المسيحيون في شمال العراق شعب الألم والصمود [2] سهل نينوى أرض تدرّ لبناً وعسلاً وتطرح أسئلة كثيرة


نادي بابل

شمال العراق – بيار عطاالله
2012-03-22

بعد القداس في بغديدا.

كهوف النساك في دير ربان هرمس.


حراس عند مداخل كرمليس.

يحلم مسيحيو العراق باليوم الذي يتمكّنون فيه من إقناع السلطة المركزية في بغداد بإقامة محافظة نينوى التي تضمهم مع الاقليات الاخرى، وفي انتظار ذلك اليوم الموعود تمضي مسيرة الحياة هادئة في البلدات والقرى المنثورة في شمال العراق رغم الاخبار التي تصلهم من العاصمة بغداد ومحافظة الموصل عن التعرض لمن تبقى من المسيحيين هناك.
ينتشر المسيحيون في مناطق داهوك وكركوك وأربيل وزاخو وغيرها بدءاً من الحدود التركية – العراقية – السورية غرباً، كما يقيم المسيحيون في الموصل جنوباً وانحاء كركوك بأعداد قليلة وفي ظل أوضاع أمنية مضطربة، ومنها يتوزعون على جبال كردستان شمالاً وشرقاً وصولاً الى سهل نينوى، الذي ينقسم الى نينوى الجنوبية ونينوى الشمالية ويضم ثلاثة أقضية تعادل مساحتها ثلث الجغرافيا في لبنان. ويعيش في هذا السهل نحو 35 في المئة من المسيحيين (الكلدان، السريان، الاشوريين)، واليزيديين بنسبة 30 في المئة، والبقية من التركمان، الكيكية (اصلهم من الشيشان) والشبك السنة والشيعة. لكن المشكلة ليست في التعايش المتوتر بين هذه الاقليات بل في الصراع المحتدم بين سلطات كردستان والمركز في بغداد للسيطرة على هذه المنطقة التي تسمّى “الاراضي المتنازع عليها”، وكأن لا رأي لسكان تلك الارض في حاضرهم ومستقبلهم رغم أنهم من الاكثر تعلقاً بالولاء للعراق والاكثر حرصاً على التفاهم مع الاخرين رغم حملات الارهاب والتنكيل التي تعرضوا لها والتي جعلتهم بين سندان الاكراد الطامحين، الذين ينشرون قوات البيشمركة الكردية في هذه المناطق والسلطة المركزية التي تريد تقمص دور حزب البعث في الهيمنة دون أي اعتبار للتعددية التي لم تجد السلطات المحلية سبيلاً لحمايتها من “الارهابيين” الا بنشر وحدات الحرس الاهلية من المتطوعين.

كرمليس وبغديدا

يشكل الاهمال بمعناه الحقيقي السمة المشتركة لتلك المناطق، فلا نظام البعث اهتمّ بها ولا السلطة اللاحقة، ويعني الاهمال عدم وجود شبكة طرق جيدة وانعدام شبكة الصرف الصحي، إضافة الى جملة أمور أخرى أصبحت من البديهيات في العالم، مثل تأمين فرص العمل والتربية والصحة والخدمات الاجتماعية وغيرها. وفي بلدة كرمليس مثلاً الواقعة في سهل نينوى الجنوبي، هاجر ثلاثة آلاف من أهاليها وبقي خمسة الاف يصمدون بجهودهم الفردية، ولولا الحواجز المسلحة التي تلف البلدة وعند مداخل الكنائس والدير في ما يشبه المجتمع الحربي، لربما كانت ضريبة الارهاب أكبر على الاهالي الذين يمضون الحياة بهدوء وينصرفون الى الزراعة ووظائف القطاع العام والتعليم، حيث هناك خمس مدارس تضم نحو 1500 تلميذ. ويردد الاهالي هناك انهم يتزوجون وينجبون الاطفال رغم الكلفة المرتفعة للزواج لدى المسيحيين، ويشدّدون على أنهم “لولا الارهاب والهجرة لكنا بألف خير” ولا يسمع المرء سوى نغمة واحدة بين الناشطين: “نريد محافظة للاقليات”.
في بغديدا البلدة الاكبر في تلك الناحية والتي سقط الالاف من شبابها في الحرب مع ايران والتي سميت “مدينة الفداء” بسبب سقوط 1800 شهيد من ابنائها، يقيم نحو 50 الفاً من السكان وربما أكثر، منهم المهجرون من بغداد والموصل ممن حملوا معهم عاداتهم وتقاليدهم، وبثوا الحياة في المدينة الريفية الهادئة والمتمسكة بتقاليدها وأوقات الصلاة في كنائسها الكثيرة والاثرية، حيث يتمتع الكهنة بنفوذ كبير نجح في التصدي لمحاولات افتتاح ملاهٍ ليلية وفرض معايير اخلاقية صارمة على مجتمع تلك المدينة التي تبدو مثل خلية نحل بأسواقها القديمة وبيوتها المتلاصقة ومركز استقطاب لسكان تلك الناحية.
ويشرح مدير ناحية تل كيف باسم بلو ان هجرة المسيحيين العكسية الى شمال العراق وسهل نينوى بدأت عام 2003 بعد سقوط نظام البعث لاسباب عدة، منها السياسية والامنية والاقتصادية، ووصلت الى ما بين 4000 و 5000 عائلة، لكن انعدام فرص العمل وعدم استقرار الوضع الامني دفع قسماً كبيراً من هذه العائلات الى الهجرة الى الخارج. ويجزم بأن “كل مقومات قيام محافظة او اقليم سهل نينوى موجودة، سواء أكانت الموارد البشرية ام الاقتصادية من زراعة ونفط. ويشير الى وجود سد الموصل على نهر دجلة، أحد أهم موارد الثروة المائية الاستراتيجية في العراق كله”. ويضيف: “المشكلة ليست في رأس المال وتأمين التمويل، وخصوصاً أن ثمة متمولين عراقيين مسيحيين كثراً على استعداد للاستثمار، بل هي في القرار السياسي وتأمين الاستقرار والهدوء”.

القوش وشراء الاراضي

القوش أكبر البلدات في منطقة نينوى الشمالية، واشتهرت بأنضواء اهاليها في الحزب الشيوعي وشدة بأسهم وحمايتهم لناحيتهم، وخصوصاً أنهم في غالبيتهم من الفلاحين والمزارعين، وفيها دير ربان هرمس الاثري أحد أقدم المواقع الاثرية المسيحية في الشرق، وخمس مدارس تضم نحو 1200 تلميذ الى رياض اطفال ومدرسة مهنية متخصصة، وتزنرها الحواجز المسلحة عند مداخلها. لكن المشكلة ليست أمنية بل تتمثل في الهجمة على شراء الاراضي، ويقول الاهالي هناك: “بعد الفشل في تغيير الديموغرافيا لمصلحة العرب بدأت حملة الاغراءات والتحايل على القانون وتزوير صكوك البيع لشراء الاراضي التي تمكن الاهالي من التصدي لها بقرار منع البيع “للغرباء” تحت طائلة المسؤولية، ولأن غالبية الاراضي ملك لرهبان دير ربان هرمس الذين يرفضون بيع الارض، وأقصى ما يسمحون به هو الايجار للاغراض الزراعية”. ويقول باسم بلو ابن القوش: “ايران ودول الخليج تمولان انصارهما لشراء ارضنا، وجزء كبير من مطالبتنا بإنشاء محافظة خاصة للاقليات هو لسن قوانين تمنع بيع الاراضي وتضع حداً للتحكّم في رقابنا”.
الى الجنوب من القوش، وعلى امتداد السهل الفسيح، بلدة نموذجية تشبه البلدات الفرنسية بقرميدها الاحمر، هي الشرفية النموذجية التي لم يتبقَ من سكانها الذين يتبعون الكنيسة الشرقية القديمة سوى 300 نسمة يعتمدون على الزراعة وتربية الاغنام والابقار في أرض تدرّ لبناً وعسلاً، وفيها مدرسة الرها اللاهوتية لتأهيل الكهنوت وتضم 14 طالباً يتابعون دراستهم لاحقاً في معهد اللاهوت في عينكاوا. وفي الشرفية يروي الاب اسعد حنونة ان من يهاجرون انما ينتقلون الى المجهول. ويقول: “الفكر العربي لا يريد الاعتراف بالآخر. السنّة لم يعترفوا بالشيعة والاكراد واليوم الشيعة لا يريدون الاعتراف بحقوق السنّة، وهكذا دواليك في مسيرة فكر الغائي لا يقيم وزناً للتعددية والاقليات”.
مدينة تل اسقف المجاورة للشرفية فسيحة، وكذلك كنائسها ومؤسساتها، وعند مداخلها ترتفع الحواجز المسلحة الى جانب قطعان الاغنام والابقار، مما يوحي أن اولئك المسيحيين انما يعيشون حياة الرعي وحمل السلاح لحماية وجودهم الذي تبدو عليه علامات الاهمال والحرمان الى أقصى الحدود. ويقول المسؤول عن الشباب في الحركة الديموقراطية الاشورية كلدو رمزي إن الفيديرالية جزء من الحل لكل مشكلات العراق، ويفترض ان يؤدي انشاء المحافظات الى تغيير كبير في طبيعة الامور، تماماً كما جرى في كردستان حيث يشهد المجتمع الكردي نهضة كبيرة بسبب سياسة التخطيط والانفاق المدروسة التي تنفذها قيادة الاقليم، في حين أن وضع البلدات والقرى والمدن في سهل نينوى لا يمكن مقارنته مع أي منطقة اخرى نتيجة تردي الخدمات وانعدام أبسط انواع الدعم الحقيقي والبناء.

يراقبون سوريا

مسيحيو العراق يخشون على المسيحيين في سوريا أن يتعرضوا لما يتعرضون له من إرهاب وتنكيل، وهم يتفهمون مواقفهم ويجدها بعضهم مبررة رغم كل ما نالهم من نظام البعث وصدام حسين من قمع. ويسأل الوزير السابق يونان هوزايا: “تجوز المقارنة بين صدام حسين وبشار الاسد في بعض المسائل، وخصوصاً الاستخدام المفرط للقوة وقمع الحريات، لكن السؤال الكبير يتلخص في معرفة البديل اذا سقط النظام الحالي، هل هو الاسلام الاصولي أم النموذج الديموقراطي؟ وعلى حركة الاسلام السياسي أن توفر اجابات واضحة عن مسائل كثيرة مثل المواطنة وتقبل التنوع والتعددية وكيفية التعامل مع هذا الموزاييك الكبير في العالم العربي”.

عن الكاتب

عدد المقالات : 7513

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى