الوحدة الوطنية و الديمقراطية الحقة … ما أشبه الليلة بالبارحة / د. منير عيسى


نادي بابل

من سيجهد بعدنا …؟؟؟؟ من سيبني دولة القانون و النظام فوق تراب الوطن , غيرنا ؟؟؟؟

استبشرت جماهير شعبنا خيرا بالتغيير الذي حصل في صبيحة الرابع عشر من تموز عام 1958 , بازاحة الملكية واقامة النظام الجمهوري , ومنذ ذلك التاريخ , عاش شعبنا العراقي , ديمقراطيات غريبة عجيبة , لم يشهد لها التاريخ مثيلا , ديمقراطيات غريبة الاطوار :

فمن ديمقراطية السحل بالحبال , الى ديمقراطية القطارات الامريكية , الى ديمقراطية ابادة الشعب الكردي , الى ديمقراطية كواتم الصوت , والقادسية الثانية , وام المعارك , وتسميم وتجفيف الاهوار , الى ديمقراطية الفوضى الخلاقة , الى ديمقراطية المحاصصة الطائفية و القتل على الهوية , الى ديمقراطية الفساد المالي و السياسي , الى ديمقراطية نهب ممتلكات الدولة والمال العام , الى …….. , الى… , الى … , واخيرا … وصلنا الى ديمقراطية التدمير :
تدمير ارض العراق , ونسيجه الاجتماعي , ومؤسساته , وشعبه , و حضارته وهذا بالتأكيد ما لم يتمناه الضباط الاحرار لشعبهم , حينما تصدوا لمهمة تغيير و اسقاط النظام الملكي عام 1958 ولم يكن ايضا , مطابقا لمفهوم التغيير الحقيقي , الذي اراده الشعب العراقي وأحزابه الوطنية في السنوات التي تلت ذلك …

قد لا نبالغ اذا ما قلنا , لو عرف الضباط الاحرار مساء الثالث عشر من تموز عام 1958 بأن التغيير الذي كانوا يريدون الاقدام عليه في صبيحة اليوم التالي , سيقود الى كل هذه الماسي , وان العراق سيغرق في لجج من الدماء

لا عادوا التفكير مائة مرة بما كان في نياتهم القيام به , ولفكروا بأبقاء الملكية و العمل على اقامة حكومة وطنية بالاساليب الديمقراطية :
بالدستور , بالحريات العامة , بأحترام القانون , وحقوق الانسان الاساسية , وللمقارنة نقول لقد تأخر العراق عن الانظمة العربية التي بقت ملكية الى يومنا هذا من ناحية :

الاستقرار السياسي , ورسم سياسات خارجية متوازنة , واطلاق الحريات النسبية لشعوبها , والتي تعيش برفاه قياسا بما عاناه و يعانيه الشعب العراقي , من قمع واضطهاد و تجويع , وغياب الامن والامان والسيادة الوطنية في حين تتمتع تلك الشعوب , في ظل انظمتها الملكية , بخيراتها من , نفط و معادن و ثروات , تبني بها مجتمعاتها …………………… و بعيدا عن :
الشعارات الفضفاضة , والجمل الرنانة , والمشاريع التأريخية , والخطابات الحماسية الفارغة , والمزايدات , والوعود الكاذبة بحياة افضل , والدجل , واستغلال عواطف ومشاعر الجماهير البسيطة , لاهداف مصلحية وانتهازية , والتهريج الاعلامي لبرامج العدالة والمساواة والوحدة , البرامج التي بقت وتبقى حبرا على ورق يعبر بها الطامحون الى المناصب , لكراسي السلطة والتسلط , برامج التنظيمات , البطريركية , الشمولية , ونعني بها هنا , التنظيمات السياسية البديلة التي ارتأت لنفسها ان تلعب الدور الابوي على الجماهير , فارضة لونها ونتاج تجربتها , كقيد وشرط للثورة , منحية ومبعدة باقي الالوان , وجل التجارب الاخرى , ناسين ومتناسين , ان قوس قزح , اطياف تبدأ من الارض , وفيها تنتهي …

وبناءا على ما سبق , و نتيجة لحكم الديكتاتوريات , و الاحزاب الشمولية , وبكل أسى واسف , نقول , ها نحن اليوم نرجع الى المربع الاول , غير مستفيدين , لا من السنوات التي مرت , ولا من الخبرات التي تكدست , ولا من همجية القتل اليومي , لا نعير اهتماما يذكر , لانين الشعب التواق لرغيف الخبز والاستقرار والكرامة والسيادة الوطنية والوطن الحر والسعادة وهنا ينطبق علينا المثل العراقي القائل :
لا حظت برجيلها , ولا خذت سيد علي

كثيرة هي الدماء التي سالت على ضفاف الرافدين منذ تموز 1958 الى اليوم .. كثيرة هي الماسي التي مر بها الشعب والوطن … فهل نتعض بما حصل لنا ونسعى جاهدين لاقامة دولة القانون والنظام في بلدنا ؟؟؟؟

ام نكتفي برفع الشعارات و تسطير العبارات و المشاريع و البرامج , لغرض الاستهلاك , وليس للتطبيق … ؟؟؟؟

هل سنبقى ننشد دولة القانون والعدالة , وبذات الوقت نمارس سلوكا , من الناحية العملية , ينقض كل ما ننشد …؟؟؟؟

هل نمد الايادي سواعد , لكي نغرس نبتة الوعي على الضفاف …؟؟؟؟

و كيف نرتضي لانفسنا , أن نكون بيادق شطرنج , يحركها الاخرون , في ارض الوطن , لاهداف غير وطنية ؟؟؟؟

ومتى سنمنح للجماهير فسحة وفضاءا , لكي يسنح لها ان تعيد تقييم ودراسة الحقبة التأريخية الماضية , لتستشرف مواطئ اقدامها مستقبلا , خاصة وان صورة العالم ومفاهيمه , قد تغيرت اليوم , تغيرا عاصفا عما كانت عليه , قبل اثنين وخمسين عاما , ام هل سنكتفي بالوقوف كل عام , دقيقة حداد على ارواح الشهداء ؟؟؟؟

شهداء الحروب , والمقابر الجماعية , والقمع , وقصر النهاية , ونكرة السلمان , ومجازر حلبجة , و شهداء تموز و 8 شباط وفي مقدمتهم الزعيم البطل عبد الكريم قاسم , واصحابه البررة , الذين راحو ضحية احلامهم الجميلة لبناء عراق جديد …. متناسين ان الانتقال من بنية اجتماعية اقتصادية , الى اخرى مختلفة نوعيا , تحتاج الى مهندس ماهر وحازم , يستطيع وضع الاساس السليم في الارض الهشة , وهنا لا تكفي الخبرة العسكرية وحدها , خبرة الثكنات فقط , بل كان ينبغي الحصول على خبرة السياسي المحنك والمجرب , المتشبع بحكمة الماضي ودروس الحاضر , والذي يمتلك روح البناء ويضطلع بدور المؤسس للدولة والمجتمع الجديد , حيث يتحول الزعيم , الى عامل يضمن الوحدة الوطنية والوفاق الاجتماعي والسياسي , في بلد متعدد القوميات والاثنيات والاديان , كالعراق :
المتميز بكل شئ , بموقعة , بتأريخه الحافل بالصراعات , بثرواته الهائلة , و بتامر الاخرين عليه نتيجة ذلك , مخافة ان يتحول الى بلد قوي ومستقر , يقلب حسابات الاخرين راسا على عقب …

لذا كان على الزعيم وضع الاسس الجديدة المطلوبة للتغيير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي فكر به رجال الثورة , لكي لا يبقى التغيير مجرد اماني و خطابات جميلة , يسحر بها القائد مستمعيه …

لكن للاسف , لم توضع تلك الاسس بشكل صحيح ….. فوصلنا الى ما نحن فيه اليوم , حيث دفع الشعب والوطن , ثمنا باهضا لذلك , خلال ال 52 سنة الماضية , نتيجة الدكتاتوريات المتعاقبة , والانفراد بالحكم , والتفريط بمصالح الوطن والشعب , والحروب , والفساد بشتى انواعه …

نعم , كان على الزعيم , ان يعمل على سن دستور دائم للبلاد , والغاء حالة الطوارئ , وأجراء انتخابات برلمانية ورئاسية , لوضع مقدمات الدولة العصرية , وتعزيز مؤسسات المجتمع المدني , واحترام حقوق الانسان , والاهتمام ببلورة مشروع وطني عراقي , يقوم على الاعتراف بالتعددية القومية والدينية والحزبية , يلف كل الشعب حوله , وكان بوسع مشروع كهذا , ان يقطع الطريق على قوى الردة , و كان من المفترض ايضا استكمال المشاريع الاجتماعية والاقتصادية , التي بشرت بها الثورة , وتطهير الجيش واجهزة الدولة من الاعداء , هذا جانب , لكن من جانب اخر , ونحن بصدد تحليل اسباب الاخفاقات , لايمكن تناسي الظروف الشائكة التي احاطت بالزعيم , وشراسة القوى المحلية والدولية , التي تضررت مصالحها بالثورة , او انها لم تفهمها , اضافة الى ذلك نقول ان موهبة السياسي , تتلخص بتجاوز الانحسارات بأقل الخسائر الممكنة للوصول بالبلد الى شاطئ الامان , لكن للاسف , هذا لم يتحقق ايضا …

تلكم هي الواجبات الاساسية , والتي كان على الزعيم القيام بها , في ذلك الوقت , لتحقيق اهدافه …

اما في يومنا هذا , و للاجابة على السؤال الازلي , مالعمل ؟؟؟؟ … نقول :
1/ . المطلوب من الجميع اليوم , تجاوز عقلية الاحتراب والعداء بين القوى السياسية , وتبني فكر جديد يقوم على الحوار , والشفافية , والمصارحة , والمتابعة , والتجدد مع الحياة , والانفتاح على الثقافات والشعوب , وحرية التعبير , والتعددية , وتبني الحلول الوسط , وقبول ارادة الشعب , والتخلي عن خداع الذات بامتلاك الحقيقة واحتكارها , ويجب اخضاع كل فعل وكل نشاط سياسي , لاي حزب كان , للقضية الاكبر التي اسمها العراق .

2/ . ينبغي ان تمتلك الاحزاب السياسية , مصداقية على ارض الواقع , هذه المصداقية التي تتأتى من المنجزات الفعلية , وليس عبر , الخداع والتضليل , والاعلام الكاذب والمزايدات والتشويه والاحقاد والتشكيك بالاخرين , والشحن الطائفي والعنصري , كما كانت تفعل الديكتاتوريات السابقة , ينبغي عليها تبني روح المرونة والتسامح والعمل المشترك , والابتعاد عن الانتقام والتامر .

3/ . ينبغي للاحزاب السياسية , ان تمتلك الحرص على العراق , ووحدة اراضيه , وسيادته الوطنية , يجب عليها ان تعمل لاخراج العراق من البند السابع لميثاق الامم المتحدة , الذي ينتهي بموجبه تفويض الامم المتحدة الممنوح للقوات المتعددة الجنسية , تمهيدا لتمتع العراق بسيادته الكاملة ، وكذلك يجب ان تسعى لالغاء القروض التي منحت للنظام السابق من قبل بعض الدول , لتمويل حروبه الاجرامية , ويجب على الاحزاب ان تتفق على برنامج للعمل الوطني المشترك لبناء الوطن واستعادة ثقة الشعب بها , وعليها ان تبتعد عن المحسوبية والمنسوبية , وتبتعد عن توظيف , الدين و القومية , لاهدف حزبية و سياسية وانتخابية ضيقة , وكذلك ينبغي على الاحزاب ان تبتعد عن الركض وراء المصالح الشخصية والولاءات المحلية والاجنبية , على حساب مصالح الشعب .

4/ . ليس من حق هذه الاحزاب , التصرف بأموال وثروات الشعب , بناءا على مصالحها الخاصة وارتباطاتها , ليس من حقها تحويل , الاقتصاد الوطني , والملكية العامة , الى , بزنس كبير , للرشاوي , والعمولات , والفساد المالي .

5/ . الولاء المطلق لهذه الاحزاب يجب ان يكون للعراق والعراقيين , وليس للاجانب ومصالحهم .

6/ . ينبغي توفير الية تضمن حقوق الفرد والقوميات والاديان والطوائف والاحزاب , ليتعايش الجميع بسلام .

7/ . يجب زرع الثقة بين الجميع وتوظيف الخصوصية العراقية , للتطور والازدهار كمثال يحتذى للشعوب , بعد توفير الامن والامان وفرص العمل والخدمات , ومحاربة الفساد المالي والسياسي .

8/ . اعتماد معايير النزاهة , والكفاءة , والخبرة , والايمان بالمشروع الوطني العراقي , و الولاء للشعب والوطن , كشرط اساسي لتعيين الكوادر القيادية في اجهزة الدولة ومؤسساتها الجديدة .

هذه هي مهماتنا اليوم , وبتنفيذها نكون اوفياء لذكرى ثورة تموز ورجالها …………….

و هكذا , فعند الاحتفال بذكرى ثورة تموز , لا يجب فقط , ان نكتفي بالوقوف كل عام دقيقة حداد على ارواح الشهداء , أو أن نبكي دهرا على ما ضاع من مكاسب ثورة ضاعت , عويل عمر على اطلال 14 تموز 1958 بل يجب ان نتشرف بتنفيذ هذه المهمات , في هذه المرحلة الخطيرة التي يمر بها الشعب والوطن وخلاف ذلك نقول من سيجهد بعدنا ؟؟؟؟ من سيبني دولة القانون و النظام , فوق تراب الوطن , غيرنا ؟؟؟؟ .

الجمعة 17 يوليو / تموز 2015

د. منير عيسى

عن الكاتب

عدد المقالات : 7517

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى