رأي في معاكسة الصبايا بقلم: الأستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس


الاستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس
الاستاذ الدكتور دنحا طوبيا كوركيس

قد لا يختلف إثنان بأن التحرش اللفظي، أو “المعاكسة” وجهان، سلبي وإيجابي، وإن كان المجتمع الشرقي  يجمع على أنه ظاهرة سلبية منتشرة بين الشباب وينبغي محاربتها، أو في الأقل الحد منها. والمتهم في أغلب الحالات  هو الشاب، وليس الفتاة. ومن المعلوم أن التحرش بأنماطه المختلفة منتشر في صفوف الشباب أمام مدارس البنات وأقلها في داخل الجامعات والمعاهد والدوائر وفي الباصات والأسواق والحدائق العامة. السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل أن التحرش اللفظي جريمة أخلاقية يجب أن  يعاقب عليها القانون في مجتمع مغلق أو محافظ؟ الجواب البديهي هو “نعم” إذا تجاوز حدود الإطراء والذوق السليم.

ويبدو أن الصبايا لا يتجاوزن هذا الحد، بل يكبتن ما في دواخلهن، وقد يقتصر تحرشهن على “أناقة” زملاء لهن في العمل أوالجامعة، وربما عطورهم المفضلة. وعلى العكس من ذلك، فالشاب له متسع من الحرية، ويوظف جرأته أمام أقرانه ليريهم بأنه “عنتر زمانه”. فلو وجّه شاب لفتاة سمراء كلاما من مثل “يـﮔولون بيتنجان ماكو بالسوﮒ، لعد هالسمار منين؟ 1″، أو “اليوم مغاسلة وجهها 2” لاستهجنت الفتاة عبارات كهذه وعدّتها تجاوزا صارخا بحق أنوثتها وجمالها. أما إذا كانت اللفظة على وزن “أخرب واتكهرب 3” أو “الـﮔمر ديمشي عالـﮔاع اليوم 4″ فأنها تنال استحسانا، لاريب، وقد تصاحبها ابتسامة عريضة أو قهقهة.  وفي كلتا الحالتين، نتوقع من الفتاة التي توصف بـ”المؤدبة” أو “بنت ناس” السكوت وعدم الرد في مكان عام. معظم من تجاوز العقد الرابع أو الخامس، ولا أقول الجميع، يتذكر شيئا من هذا القبيل، وقد يشعر بالحنين إلى الأيام الخوالي التي كان يناجي فيها زهرة خياله بعبارات يفوح منها العطر عن قرب، كعبارات “الـﮔيمر 5″ و “الـﮔمر 6” و”الجُمّار 7″ و “خدود التفاح” و “نبع الريحان” و “الغزال”.

ليس التحرش أكثر من متنفس شبابي لإفراغ الشحنات الكهرومغناطيسية في أنبوبة اختبار كيميائية قد ينجم عنها نظرة أو ابتسامة أنثوية تروي غليل الذكر وغزل أفلاطوني ذكري مباح يدخل البهجة إلى قلوب العذارى. لم ولن يتوقف التحرش بمقدم وشيوع الحجاب والنقاب. الممنوع مرغوب. إنه نداء الطبيعة. ورائحة الأنثى، ناهيك عن حركة الأرداف، كفيلة في انجذاب الشباب إلى الصبايا ودفعهم إلى التحرش بلغة خاصة تبدأ من “هاي شلون عربانة 8” (للدلالة على الأرداف المكتنزة)، أو “هاي شلون عيون حرّاﮔـة 9″، وتنتهي بــ “عزا، احترﮔنا 10” أو “انلبسنا 11″ و”انضربنا بوري 12″ في غياب رد الفعل، أو “ما عندك خوات 13” …إلخ في اسوأ الأحوال، وربما إلى المشاجرة والاقتتال في حضور حامي الحمى، قريبا كان أم خطيبا أم أخا، أوحتى صديقا للأنثى المستهدفة. السينيوهارات متعددة، وقد تقتصر على الصفير المبرمج بلغة البلابل، ولايمكن حصرها سوى بين قوسين. وبعيدا عن “التحرش الجنسي” أو “الملامسة” المتعمدة في الباص، جلوسا أو وقوفا، أو الاحتكاك المتعمد  في أماكن مزدحمة، لا أجد ضيرا في أن تقتصر معاكسة الصبايا على الكلام الجميل، شعرا كان أم نثرا. لو جلست بجانب شابة إنكليزية في باص عام وأطريتها لفظا بسبب العطر الذي يفوح منها، مثلا، دون معرفة سابقة، شكرتك حتما لأنك أدخلت البهجة إلى قلبها الذي لن تفوز به. ربما ينبغي أن يكون الأمر كذلك بين الجنسين في مجتمعاتنا الشرقية. اسألوا الأنثى عن شعورها عندما يخاطبها الذكر بـ “كيكة” أو “صدقة لـ (الله) على هالعيون أو الطول 14” أو ما يناظرها من التعابير، وخاصة إذا ما ميّزها الشاب المعاكس بصفة تفتقر إليها زميلاتها.

كان التحرش (أو المعاكسة)، وما زال، “عيبا” في لعبة الكبار ورجال الدين الذين تناسوا مرحلة شبابهم، وكأنهم من طينة أخرى، مما جعلهم يسلطون الضوء على جانبها السلبي، دون الايجابي، الذي أضحى حديث الشارع والإعلام والبيوت والمدارس. لو كان في بلاد العرب برلمانات شبابية مناظرة للبرلمانات الحالية وطُرح مشروع قرار حرية الإطراء في باب المعاكسة (التحرش) الجميلة بين الجنسين على نوابه من الصبايا والشباب، كان التصويت بالأغلبية المطلقة لصالح القرار، وأضحى رافض الجميل قبيحه!

الهوامش:

1. يـﮔولون بيتنجان ماكو بالسوﮒ، لعد هالسمار منين؟” : يقولون أن الباذنجان مفقود في السوق. ترى من أين جاء هذا السمار؟

2. “اليوم مغاسلة وجهها” : لم يلمس الماء وجهها هذا اليوم، ولهذا فهو ليس نضرا كما ينبغي

3. “أخرب واتكهرب” : يا لهذا الجمال الذي يجعل الرائي يفقد صوابه ويقع أرضا كمن أصابه ماس كهربائي

4. الـﮔمر ديمشي عالـﮔاع اليوم” : ألا ترى بأن القمر يسير على الأرض اليوم ؟

5. الـﮔيمر” : القِشدة

6. “الـﮔمر” : القمر

7. “الجُمّار” : اللب المأخوذ من أقصى ساق النخلة، ويكون ابيضا ناصعا ويذوب في الفم من حلاوته

8. “هاي شلون عربانة” : ما أجمل هذه المؤخرة!

9. “هاي شلون عيون حرّاﮔـة”: يا لهذه العيون التي تحرق الرائي!

10. “عزا، احترﮔنا” : أي هذا الذي اشعل النار فينا!

11. “انلبسنا” : انخدعنا

12. “انضربنا بوري” : لم تعرنا الفتاة انتباها، أي خيبت ظننا

13. “ما عندك خوات” : أليس لك أخوات؟!

14. “صدقة لـ (الله) على هالعيون أو الطول” : يا لله على هذه العيون (أو الطول)!

15. “كيكة” : كعكة مزينة بالكريم

====================

الأردن في 15/11/2009

عن الكاتب

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى