روسيا فرضت واقع جديد في العلاقات الدولية لصالح التعددية القطبية(11)


نادي بابل

ان المتغيرات والتحولات الجديدة في السياسة الخارجية لروسيا الاتحادية بدأت تفرض حضورها ومواقفها ورؤيتها كدولة قطبية, وتعزز من دورها وتأثيرهاعلى تطورات الاحداث الاقليمية والدولية  , ان المواقف والتوجهات الجديدة للسياسة الخارجية الروسية تهدف الى وضع حد للقطبية الاحادية في العلاقات الدولية اي رفضها لهيمنة القطب الواحد  . لقد اشرت في الحلقة الماضية الى اهم قضايا الصراع على صعيد السياسة الخارجية بين الولايات المتحدة الامريكية وروسيا والتي حسمتها روسيا لصالحها , وفي هذه الحلقة سأواصل ذكر بعض قضايا الخلاف او الصراع بين الدولتين .ولا يخفي على احد ان الخلاف والصراع او التنافس بين الدولتين هو جيوسياسي , شهد و قد يشهد العالم صراع او توتر بين الدولتين في مكان ما او في قضية ما , وفي مكان آخر ربما يظهر تفاهماَ متجاوزين بذلك الصراع او الخلاف لكن التنافس او الصراع الجيوسياسي سيبقى قائماَ بين البلدين , وسنشهد تصاعداَ في قضايا جديدة للصراع وسيظهر تأثير وملامح الصراع على العلاقات الدولية باتجاه عودة التعددية القطبية وهذا ما سنشهده , سأستكمل هنا بعض قضايا التنافس والصراع القائمة بين الدولتين والتي تشكل اهم ملامح التعددية القطبية في العلاقات الدولية .

4- البرنامج النووي الأيراني :

يعتبر التعاون النووي الروسي الأيراني من أهم مشاكل الصراع بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية, فنجد أن روسيا لاتدعم السياسة الأمريكية التي تقوم على فرض عقوبات إقتصادية جديدة على إيران وعزلها سياسياَ, وهذا مما يبقي الخلافات بين الدولتين حول الملف النووي الأيراني قائمة .أصبح البرنامج النووي الأيراني يطرح في الأجتماعات واللقاءات الرسمية وغير الرسمية لقادة الدولتين الروسية والامريكية ,وذلك نظراَ للمخاوف الأمريكية من سعي طهران إلى إمتلاك سلاح عسكري نووي  , يهدد أمن منطقة الشرق الأوسط والعالم , كما يهدد اسرائيل ويغير التوازن . لهذا تضغط امريكا على روسيا من جانب وتسعى لمساومتا في ملفات اخرى من جانب آخر , لأجل ان توقف روسيا تزويد طهران بالتكنولوجيا النووية , ولكن روسيا مستمرة في الدعم الذي تقدمه لأيران في مجال التكنولوجيا وفق اتفاقيات موقعه بين الدولتين . وإلى جانب التعاون في مجال الطاقة النووية وقع الطرفان على عقود للتسليح إضافة إلى التعاون في مجال الطاقة ( النفط والغاز) فالدوافع الروسية للتعاون مع إيران في مجال الطاقة النووية وغيرها هي دوافع إقتصادية للحصول على العملة الصعبة إضافة للتعاون التجاري كما أن التعاون الروسي مع إيران يحقق لروسيا مناطق نفوذ واسعة , وبما ان لامريكا مصالح في المنطقة وبالذات في بحر قزوين , ولعزمها على منع طهران من امتلاك السلاح النووي فهذا مما يبقي الصراع قائماَ بين الدولتين حول الملف النووي الايراني .

5- الشرق الأوسط :

إن الأرتفاع الأخير في أسعار البترول إنعكس بالأيجاب على الأقتصاد الروسي , ولهذا بدأ ت روسيا تستعيد دورها في المناطق التي تراجع عنها هذا الدورومنها منطقة الشرق الأوسط , وبسبب الحرب الامريكية على العراق وتحريكها لجيوش الناتو في اسقاط الانظمة باسم الشرعية الدولية واحتلالها , والممارسات الأسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني وعدوانها على لبنان , والدعم الأمريكي الواضح لأسرائيل  فقد أصبحت المنطقة تعاني من عدم الأستقرارنتيجة سياسة الولايات المتحدة القائمة على استخدام القوة في العلاقات الدولية ولأنحيازها لأسرائيل . لقد ساعد ذلك على زيادة ردود الفعل الشعبية ضد السياسة الأمريكية في المنطقة وساهم في تعزيز الحضور الروسي فيها . وتدعوا روسيا إلى حل النزاع الأسرائيلي الفلسطيني بالطرق السلمية وإلى مشاركة كل الأطراف في عملية السلام وشاركت روسيا كعضو في اللجنة الرباعية لحل النزاع في الشرق الأوسط ووقفت ضد نصب الجدار العازل , إضافة إلى إدانتها للمارسات الأسرائيلية , وهذا عزز من الدور الروسي في المنطقة . وتطور إلى عقد إتفاقيات عسكرية وإقتصادية مع عدد من البلدان العربية  , فأن لقاءات القمة وعقد الأتفاقيات والمعاهدات ستكون أساساَ جيداَ لعلاقات نوعية جديدة بين روسيا والبلدان العربية . كما نلاحظ ان روسيا تعارض اقامة مشروع الشرق الاوسط الكبير او ما يسمى بالجديد الذي يعطي فيه دور لأسرائيل في هذا المشروع فهو لا يخلو من التوجهات العسكرية وفي إقامة القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة , والذي ستكون فيه اي  في مشروع الشرق الاوسط الكبير – او الجديد دول متاخمة لحدود روسيا والصين وهذا يعني في الواقع العملي محاصرة الدولتين بالقواعد العسكرية , وهذا هو جزء من الأستراتيجية الأمريكية في مجال الهيمنة الكاملة وهذا ما ترفضة روسيا ويبقى مشروع الشرق الاوسط يحمل قضايا إشكال وصراع قائم بين الدولتين ,وما موقف روسيا الاخير في مجلس الامن باتخاذ قرار الفيتو ضد فرض عقوبات على سورية الا تأكيد على حيوية هذا الدور في السياسة الخارجية وعلى التاثير المباشر على الاحداث في الشرق الاوسط والعالم .

6- الصراع على مناطق النفوذ في امريكا اللاتينية :

أصبحت أمريكا اللاتينية أحد مناطق الصراع والخلافات بين الدولتين , بعد ان استعادة روسيا دورها وحضورها في السياسة الدولية , والصراع  على النفوذ في هذه المنطقة الحيوية في تصاعد بين الدولتين كما هو في المناطق الأخرى في الشرق الأوسط والقوقاز وفي أوربا والقارة الأفريقية وغيرها من مناطق العالم . وما يؤشر للحضور الروسي القوي في هذه المنطقة التي يطلق عليها البعض ( بالبارك الامريكي) لقربها من الولايات المتحدة الامريكية , هو زيارة الرئيس الروسي مدفيديف للمنطقة وحضورة للمناورات العسكرية البحرية المشتركة في البحر الكاريبي (( في منتصف نوفمبر 2008 زار الرئيس الروسي مدفيديف البيرو ثم البرازيل وفنزويلا وافتتح المناورات البحرية المشتركة فيها ثم قام بزيارة الى كوبا خلال جولته في المنطقة , وقد تدهورت العلاقات كثيراَ خلال فترة يلتسن وقد قدمت موسكو مؤخراَ قرض لكوبا قدره 20 مليون دولار لأستخدامه في مجالات البترول والمناجم والنقل ))([1] ) . ان الزيارة والمناورات العسكرية بمشاركة الطائرات والسفن البحرية الروسية , تعد مؤشراَعلى الحضور والنفوذ الروسي في أمريكا اللاتينية , و تعكس رغبة هذه الدول في التخلص من التبعية والأرتهان للولايات المتحدة الأمريكية  كما تؤكد على إلتقاء توجهات هذه الدول مع روسيا نحو عالم متعدد الأقطاب .

7- المشاكل والخلافات حول القوقاز :

هناك صراع بين الولايات المتحدة الامريكية وروسيا حول مناطق النفوذ في منطقة القوقاز  , وذلك بسبب الموارد النفطية في بحر قزوين ,كما وإنها تعتبر مناطق عبور لخط أنابيب بحر قزوين , وبسبب معارضة روسيا إنتماء هذه الدول لحلف الناتو وإقامة قواعد عسكرية للحلف على أراضيها .فروسيا بلا شك ترفض التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة . تعتبر موسكو ان جورجيا هي الطرف الذي يسهل هذا الحضور العسكري, كما وتعتبر جورجيا أن روسيا تعيق استعادة سيطرتها على أبخازيا وأوسيتا الجنوبية ,أن الغرب يقف مع جورجيا في هذا الأدعاء  وبسبب  إصرار جورجيا على منع استقلال أوسيتا الجنوبية وضمها إلى جورجيا بالقوة العسكرية . فقد تحول الصراع الاقليمي إلى صراع بين روسيا والولايات المتحدة وأصبحت العلاقات بين موسكو وواشنطن في وضع صعب بسبب الصراع حول القوقاز .

الحرب الأخيرة بين روسيا وجورجيا ونتائجها :

بعد ان بدأت جورجيا هجومها على أوسيتا الجنوبية في 7-8-2008 , من وجهة نظري لم يكن في بال جورجيا بان يكون الرد العسكري الروسي سريعاَ ومفاجئاَ , وذلك بسبب قناعة جورجيا للدعم الامريكي لها وان لاتترك وحيدة امام القوة العسكرية الروسية  , ففي يوم 8-آب 2008 دخلت القوات الروسية الى داخل حدود جورجيا وكادت ان تصل القوات الروسية الى العاصمة تبليسي , ولم يكن هناك رد امريكي مباشر سوى تصريحات وادانة والتلويح بعقوبات اقتصادية ضد روسيا , الا انه فشلت كل التحركات الامريكية لعزل روسيا ومعاقبتها اقتصادياَ, وحلت المسألة لاحقاَ وان كان مؤقتاَ بوساطة الاتحاد الاوربي . ان الرد السريع للجيش الروسي أثار إنتباه الرأي العام العالمي وأثيرت معها الكثير من التساؤلات حول الدور الاقليمي والدولي لروسيا وأصبح واضحاَ منذ اللحظة الأولى للحرب , إنها لم تقتصر على طابع محلي او اقليمي أو إنها نزاع بين دولتين . وإنما إتخذت أبعاد دولية إرتباطاَ بموقف الولايات المتحدة والغرب الداعم لحكومة سكاتشفيلي آنذاك في جورجيا . وقد اقدمت روسيا على خطوة دبلوماسية وهوالاعتراف باستقلال ابخازيا واوسيتيا الجنوبية , وجاء هذا الاعتراف رداَ على اعتراف الولايات المتحدة باستقلال كوسوفو الذي عارضته روسيا آنذاك . ووقعت روسيا مع جمهوريتي ابخازيا واوسيتا اتفاقيات وحسب ما اشارت وكالات الانباء في حينها بما فيها اتفاقيات لاقامة قواعد عسكرية روسية على اراضي الجمهوريتين وهذا مما يعزز من التواجد الروسي في منطقة القوقاز. يلاحظ من الرد العسكري السريع ان روسيا  وجهت رسالة واضحة الى دول المنطقة بما فيها اوكرانيا مفادها بعدم موافقة موسكو على انضمامها لحلف الناتو , كما اكد ت الرسالة على ضوء الرد العسكري الروسي أن منطقة القوقاز تشكل منطقة استراتيجية لروسيا ولها مصالح حيويه فيها , وبهذا أجبرت روسيا كل القوى العالمية على الأعتراف لها بدورها في منطقة القوقاز . علماَ أن روسيا ترفض اقامة قواعدالحلف في هذه المنطقة , وتعارض تواجد اساطيل الناتو في البحر الأسود , لا سيما وان اسطولها البحري يتواجد في هذه المنطقة وفرضت روسيا على اوكرانيا تجديد اتفاقية بقاء الاسطول الروسي في البحر الاسود لعام 2027 . لهذا ستبقى المنطقة خاضعه لصراع مصالح دولية  ومنها روسيا والولايات المتحدة الامريكية .

(يتبع)

17-11-2011   

 

عن الكاتب

عدد المقالات : 7499

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى