بعد مسرح اللامعقول، اللامعقول في السياسة/ بقلم عبدالغني علي يحيى


نادي بابل

قد يذكر عنوان المقال بعضا من القراء بأدب اللامعقول وتحديدا في فن المسرح وبكتاب مسرح اللامعقول: يوجين يونسكو واداموف وبيكيت أبرز كتاب اللامعقول وبأبرز الأعمال المسرحية المصنفة على اللامعقول (الكراسي) و( المغنية الصلعاء) و(في انتظار غودو). وفي العربية كان للمرحوم توفيق الحكيم، مساهمات رائدة في هذا اللون من الفن، واذكر مسرحيتين له(الطعام لكل فم) و(ياطالع الشجرة). ولم يكن يدور ببالي حلول يوم نقف فيه على اللامعقول في عالم السياسة بعد إنحسار موجة اللامعقول.

قبل أيام فأجأنا رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بقول يتقاطع مع الوقائع على الارض العراقية من أن (المعركة مع الأرهاب إنتهت) ! قال ذلك بعد أن استفحل الأرهاب في الشهر الفضيل الذي نعيشه الان، بصورة صارخة، طال حتى المؤسسات المعنية بمكافحة الأرهاب، وأجمع الكل على هذا التصعيد الخطير في المشهد الأمني ومن بينهم الحزب الاسلامي العراقي الذي وصف المشهد الامني الحالي ب( الانحدار الامني مرعب)  وعند المالكي وحده المعركة مع الارهاب منتهية.

العلاقات العراقية – الايرانية المتميزة بالصلابة والمتأنة الى صعوبة التمييز بين سياسة البلدين، فتحول العراق الى ما يشبه حديقة خلفية لأيران، ومع ذلك تقوم ايران بتجفيف الجداول والانهار التي تصب في العراق من ايران، من خلال تحويل مجاريها الى الداخل الايراني واحيانا قذفها للمبازل والنفايات الى المياه العراقية. ويبقى الصمت العراقي حيال  ذلك مثار تساؤل، وتنديده باسرائيل ايضا محل ذهول واستغراب فما تقدمت عليه ايران من الحاق للأضرار بالعراق لم تقدم عليه اسرائيل ابداً. فهل ينبري احدهم متصديا لي ويبرر العلاقة اللامنطقية بين العرق وايران خلل مايجري من تلاعب ايراني بمقدارات العراق والعراقيين، وهل العلاقة المنوه عنها بينهما سليمة وعقلانية؟.

القول في العلاقات العراقية الايرانية، ينسحب أيضاً على العلاقات بين الحكومتين الكردستانية والتركية والاخذة بالمتانة والتجذر مع مرور اليام، وكأن لا وجود لقصف واعتداء شبه اسبوعي أو نصف اسبوعي لتركيا على المدنيين والأراضي الكردستانية العراقية، وماينجم عنه من ضرر في الارواح والممتلكات، دع جانباً مواقفها المعادية لكرد سوريا ومجابهتها لكرد تركيا بالحديد والنار. ترى الم يحن الوقت للقول بلاعقلانية العلاقة السائدة بين الطرفين الكردي والتركي؟

ومن غريب ما قرأت وسمعت وسجلت، خبر عن ( توجيه طاقة صناعية عبر مركز “الابحاث في مجال الترددات العليا للشفق القطبي الشمالي” HAARP) التابع للولايات المتحدة لتسليط درجات حرارة عالية على العراق حسب خبراء في الأنواء والرصد الزلزلي من العراقيين والذين أضافوا من ان درجات الحرارة في العراق خلال السنوات الثلاث القادمة تصل الى 70 درجة. هذا في وقت تعتبر فيه الدولتان حليفتين لبعضهما بعضاً، ولسنا ندري لماذا لا تتوجه واشنطن بالفعل هذا الى عدوتها ايران أو خصومها الدوليين الكبار كالصين وروسيا؟. الخبر ذكرني بتنبؤات نسبت في حينه الى علماء امريكيين ويابانيين وغيرهم من ان نهاية العالم ستكون في هذا العام 2012. ولقد وظفت شركة سينمائية ( التنبؤ) الخبر لأنتاج فلم سينمائي (2012) والذي در بأرباح مذهلة على منتجيه. وقد يحول مخرجون سينمائيون الارتفاع (المصطنع) حسب قولهم للحرارة في العراق الى فلم سينمائي، وأرباحه مضمونة سلفاً، ولا من معقب على الخبر، أو مساءلة للذين نشروه.

بقاء منظمة مجاهدين خلق الأيرانية في العراق بعد سقوط النظام العر اقي السابق عام 2003، وبعد ان تحول العراق وايران الى ما يشبه ( التوأمين الساميين). وتوجه الالاف من اللاجئين السوريين الى العراق هرباً من نظام الاسد. كلتا الحالتين: البقاء بالنسبة لمجاهدين خلق والتوجه بالنسبة للاجئين السوريين، يندرجان في اللامعقول في السياسة. ولقد كان حرياً بالأولى ان تبحث عن مخرج لها من العراق (الجديد) في الأيام الاولى من سقوط ذلك النظام، فأستحالة العيش في ظل نظام حليف لايران وبدرجة اقل لامريكا وكلاهما يصنفان المنظمة الايرانية على الأرهاب، ولقد تلقت ( مجاهدين خلق) على امتداد الاعوام الماضية ومايزال، ضربات موجعة على يد النظام العراقي الحالي، بمعسكرها في أشرف. كذلك القول بالنسبة للمهاجرين السوريين الذي غادروا نظاماً ليد خلوا في نظام مشابه له بل ومتحالف.

ومن بين المثير واللامعقول في السياسة، وعلى مستوى شبه عالمي، إنعقاد مؤتمر لفوضويي العالم، تلامذه باكونين وبرودون في مدينة (سانت ايميه) السويسرية، والذي دام (4) أيام، وحضره من الف الى اكثر من (3) الاف فوضي بينهم فوضويون عرب مغاربة ومن بلدان متقدمة كالولايات المتحدة والمانيا وفرنسا، بعد ان كان الاعتقاد سائداً بالقضاء على الفوضوية منذ نحو قرن، سيما بعد انتصار الثورة الشيوعية في روسيا التي اضعفتها والحقت بها هزيمة نكراء. والفوضوية على علاتها، مرفوضة مدانة. لقد فوجئنا بمؤتمر الفوضويين، مفاجأتنا بين حين وحين بأنشطة للنازيين الجدد ليس في المانيا فقط، بل في دول اكتوت شعوبها بنار النازية. وسلاماً على الفكر الذي اخفق في التأثيرعلى عقول البشر باتجاه محو الافكار والاتجاهات الضارة التي لا تقل  خطورتها عن خطورة الايدز والسرطان على حياة بني البشر.

ومن طريف ما سمعت وشاهدت، سعي عبدالباسط سيدا رئيس المجلس الوطني السوري في زيارته الى اربيل للتقريب بين مجلسه والمجلس الوطني الكردي وضم الثاني اليه، علماً ان المجلس الوطني الكردي يتألف من طرفين جد متناقضين ومتنافرين، حزب العمال الكردستاني p.k.k المعروف بتشدده حيال تركيا وهو على حق ومجموعة الاحزاب الكردية السورية التي هي على عداء ضد النظام السوري وهي على حق ايضاً. سيدا لايفشل في مهتمه فحسب، بل سيتفكك التحالف بين الطرفين المذكورين (المجلس الوطني الكردي) نظراً لتنافرهما الحاد وارتباطاتهما الاقليمية المتنافرة كذلك وان غداً لناظره قريب.

ومن غرائب السياسة وعجائبها ولا منطقيتها، تباكي بعضهم في العراق ومصرعلى وجه التحديد على انقلابي 23 تموز في مصر و14 تموز في العراق وعلى قائدهما عبدالناصر وقاسم، بعد ان كانوا (المتباكين) مطاردين من قبل الاجهزة الامنية للرجلين ويصفانها والرجلين بالدكتاتورية والدكتاتورين.. الخ . وفي ظل نظاميهما تعرض العرب الى نكسات واحباطات لا تحصى فيا ترى كيف يفسر التباكي اللاعقلاني على الانقلابين المذكورين، ثم أوليس متوقعاً ان يترحم ضحايا نظم صدام والقذافي ومبارك وبن علي في يوم ما عليهم؟

وجاء في الاخبار قبل ايام، ان روسيا الاتحادية تتحرك على الدولتين الشيوعيتين: كوبا وفيتنام لأجل اعادة فتح قواعدها العسكرية فيهما. وقد يوافق البلدان على طلبها، واللذان كانا الى الامس القريب ينددان بحل غوربا تشوف للاتحاد السوفيتي، ويرى كاتب هذه السطور او لا يستعبد عودة الاحزاب الشيوعية التي كانت سائرة في ركاب الاتحاد السوفيتي للاتفاق مع الكرملين، فالمصالح دائمة وما عداها، الصداقة والخصومة، كما يقول تشرشل غير دائمة.

ختاماً، بات تراجع مسرح اللامعقول في حكم المؤكد، رغم انه لم يجلب بالضرر على أحد إنما اثرى الفكر الانساني، والادب منه بشكل خاص وكان فناً ممتعاً، فهل يأتي يوم يتراجع فيه اللامعقول في السياسة والذي يضر بالشعوب قاطبة؟

  • رئيس تحرير صحيفة راية الموصل – العراق.

  • Al_botani2008@yahoo.com

عن الكاتب

عدد المقالات : 7516

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى