تقرير: بعد 10 سنوات من الآن.. العراق بلا مسيحيين!


نادي بابل

 

 

كتابات

كتب باسم فرنسيس حنا:

الى استراليا، حيث انتهى المطاف بمن تبقى من إخوته وأقاربه، يهاجر ‏المسيحي الأربعيني رافائيل ايشوع خريف هذا العام. يدرك رافائيل أن صلته بموطن أجداده انتهت ‏تماماً، منذ عثر نهاية العام الماضي على جثتي والديه، ممزقتين‎.‎

قبل هذا بأربعة أشهر فقط، كان رافائيل عثر على جثة أخيه ادمون ملقاة في احدى مزابل حي الدورة ‏جنوبي العاصمة‎.‎

بخلاف والـــدي رافائيل وأخويه، نجح المسيحي الشاب سعد توما بالخـــلاص من خاطفيه شتاء عام ‏‏2008، وهــو الآن يستعد مع باقي افراد الأسرة لمغــــادرة كردستان العراق الآمنة نسبياً، باتجاه ‏تركيا، تمهيداً لهجرة دائمة الى احدى الدول الاوروبية‎.

يتخوف رافائيل وسعد ومثلهما آلاف المسيحيين، من اتساع دائرة العنف في العراق الى الحد الذي لا ‏يستثني بقعة من اراضيه، خصوصاً بعد أن استعاد تنظيم القاعدة، سطوته على الاحداث وقتل اكثر من ‏‏2600 عراقي خلال الاشهر الثلاثة الماضية وجرح نحو ستة آلاف آخرين، معظمهم من الشباب الذين ‏قتلوا في تفجيرات طاولت ملاعب كرة قدم للهواة ومقاهي شبابية وأسواقاً شعبية في كل مدن العراق. ‏كما تمكن تنظيم القاعدة في 21 تموز (يوليو) الماضي من إطلاق سراح اكثر من 600 من أشرس ‏قياداته الميدانية ومقاتليه بعد تنفيذ عملية نوعية لاقتحام سجني (التاجي) و (ابو غريب)، باستخدام نحو ‏‏100 قذيفة هاون و12 انتحارياً وتسع سيارات مفخخة‎.

يتذكر سعد حتى الآن، حكايته مع مسلحي تنظيم القاعدة منذ اختطفوه في نقطة تفتيش وهمية شمالي ‏بغداد. وانتهاء بإطلاق سراحه بأعجوبة باتفاق بين اخيه الكبير أدور وزعيم عشيرة نافذ، سلّم المسلحين ‏‏80 ألف دولار واحتفظ لنفسه بـ ‏‎30 ‎ألف دولار.‎

لكن المال الذي انقذ توما، لم يشفع لمواطنه فادي سليمان الذي دفعت والدته لخاطفيه 100 الف دولار ‏مقابل اطلاق سراحه حياً، ثم عادت ودفعت 20 ألف دولار لمجرد تسلم جثته، ثم اكتفت في ما بعد بدفن ‏الجثة التي سلمها لها مخادعون على انها جثة فادي في مقبرة العائلة في بغداد، ثم هاجرت مع ابنتها ‏الى السويد.‎

موسم الهجرة الى الغرب

رحلة رافائيل وسعد وأم فادي ومعهم آلاف المسيحيين الذين هاجروا، او هم في طريقهم الى الهجرة ‏الدائمة باتجاه الغرب، تنذر بأن البلاد التي استوطنها أتباع الديانة المسيحية منذ القرن الاول للميلاد، ‏توشك ان تفقدهم الى الأبد، بعد ان عجزت عن حمايتهم من الموت والتهجير على ايدي مسلحي القاعدة ‏ومجاميع مسلحة اخرى خلال الاعوام التي أعقبت الغزو الاميركي للعراق عام 2003.‏‎

موجة القتل التي تسببت بمقتل نحو الف مسيحي نهاية عام 2012، كانت الأعنف منذ مجازر ‏الأشوريين عام 1933 التي نفذتها قوات عراقية وقتل فيها نحو 600 مسيحي أشوري، بمعونة عشائر ‏عربية وكردية سلبت قراهم في ما بعد، ومنذ مذبحة قرية صوريا التي نفذتها قوات نظام البعث عام ‏‏1969 وراح ضحيتها اكثر من 90 كلدانياً، عشرات منهم أُحرقوا أحياء في كهف لجأوا اليه هرباً من ‏الاعدامات‎.‎

بالتوازي مع الاستهدافات المتكررة، هاجر نحو 700 الف مسيحي الى خارج العراق، من مجموع ‏مليون و400 الف عددهم قبل عام 2003، وفق تقارير دولية معتمدة على مجمعات كنسية، وأبرشيات ‏مسيحية، ومنظمات مدنية‎.‎

ويعتقد رئيس حزب الاتحاد الديموقراطي الكلداني ابلحد افرام، أن عدد المسيحيين المتبقين في العراق ‏حالياً لم يعد يتجاوز الـ400 الف مسيحي.‎

المرتبة الثالثة

يتنبأ القس أميل ايشو، بأن اتباع الديانة المسيحية سيتراجعون خلال وقت قصير من المرتبة الثانية الى ‏المرتبة الثالثة في تسلسل الديانات العراقية، إن لم يكونوا قد تراجعوا اصلاً… مؤكداً أن نصف ‏المسيحيين الذين غادروا خلال السنوات الماضية سيسحبون معهم، لا محالة، النصف المتبقي الذي ‏يعاني وطأة اليأس والخوف من الآتي‎.

يشاطره الرأي زميله القس يوحنا البازي، فهو يعتقد أن العراق سيصبح خالياً من مواطنيه المسيحيين ‏خلال السنوات العشر المقبلة في حال بقيت الاوضاع على حالها من عنف وخلافات وطائفية وعرقية ‏طبعت العقد الماضي بأسره… في حين يعتقد مطران ابرشية اربيل والمدبر البطريركي لأبرشية زاخو ‏ونوهدرا بشار متي وردة، بأن المسيحيين سيتحولون في احسن الاحوال الى مكون ضئيل غير قادر ‏على التأثير في مجريات الاحداث في البلاد، ولا حتى حماية نفسه.‎

يتفق مع القسين ايشو والبازي والمطران وردة، 84 في المئة من المسيحيين الذين استطلع كاتب ‏التحقيق آراءهم في استبيان نشر على موقع عنكاوا المسيحي، يعتقدون أن خلو العراق من المسيحيين ‏سيكون حتمياً، أو قابلاً للتحقيق، خلال عشر سنوات فقط. ولا يكاد رأي هؤلاء، يختلف كثيراً عما يراه ‏عشرات المسيحيين الذين التقاهم كاتب التحقيق في بغداد ومدن اقليم كردستان، ومعهم ايضاً، ناشطون ‏مدنيون، وباحثون اجتماعيون، وقيادات دينية وسياسية مسيحية‎. ‎هؤلاء يعتقدون على نطاق واسع أن ‏ثالوثاً مشؤوماً يلف حياة المسيحيين ويدفعهم للهجرة خارج العراق، أول اضلاعه، العنف المتصاعد ‏واستمرار الصراعات الطائفية والعرقية في البلاد، فيما يتمثل الضلع الثاني بالنزعة الدينية المتطرفة ‏التي تزايدت حدتها في العراق والعالمين العربي والاسلامي خلال السنوات الاخيرة.‎

يضاف الى هذا، على ما يعتقد الناشط المسيحي مهند جرجس ومعه قساوسة وسياسيون مسيحيون ‏ابرزهم الوزيرة السابقة باسكال وردة، سيكون اليأس سبباً رئيساً في هجرة المسيحيين من كردستان ‏التي عرفت طوال السنوات الماضية بأنها آخر معقل يمكن ان يلجأ اليه المسيحيون، ضماناً للبقاء داخل ‏حدود الوطن‎.‎

ففي كردستان، كما يقول جرجيس، بات من الصعب ان تتغافل عن صعوبة العيش في مجتمع محافظ ‏يحاسبك على كل حركة، ويحول حاجز اللغة دون اندماجك فيه، وتتصاعد فيه حدة الخطاب الديني ‏الموجه ضدك الى حد اعتبار الاحتفال بأعياد الميلاد كفراً يتوجب القصاص من فاعليه.‎

يذكر جرجس أن تجنيد الشباب الكردستاني المتشدد للحرب في سورية مع جبهة النصرة، والذي بات ‏مشكلة مقلقة تلوح في افق كردستان، يشي بأن التشدد الديني الذي تسيطر عليه حكومة كردستان الآن، ‏قد ينفجر في وجه المسيحيين في أية لحظة‎.

القتل على الهوية

كان استهداف المسيحيين في بداية الامر، كما يقول القس واثق بطرس، يتلخص باختطاف المسيحيين ‏وقتلهم او قطع رؤوسهم، لكن مع صيف العام 2004 الذي شهد أعلى معدل لقتل المسيحيين (نحو ‏‏210 قتلى)، تحول الى استهدافات كبرى شملت تفجير كنائس وأديرة بسيارات مفخخة وعبوات ناسفة ‏واقتحام منازل وقتل عائلات بأكملها لترويع المسيحيين وإجبارهم على الرحيل.‎

في مدينة الموصل ثاني اكبر المدن التي يقطنها مسيحيو العراق، تفنن المسلحون في تنفيذ عمليات قتل ‏مروعة استهدفت المسيحيين بكل فئاتهم، اطباء، وأساتذة، ومتقاعدين، وتجار وقساوسة، بل حتى بائعي ‏خضار وسائقي سيارات أجرة.‎

ولم يسلم الرهبان والقساوسة من «عدالة» الجماعات المتشددة في توزيع القتل على المسيحيين ‏بالتساوي، فقد اقتحم مسلحون منزل القس مازن ايشوع متوكة وقتلوا والده وأخويه حين لم يجدوه، ثم ‏عادوا وقتلوا الكاهن رغيد عزيز ومعه ثلاثة شمامسة حين خرجوا من قداس الاحد.‎

توالت في ما بعد سلسلة القتل الكهنوتية، وكانت من أبشعها حادثة مقتل راعي كنيسة مار افرام، القس ‏بولص سركون بهنام. ففي خريف 2006، قطع مسلحو تنظيم القاعدة رأس القس ثم وضعوا جسده ‏المقطع الى اربعة اقسام في وعاء كبير أمام باب الكنيسة، ثم تكرر الامر في آذار (مارس) 2008 ‏باختطاف رئيس اساقفة ابرشية الموصل المطران بولس فرج رحو، وهو اكبر مرجع ديني للكنيسة ‏الكاثوليكية في نينوى، ومعه ثلاثة من مساعديه، وعثر على جثثهم لاحقاً وعليها آثار التعذيب.‎

استهداف الكنائس

قبل وأثناء وبعد عمليات قتل رجال الدين المسيحيين، كانت الكنائس والاديرة هدفاً رئيساً لتنظيم ‏القاعدة، بهدف ارغام المسيحيين على مغادرة المدن التي يسكنونها باعتبارهم «ديانة غير مرحب بها» ‏بين صفوف المسلمين كما يقول الناشط جرجيس.‎

فخلال الاعوام 2003 – 2011، وثقت الدوائر الكنسية والمنظمات المسيحية أكثر من 60 كنيسة ‏وديراً مسيحياً تعرضت للتفجير والاقتحام في العراق، عدد كبير منها استهدف خلال حملات تفجير ‏كبرى تبناها تنظيم القاعدة واستخدم فيها سيارات مفخخة وعبوات ناسفة قتل فيها عشرات المسيحيين.‎

مطلع آب (اغسطس) عام 2004، تعرضت سبع كنائس في بغداد العاصمة ومدينة الموصل للتفجير ‏بسيارات مفخخة وعبوات ناسفة اودت بحياة 18 مسيحياً وجرحت العشرات منهم حين كانوا يؤدون ‏قداس الاحد. وعرف ذلك اليوم حتى الآن بـ ‏‎«‎الاحد الدامي»، والذي توالت من بعده عمليات استهداف ‏الكنائس المسيحية طوال السنوات اللاحقة‎.

التهجير المباشر

خرجت عائلة الشماس يوسف بنيامين مع اكثر من 1380 عائلة مسيحية من مدينة الموصل باتجاه ‏كردستان، شتاء عام 2008، في حينه، يتذكر بنيامين، كانت «صولة تنظيم القاعدة» الجديدة قد بدأت ‏بهدف تهجير اكبر عدد ممكن من المسيحيين‎. ‎قتل في هذه الحملة 12 مسيحياً وفجرت ثلاث كنائس ‏وبضعة بيوت. ثم انتهت الحملة ببيان علني بثته مكبرات الصوت في بعض الجوامع، يمنح المسيحيين ‏‏48 ساعة فقط لمغادرة المدينة.‎

قبل ان تنتهي المهلة، كانت العوائل المسيحية الـ 1380، من ضمنها عائلة الشماس بنيامين، قد ‏خرجت من المدينة، بعضها «اكتفى بالرحيل بملابس النوم فقط» كما يتذكر بنيامين‎.

في بغداد العاصمة، ابتدع تنظيم القاعدة اسلوباً بشعاً جداً لإرغام المسيحيين على المغادرة، ففي الثلاثين ‏من تشرين الاول 2010، اقتحم انتحاريون ينتمون الى تنظيم القاعدة باحة كنيسة سيدة النجاة وسط ‏بغداد، واحتجزوا أكثر من 100 مسيحي كانوا يؤدون قداس الاحد، مطالبين بإطلاق سراح ما قالوا ‏انهن «مسلمات مصريات اختطفن وأجبرن على دخول المسيحية من قبل الكنيسة القبطية في مصر». ‏ولاحقاً، فجر المسلحون احزمتهم الناسفة التي طوقوا بها اجسادهم وأجساد عدد من الرهائن، من ‏ضمنهم اطفال، لتنتهي المجزرة بـ58 قتيلاً وعشرات الجرحى.‎

عقب المجزرة التي نالت صدى اعلامياً عربياً وعالمياً، غادرت اكثر من ‏‎1500 ‎عائلة مسيحية بغداد ‏باتجـــاه سهل نيــنوى ومدن اقليم كردستان، هذا غير العائلات التي هاجرت مباشرة الى خارج ‏الــعراق وقدرت بنحو 30 عائلة في اليوم‎.

التطرف

ابرز ما عاناه المسيحيون، قبل وأثناء موجة العنف التي طاولتهم بعد عام ‏‎2003‎، كما يعتقد الناشط ‏المسيحي بنيامين اسحاق، ان المتشددين بدأوا عزلهم بالتدريج. فيما يرى الخوري قرياقوس حنا متوكة ‏راعي كنيسة مريم العذراء في برطلة، أن التطرف الديني هو واحد من ابرز اسباب هجرة المسيحيين ‏الى خارج العراق‎.‎

يتفق معه في هذا الطرح، المدير السابق لمنظمة حمورابي لحقوق الانسان، وليم وردة، فهو يعتقد أن ‏تنامي التطرف الديني بالنسبة الى الأديان كقضية عالمية معاصرة، تسبب بتنامي موجات العنف ضد ‏المسيحيين في العراق. فالتطرف كما يرى وردة، «يقود مع مرور الوقت، الى التصادم بين الديانات ‏نفسها‎.

يحمل وردة، الدول الغربية الكبرى جزءاً كبيراً مما يتعرض له المسيحيون في العراق، فبمجرد ان ‏ظهر الفيلم المسيء الى النبي محمد وما سبقه من رسوم مسيئة، تعرض العشرات من المسيحيين الى ‏اعتداءات جسدية ولفظية، وارتفعت حدة خطاب الكراهية ضدهم‎.

خاطب بطريرك الكنيسة الكلدانية في العراق والعالم مار لويس روفائيل الأول ساكو، مسلمي العراق ‏خلال احتفالهم بالهجرة النبوية العام الماضي، بقوله: «ليكن قلبكم رحبا في حال ارتكاب الغرب ‏حماقات، ولا تدمجونا بها‎».‎

البطريرك ساكو أبلغ كاتب التحقيق، أن مستقبل المسيحيين في العراق بات منذ سنوات «غامضاً ‏ومخيفاً جداً». فالاوضاع المشتعلة في العراق وسورية ولبنان ومصر، تربك اوضاع المسيحيين مع ‏تنامي المغالاة لدى نسبة عالية من مواطني البلدان الاسلامية، وهذا الامر بالذات، كما يقول ساكو «هو ‏الذي يقلق المسيحيين ويدفعهم الى التفكير بالهجرة الى الغرب.‎

كردستان تفقد موقعها كمعقل أخير لمسيحيي العراق

راهن كثيرون، بمن فيهم قادة مسيحيون وناشطون وقساوسة، وحتى قادة اكراد وعرب، على أن ‏كردستان العراق يمكن ان تكون حاضنة موقتة للمسيحيين توفر لهم الأمان ريثما تستقر الاوضاع ‏السياسية والامنية في العراق ويعودون مجدداً الى مناطقهم الاصلية. التقارير كانت تقدر عدد العائلات ‏المسيحية التي نزحت الى مدن كردستان وسهل نينوى بأكثر من 65 الف عائلة‎.

الجميع كسب الرهان، بمن فيهم الناشط المدني سعدي قرياقوس، فقد كانت كردستان فعلاً حاضنة ‏موقتة كما يعتقد، ولكن «باعتبارها المحطة الاخيرة قبل الهجرة النهائية الى خارج العراق.‎

لا يواجه المسيحي القاطن في كردستان عادة، مخاطر الاختطاف او القتل او حتى التعرض بشكل عابر ‏للسيارات المفخخة والعبوات الناسفة. أقصى ما يمكن ان يهدد حياته هو حوادث السير كما يقول الناشط ‏قرياقوس. مع هذا، لا تتوقف رحلات الهجرة من كردستان الى الخارج، وقد تتسارع او تتباطأ قليلاً ‏‏«لكنها أبداً لا تتوقف‎.”

‎العنف ليس دائماً سبباً للهجرة

يعني هذا عملياً، كما يقول القس بطرس حجي، أن العنف لم يكن على الاطلاق سبباً لهجرة المسيحيين ‏من كردستان الى خارج العراق‎ القس حجي يعتقد ان المسيحيين الذين جاؤوا من مجتمعات منفتحة ومختلطة نسبياً مثل بغداد ونينوى، ‏وجدوا انفسهم مرغمين على العيش في مجتمع عشائري محافظ. هذا الامر كما يقول حجي ولّد لدى ‏المسيحيين «إحساساً بالغربة‎»‎، وصعوبة في التجانس مع مجتمع لا يفهمون حتى لغته.‎

يمتد الأمر كما يقول الباحث المسيحي فابيان نعوم، الى مشكلات اخرى لا يدركها الا المسيحي القاطن ‏في كردستان، أولها نظام الوظائف الذي يعتمد بشكل رئيسي على منح الدرجات الوظيفية للاكراد قبل ‏غيرهم من الاقليات. والمشاكل الثقافية المتعلقة بلغة الدراسة ونمط الحياة‎.

يضيف الباحث نعوم، حوادث العنف التي طاولت المسيحيين في زاخو ودهوك عام ‏‎2011‎، الى ‏الاسباب الأكثر تأثيراً على حركة الهجرة من كردستان. فهي كما يراها كانت نتيجة طبيعية لارتفاع ‏حدة التطرف الديني في المجتمع الكردي، والذي يعرف اصلاً بأنه مجتمع متدين أنتج اول تنظيم متشدد ‏في العراق، هو منظمة «انصار الاسلام» التي سبقت «القاعدة» في العمل العنفي داخل العراق.‎

يتذكر نعوم أن الأسر المسيحية كانت ترى في اقليم كردستان مكاناً أمثل للعيش، حتى جاءت احداث ‏زاخو لتضعهم امام حالة محيرة، فقد تسببت الاحداث التي بدأت بصراع محلي بين الاحزاب الكردية ‏وانتهت الى عمليات استهداف للمسيحيين، في شيوع حالة من الهلع دفعتهم الى التفكير أكثر بالهجرة ‏الى الغرب. تضيف باسكال وردة، وهي وزيرة سابقة في الحكومة المركزية، سبباً آخر يتمثل في ‏مشكلة عدم الاهتمام بايجاد بيئة حاضنة تخفف عن المسيحيين كل ما عانوه من العنف والاستهداف ‏طوال السنوات الماضية‎.‎

يعتقد سكرتير المجلس القومي الكلداني ضياء بطرس، أن اغلب المسيحيين الذين لجأوا الى كردستان ‏كانوا من الطبقات العادية والمسحوقة من العمال والموظفين العاديين. بالنسبة لاصحاب رؤوس ‏الاموال، وهم النسبة الاقل، تحسنت اوضاع بعضهم هنا، لكن الغالبية تدهورت اوضاعها الاقتصادية ‏لأنها تركت كل ما تملك في بغداد او باقي المحافظات. هؤلاء، كما يعتقد بطرس، هم الذين يجب ان ‏نقلق في شأنهم، لأن رغبتهم في الهجرة الى الخارج ستزداد مع كل صعوبات تواجههم.‎

الصحافي نامق ريفان يقول ان المسيحي اللاجئ الى كردستان، يواجه في الغالب مشكلات كبيرة على ‏صعيد العمل، خصوصاً بالنسبة الى الكادحين البسطاء، فهؤلاء يعانون من منافسة العمالة الآسيوية في ‏مجالات العمل بالمحلات والمطاعم والمتاجر، فيما تذهب فرصة العمل الحكومية غالباً للاكراد دون ‏المسيحيين‎.‎

ولا تقتصر الرغبة بالسفر على المسيحيين الفقراء وذوي الدخل المحدود، بل يتعدى الامر ليصل حتى ‏الى الاغنياء الذين يمتلكون رؤوس اموال ضخمة ومشاريع في كردستان.

فالمقاول الاربعيني فارس حنا الذي يعيش في كردستان قلق جداً من الاوضاع السياسية في كردستان ‏وامكانية تدهورها لاحقاً، فالأمور عموماً «لا تبشر بخير» كما يقول فارس، خصوصاً بعد تصاعد حدة ‏الخلافات بين الحزبين الحاكمين وقوى المعارضة التي دفعت مناصريها الى الشوارع في ربيع العام ‏‏2011‏‎.‎

يقول فارس إن الاوضاع عموماً تنذر بأن الامور قد تعود يوماً ما الى مرحلة الحرب الاهلية التي ‏اندلعت بين الحزبين الرئيسين في كردستان ما بين عام 1994 وعام 1998، وقد تقود اي مشكلة ‏سياسية داخلية الى عودة الامور الى نقطة الصفر.‎

يضيف التاجر فرنسيس زيا، الى مخاوف مواطنه حنا، بعض حالات الابتزاز التي يتعرض لها التجار ‏المسيحيون الكبار من قبل عدد من السياسيين النافذين الجشعين، فقد فرضت الظروف على زيا في ‏اوقات متفاوتة، أن يتشارك مع بعض هؤلاء، على ان الشراكة قائمة على تقديم المال من قبل زيا، فيما ‏تنحصر مهمة الشريك المسؤول بتوفير الحماية لزيا وللمشروع من مسؤولين مبتزين آخرين‎.‎

يلقي ابلحد افرام باللائمة على الكتل السياسية العراقية في مسألة تهميش المواطن المسيحي وإشعاره ‏بأنه مواطن من الدرجة الثانية. ففي الغالب، لا يحصل المسيحي على درجة وظيفية عالية كمدير عام ‏او غيرها من الوظائف المهمة، لأن هذه الوظائف اصبحت حكراً على الاطراف العراقية المهيمنة على ‏الحكومة‎.‎

يجمع الساسة ورجال الدين والمسيحيين الذين التقاهم كاتب التحقيق، ان جزءاً كبيراً من عملية اقناع ‏المسيحيين بالبقاء في العراق يعتمد على العراقيين انفسهم، والجزء الاكبر من هذه المسؤولية تقع على ‏عاتق حكومتي بغداد واربيل‎.

فبدون ان تخصص الحكومتان وظائف كافية للمسيحيين، وتوقف الانتهاكات التي يتعرضون لها في ‏كردستان وباقي محافظات العراق، ومن دون تسهيل مهمة التوطين الداخلي وتذليل صعوبات التعليم ‏واصدار قوانين لحمايتهم من الاعتداءات واتهامات التكفير، من دون هذا كله، سيكون من الصعب ان ‏يقتنع المسيحي بالبقاء في البلاد التي تعامله على انه مواطن من الدرجة الثانية، أو تستبيح دمه لانه لا ‏يريد ان يكون جزءاً من الصراع الذي لم يتوقف منذ عشر سنوات.

البطريرك مار لويس روفائيل الأول ساكو، ناشد مسلمي العراق في خطاب علني، ان يكونوا اكثر ‏رأفة بإخوانهم المسيحيين، «نحن المسيحيين شركاؤكم في البشرية، وفي الوطن… كنا هنا قبل مجيء ‏الاسلام، وبقينا معكم نقاسمكم السراء والارض… حافظوا علينا من اجلكم، فإن هجرتنا من العراق ‏تضركم انتم اكثر مما تضرنا‎».‎

يدرك رافائيل ايشوع الذي ولد وعاش في بغداد طوال عقوده الاربعين، ان ثقافته وانتمائه للعراق ‏وللشرق سيتلاشى تماماً خلال بضع سنين يقضيها في المهجر. لكنه لن يتمكن ابداً من ان ينسى والديه ‏وأخيه ادمون‎

عن الكاتب

عدد المقالات : 7492

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى