتكبرها وغرورها ولهذا فقدت الكثير من شعبيتها ناهيك عن الخروج الكثير من اعضائها البارزين من صفوفها .

حبيب تومي / اوسلو في 28 / 06 / 2013

ـــــــــــــــــــــــ

 

عن الكاتب

حبيب تومي
عدد المقالات : 252

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى