القوش الكلدانيـــــــــة أحسن مدينة في العراق ، كيف ؟ ولماذا ؟


حبيب تومي
حبيب تومي

الأم الحنون تحتضن طفلها ولها الأستعداد للذود عنه ايام المحن والملمات ، وهكذا بقي جبل القوش يحتضن القوش بحنان إذ كان ملجأً اميناً لأبنائها ايام المحن والكوارث فأصبحا جبل القوش والقوش صنوان خالدان تربطهما عوائد الزمن وتقلبات الحياة في سيرورة دائمة ، وفي هذه الأيام ونحن في فصل الربيع تمتد امام الناظر في سهول القوش المترامية المروج الخضراء متمايلة ومتناغمة مع النسيم العليل وبين البيوت تعانق الأشجار عنان السماء باسطة اغصانها الوارفة نحو السماء لتتراقص عليها العصافير مغردة لحن الوفاء والمحبة لهذه المدينة الجميلة .

في هذه السنة كان هناك لقاء بين نيسان والقوش والمنطقة حيث تتوالى المناسبات فقد استقبلنا سري صال للاخوة الأيزيدية ، وقبله استقبل الشعب الكوردي عيد نوروز ، وفي مطلعه ايضاً استقبل شعبنا الكلداني وبقية المسيحيين عيد اكيتو لسنة 7313 ، وبعد ذلك كانت هنالك مناسبة ( شيرا دربان ورمس ) والذي كان يوم الأحد المصادف 22 / 04 / 12 ومن شدة الأزدحام فقد خصص اليوم الأول لزوار الدير من المناطق المتاخمة لألقوش ، واليوم الثاني كان للألاقشة ، ان هذه الأحتفالات الربيعية تذكرنا في اواسط القرن الماضي حيث كان يتقاطر الى القوش اليهود من من كوردستان ومن انحاء العراق حيث كانوا يحتفلون ومن ثم يصلون في مرقد النبي ناحوم الألقوشي ، إن القوش الكلدانية تحتفظ بأرث تاريخي وحضاري يعكس الوجه الناصع لحضارة بلاد ما بين النهرين ، ويجسد وجه التسامح والتعايش بين المكونات العراقية منذ اقدم العصور حيث كان اليهود يشكلون مكوناً اصيلاً الى جانب المكونات العراقية الأخرى .
إن هذه الأجواء الربيعية الجميلة تشير الى نعمة الأمن والأستقرار في القوش والتي ربما لا تجد لها مثيلاً في كثير من المدن العراقية ويذكرنا هذا بأسطورة الجنة التي كانت في مخيال ابناء بلاد ما بين النهرين ، حينما وصف احدهم جنة دلمون ان التعايش هنالك كان مثالي فالغزال يسرح مطمئناً لأن الأسد لا يفترسة والشاة ترعى الى جانب الذئب ، وصاحب المال ينام ملئ جفونه إذ ليس هنالك لصوص يسرقون امواله والشباب لا تراودهم الكآبة لأن شابهم خالد سوف لا تظهر عليهم علامات الشيخوخة ….
لقد بدأت العنوان بألقوش الكلدانيــــــــــــــــــة ، وفي الحقيقة ليست هنالك ضرورة للإشارة الى الهوية القومية لألقوش لولا الهجمة الشرسة التي تستهدف طمس الهوية الكلدانية العريقة ومحاولات النيل من الهوية التاريخية لمدننا وبلداتنا الكلدانية ، لقد ورد في رحلة المنشئ البغدادي وهو محمد ابن السيد الأحمد الحسيني وكتب عن رحلته عام 1822 وقد نقلها من الفارسية العربية عباس العزاوي ويكتب 85 عن القوش حينما وصلها قادماً من دير الربان هرمز يقول :
القوش قرية مسيحية نفوسها نحو 2000 بيت جميعهم من الكلدان ، وفي الصفحات التالية يتحدث عن تلسقف وباطنايا وتلكيف ، ووصف هذه المدن بأنها مدن مسيحية كلدانية وإن القاطنين في هذه البلاد هم من النصارى الكلدان .
ان المنشئ البغدادي هو فارسي الأصل ولم يكن عضواً في حزب كلداني ، وإنني في هذا المقال اركز على الهوية الكلدانية والسبب هو محاولات النيل من هذه الهوية التاريخية .
إن الفكر الأقصائي في المحصلة هو منهج لا اخلاقي قبل كل شئ ، وهو يتعارض مع لوائح حقوق الأنسان في حرية الفكر والمعتقد والأنتماء ، إن محاولات إلغاء شعب مهما كان الأسلوب والدوافع هو بشكل عام عمل مستهجن يتنافى مع كل القيم الأنسانية والتاريخ لا يرحم اصحاب هذا الفكر ومنهم هتلر وموسليني وصدام والقذافي وغيرهم . لكن من المفارقات ان ينجم من الفكر الأقصائي نتائج عكسية حيث يزداد الضحية من الأعتزاز بهويته وقوميته ولعل الشعب الكوردي هو خير مثال لنا في هذا الصدد إذ ان الحملات العسكرية وأساليب القهر والأضطهاد قد حفزت هذا الشعب الى التمسك بلغته وتراثه وهويته القومية ، وهكذا يتعرض اليوم شعبنا الكلداني الى تلك الحملة الأقصائية وتخصص لها مبالغ طائلة لألغاء تراث وتاريخ وهوية الشعب الكلداني ، ومقابل ذلك ارى امام رسوخ الفكر القومي لشريحة كانت صغيرة وهي تنمو وتتوسع يوماً بعد يوم .
نعود الى القوش الكلدانية ونلاحظ الجانب السياسي الذي يتموضع فيه ليس قليل من التعايش وقبول الآخر والأيمان بالفكر الديمقراطي وفي التعددية السياسية الحزبية المقبولة في القوش ، حيث تنتشر الأحزاب والمنظمات التي لها مختلف الأهداف السياسية وهي تعمل جميعاً بتعايش وتسامح دون ان يعكر صفوها الأختلاف في وجهات النظر ، إن الشعب الكلداني معروف بتسامحه ونأيه عن التعصب القومي والديني ولهذا يرتبط مع الجميع بالروابط الوطنية المبنية على الأسس الديمقراطية في احترام وجهات النظر المختلفة وفي قبول الآخر ، بمنأى عن اي نوازع تعصبية اي ان القومية الكلدانية قومية إنسانية تحترم كل المكونات وتبقى على انتمائها دون تعصب .
إن هذا الأنفتاح على الآخر لا يمنعها ان تصد المحاولات الطارئة الهادفة لتغيير ديموغرافيتها السكانية او قوميتها الكلدانية ، يقول مهاتما غاندي : افتح نوافذ بيتي لدخول الهواء الطلق لكن لا اسمح لتلك الرياح ان تعصف في بيتي وتقلع جذوره ، هكذا القوش تحاول الأحتفاظ بهويتها الدينية والقومية والأجتماعية ، ومن اجل ذلك تخسر الكثير من الناحية الأقتصادية على الأقل فلا نجد في القوش مشاريع استثمارية وسياحية ، ولا يسمح في بيع الأراضي السكنية والزراعية لغير اهل القوش .
إن العلاقة مع الأخوة الجيران من العرب والأكراد والآشوريين والشبك والأيزيدية وغيرهم هي جيدة وطيبة ، ولكن ( انت في بيتك وأنا في بيتي ونحن اخوان ) هذا سياج بيتي ملاصق لسياج بيتك ، وليس لأحدنا عبوره او تجاوزه .
في الجانب العمراني تشهد القوش حركة عمرانية واسعة ، فإن كان البيت الصغير في اواسط القرن الماضي في القوش تسكنه عائلة ممتدة من الأب والأبناء وزوجات الأبناء وأطفالهم ، فاليوم ان كل من هؤلاء الأولاد ينشد الأستقلالية في المعيشة والسكن ، كما ان مستوى الحياة قد تطور وتقدم فبينما كان البيت الألقوشي القديم يراعى في بنائه وجود آخور ( بيكاري) لأيواء الحمار او زوج من البغال فإن البيوت الحديثة يراعى فيه وجود مكان لأيواء السيارة او السيارات الحديثة التي تملكها العائلة .
في مطاوي الخمسينات من القرن الماضي كان في القوش سيارات اجرة على عدد اصابع اليد الواحدة او ربما اكثر قليلاً ، لكن اليوم مئات السيارات الحديثة تجوب شوارع القوش الجديدة . إن سرد كل مجالات التطور تحتاج الى فصل كامل ، وقد تطرقت الى ذلك في مخطوطة كتابي القادم عن القوش الحبيبة .
قد يكون من المفيد في هذا المقال التطرق الى الطريق الحديث نحو دير السيدة ودير الربان هرمز الذي قام بتبليطه مشكوراً اقليم كوردستان رغم ان القوش تقع في ما يصطلح عليه المناطق المتنازع عليها ، وأنا لا اتفق مع فكرة التنازع على القوش ، لأن القوش ومدننا الكلدانية ينبغي ان تنسب لأصحابها فلماذا يكون التنازع عليها بين العرب والأكراد الا يستحق شعبنا الكلداني ان يملك ارضه وان يكون سيداً عليها ؟
ما تحتاجه القوش هو توفير فرص عمل للعاطلين عن العمل ولا اعتقد فيها ازمة سكن ، ويلاحظ في الآونة الأخيرة انحسار الهجرة ، فمن ناحية هنالك زيارات متكررة من ابنائها من دول المهجر الى القوش وفي بعض الحالات نلاحظ عودة بعض المهاجرين للاستقرار في القوش ، وانا شخصياً قد تجشمت عناء بناء بيت في القوش ليكون لي ولأولادي محطة استقرار في القوش التي تمثل لنا الوطن العراقي برمته .
إن محاولتي التغيير الديموغرافي في التركيبة السكانية لألقوش ولبلداتنا الكلدانية والسريانية والآشورية ومحاولات الفكر الأقصائي في تغيير هوية القوش وغيرها من المدن والبلدات الكلدانية هي محاولات لا اخلاقية ويائسة وتتناقض مع مبادئ الحرية ولوائح حقوق الأنسان في العبادة والعقيدة والأنتماء القومي او الديني او المذهبي او السياسي .
نتطلع ان تكون القوش نجمة متألقة في سماء الوطن العراقي وفي سماء كوردستان التي تقدم خدمات جليلة لهذه المدينة ، ونتطلع اليوم الذي تقوم كوردستان بإقرار حقوق الشعب الكلداني كاملة

حبيب تومي / القوش في 21 / 05 / 12

عن الكاتب

حبيب تومي
عدد المقالات : 252

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى