الفيليون.. كوردٌ أصلاء لا هم أنباط ولا هم آراميون 2-2 / بقلم محمد مندلاوي


نادي بابل

وجاء في سياق المقال الذي ناقش النقاط التي أثارها المحاضر الدكتور خزعل الماجدي، موضوع منشأ اسم الفيلية، زاعماً:” ويبدو أن مصطلح فيلية لم يكن منشؤه العراق بل كان من إيران عندما استعمله والي بشتكوه حسين خان عام (1600) اتخذ لنفسه لقب فيلي (وأوصى أن ينقش على قبره، فكانت هذه المرة الأولى التي يطرح فيها هذا اللقب بعد ألف سنة تقريباً من الإسلام، ومنذ ذلك التاريخ ظهر اسم فيلي وهو تعديل ل (فهلي) إذ قلبت الهاء ياءً وهو تغيير حتمي في تطور اللغات الإيرانية، وهذا حتماً أعطى لپشتكو الخصوصية الفيلية. وحسين خان أراد بإعادة اللقب التاريخي أن يعيد إلى الأذهان مجد الأجداد الفهلويين (في المنطقة، ويرسم خارطة طموحه تضمن المدن التي كانت تسمى) فهلة لإحياء الطموح العرقي الجغرافي العريق للفيليين بإعادة بناء الدولة الفيلية الكبرى، غير أنه أراد أن يلعب لعبة سياسية أكثر من التفكير الجاد في فعل ذلك، والأصل القديم لمصطلح فيلي هو اللغات الإيرانية الوسطى تعد في الواقع احدى الأشكال المتطورة عن الفارسية القديمة تم استخدامها في عهدين: عهد الإمبراطورية البارثية خلال (248 ق.م 224 م) تم في أيام الإمبراطورية الساسانية خلال (651- 224م) غالبا ما يقترن اسم اللغة الفارسية الوسطى بتسمية اللغة البهلوية حيث كانت تكتب بكتابة تحمل نفس الاسم: الخط البهلوي، وهو نمط كتابة مقطعي مأخوذ من الأبجدية الآرامية، فيما كانت الفارسية القديمة تستعمل الخط المسماري السومري. وعرفت النصوص البهلوية من خلال نصوص الأفستا المكتوبة بلغة فارسية وسطى وبخط آرامي”.

ردي: لا يا أستاذ، منشأه سومر (العراق)، لأن كلمة (پيلي – Pili) في اللغة السومرية تعني الشجاع. ونرى استمرار هذه الكلمة الكوردية الأصيلة إلى اليوم في جلالة اللغة الكوردية الحديثة بصيغة “پهلوان” أي البطل، “پهل” الاسم و”وان” لاحقة. من المرجح، أن اسم “فيلي” مشتق من اسم (پيلي) السومري. والسومريون تاريخهم يعود إلى الألف الرابع قبل الميلاد. وفي الثمانينات القرن الماضي حين هجر نظام حزب البعث العروبي العنصري، مئات الآلاف من الكورد ومنهم آلاف مؤلفة من الشريحة الفيلية إلى إيران، سمعت بأذني من بعض الشرفاء في العراق يقولون همساً فيما بينهم: “كيف يُهَجر الديكتاتور صدام حسين هؤلاء الكورد وهم من بقايا السومريين، و وجودهم في هذا البلد يسبق الجميع؟؟”. وبعد اضمحلال الدولة السومرية بقرون، جاء الميديون الكورد (678- 550) ق.م. وأسسوا إمبراطورية مترامية الأطراف وعُرفوا في التاريخ ب “پهلوي ماد –   Pehlewi mad” أن تسميتهم بهذا الاسم جاء بسبب وجود الپهلويون (الفيليون) كإحدى العشائر الست الذين شكلوا اتحاد ميديا القبلي. أما المنطقة التي أشرت لها في الحلقة الأولى والمسمى (مادشت – Madesht) تعني السهل الميدي. هناك أيضاً جبل ومدينة (ماكو – Mako) الذي يعني، الجبل الميدي. وتوجد أيضاً (مانشت- Mansht) بمعنى الوطن الميدي. وكذلك ذكر شاعر الفرس الكبير أبو القاسم الفردوسي في ملحمته الشعرية ال(شاهنامه) اسم “الپهليين”. لا شك فيه، أن الرسم الحديث لكلمة الپهليين هو الفيليين. زعم الأستاذ أعلاه “أن اسم فيلي هو تعديل ل(فهلي)”. نقول له، لما لا تشير إلى التغيير الآخر الذي حصل قبله في ذات الكلمة، حيث احتل حرف الفاء مكان حرف الپاء!. يقول صاحب المقال أن (كسكر) مدينة مسيحية. بينما ياقوت الحموي في كتابه الشهير (معجم البلدان) يقول في باب الكاف:” سميت كسكر، بكسكر بن طهمورث الملك الذي هو أصل الفرس”. ألا يعلم الكاتب، إنها كبلدة اعتنقت أهلها المسيحية، وليس كل من اعتنق المسيحية يكون آرامياً؟. تنقل لنا كتب التاريخ، أن كثيراً من الكورد اعتنقوا الديانة المسيحية قبل الإسلام. ولا ننسى أن مصادر تاريخية عديدة ذكرت، أن وفداً من الزرادشتيين زار الطفل يسوع (المسيح) في بيت لحم، هل يُعد هؤلاء الزرادشتيين من الجنس الآرامي!. وبعض المصادر تقول، أن شاه إيران حينها، أنشأ مدينة (كسكر) لتوطين أسرى الروم. وهؤلاء الأروام لم يكونوا مسيحيون في ذلك العصر، أو الأصح لم تكن غالبيتهم من المسيحيين. وفي جانب آخر يقفز المحاضر على حقيقة تاريخية لا يشوبها شائبة، حين يتكلم عن اللغة الفارسية القديمة ويزعم: “أن الأصل القديم لمصطلح فيلي هو اللغات الإيرانية الوسطى التي تعد في الواقع إحدى الأشكال المتطورة عن الفارسية القديمة الخ”. ونحن بينا في سياق هذا المقال، أن الميديين عرفوا في التاريخ باسم “پهلوي ماد” و هؤلاء الميديون الكورد حكموا قبل ظهور الفرس على مسرح التاريخ بزمن طويل، وبعد تبؤ الهخامنشیین الفرس لسدة حكم بالخداع والدسيسة، اقتبسوا من هؤلاء الميديون الكورد أبجديات الحکم والحیاة. وفي هفوة أخرى، حاول المحاضر أن يشير من بين السطور، كأن كتاب (أفستا- (Efista المقدس كتب باللغة الپهلوية، والأصح أن كتاب الأفستا المقدس تُرجم في زمن الساسانيين الكورد إلى اللغة الپهلوية التي أصبحت اللغة الرسمية في عهدهم، وكانت مدينة طيسفون (المدائن) التي تقع قرب بغداد عاصمتهم، وإحدى أحيائها كانت تسمى (كورد آباد- معمورة الكورد، الحي الكوردي) وآخر ملوك الساسانيين كان اسمه (يزد كرد الثالث) الذي قتل عام (31) الهجري القمري.

جاء في سياق المقال المشار إليه، والمنشور في مجلة “أدب فن” الالكترونية مغالطات كثيرة، أ تكون أن جميع هذه المغالطات صدرت من شخص الدكتور خزعل الماجدي؟. يقول الموقع: وقد ناقش المحاضر في القسم الثاني التاريخ القديم والوسيط والحديث والمعاصر للفيليين في العراق، ورأى أن جذور الفيليين تمتد إلى الإمارات والبيوت الآرامية في وسط العراق وشرق دجلة الخ. نتساءل، هل يوجد في التاريخ أحد من المؤرخين قال أن جذور الفيليين تمتد إلى الإمارات الآرامية؟ أنا لم أسمع به، أم هذا الكلام المشوش صدر لأول مرة من الأستاذ المحاضر؟. حقاً أنها وقاحة ما بعدها وقاحة، بهذه البساطة وبدون أية مقدمات يسلب من شريحة أصيلة، انتمائها القومي الكوردي الأصيل، وينسبها إلى أناس أغراب (أرجاس) جاءوا من سوريا أو أصقاع أخرى في ظروف تاريخية متباينة واستقروا في الأراضي التي تسمى اليوم العراق. ويستمر المحاضر في غيه زاعماً: “وكانت حلوان تابعة للكنيسة السريانية الشرقية ما بين قرني الثامن والثاني عشر” الخ. قد يكون هذا الكلام فيه شيء من الصحة، أنا لا أجزم، لكني لم أجد في الوثائق الكنسية للسريان اليعاقبة، تقول أن حلوان كانت تابعة لكنيستهم. إن معتنقي المسيحية في قرونها الأولى بالإضافة إلى السريان ضمت الوثنيين والزرادشتيين وأعداداً من أسرى الروم. وفي جانب آخر من المقال المنشور في المجلة المذكورة يتحدث كاتبه عن غزو الأعراب لحلوان، وكأي عروبي آخر يزج بعواطفه القومية في أمور تاريخية، ويسمي ذلك الغزو الاستيطاني القادم من جزيرة العرب ب(الفتح). ويقول أنها فتحت “عنوة” أي بالقوة والقهر والقسر. نراه يخجل، أن يعترف، بأنها فتحت بالسيف، الذي حصد أرواح الآلاف من بنات وأبناء الكورد الأبرياء، فلذا استعمل كلمة “عنوة” التي أخف وقعاً على المسامع. بالمناسبة, أن جانباً من هذا (الفتح) ليس من أجل نشر العقيدة الإسلامية فقط, بقدر ما فيه من دوافع مصلحية لأولائك (الفاتحون), وإلا لماذا استولوا على أرض الغير بالقوة واستوطنوها بعد أن اعتنق أهلها الدين الإسلامي, ولم يعودوا إلى وطنهم في شبه جزيرة العرب؟. وفي جزئية أخرى يقول: وبعد اضطهادهم – الفيلية- من الأمويين (662- 750 م) وقفوا مع المعارضة بوصفهم من الشيعة. وقد اشتركوا في ثورة المختار (662- 686 م) الخ. ويقول في جزئية أخرى: ناقش المحاضر بالتفصيل أهم الإمارات الفيلية في العصر العباسي وكلها في إيران. ويزعم بأن الفيليين اتجهوا إلى العراق بدلاً من إيران لتشكيل إماراتهم بسبب قوة الدولة الصفوية الخ. كيف يستقيم كلام المحاضر في هذه الجزئية مع الجزئية الأخرى، حين قال: اضطهدهم الأمويون، وشاركوا في ثورة المختار. وهذه الحوادث وقعت قبل مجيء الصفويون إلى الحكم بقرون عديدة!. ثم، كيف يؤسسوا إمارات في (العراق) في تلك الحقبة وهو وقع في فترات متباينة تحت الحكم الصفوي، ويزعم في الجزئية أعلاه، أنهم لجئوا إلى العراق خوفاً من الصفويين؟. نقدم له وللقراء عدداً من الدول التي أنشئها الكورد والذين تنسبهم العرب إلى الكورد الفيلية في جنوب العراق وفي الأهوار، منها الإمارة (الشاهينية) والتي ذكرها العلامة (محمد جميل روژبياني) في كتابه (أربع دول كوردية) كما جاءت الإشارة إليها في الموسوعة الحرة، يقول: يبدو أن الدولة الشاهينية سميت بهذا الاسم نسبة إلى (عمران بن شاهين) في عام (940) ميلادية، وكانت الدولة الشاهينية قريبة من الكوت و مندلي الحاليتين. وهذه الإمارة الكوردية تأسست قبل مجيء الصفويون إلى سدة الحكم بأكثر من خمسة قرون؟. ثم يأتي الروژبياني على ذكر أمراء الدولة الشاهينية – نقلاً عن كتاب (الكامل في التاريخ) (لأبن الأثير)، وهم 1- عمران بن شاهين 2- حسن بن عمران 3- حسين بن عمران 4- أبو الفرج محمد بن عمران 5- أبو المعالي حسين بن محمد 6- مظفر بن علي أو المعالي 7- مهذب الدولة (الأمير مختار) علي بن نصر 8- أبو حسين أحمد بن مهذب الدولة. وجاء ذكر وجود الكورد في الفرات الأوسط أيضاً. جاءت في الموسوعة الحرة عن قبيلة (جاوان) الكوردية التي ذكرها العلامة والمؤرخ الشهير (مصطفى جواد) في كتابه ((جاوان العشيرة الكوردية المنسية)) “إن جاوان قبيلة قديمة كوردية من أشهر القبائل في التاريخ وأعظمها مقاماً وأبعدها صيتاً وأجلها فعلاً في الحروب والسياسة بالعراق ومن أحسن القبائل أثراً في الأدب العربي، ولاسيما الشعر لإقبالها عليه والدعوة إليه ولكنها لم تحظ من الباحثين في تاريخ الأكراد بدراسة ولا بتحقيق،قامت قبيلة جاوان بأدوار خطيرة في التاريخ العراقي الإسلامي، فيها العظمة والفخامة و الكرامة ما يؤلها أن تذكر وتدرس في تاريخ العراق ولاسيما التاريخ الكوردي منه، لأن إهمالها يعد نقصانا وحرمانا: نقصانا في حقيقة التاريخ وحرمانا في العلم الذي غايته الكشف عن الحقائق و كفرانا لفضلها وأثارها التي يجب أن يتعرف بها، وتذكر بها بالإجلال و التعظيم”. كانت في فرات الأوسط قبيلة كوردية كبيرة لها إمارتها، و أسست مع بني مزيد مدينة الحلة العراقية سنة (1086)م كان لأمراء الجاوانية دور هام في معترك السياسي لمنطقة الفرات وجنوب بغداد لعقود، ومازالت محلتهم باقية في الحلة باسم محلة الأكراد، والجاوانيون من مؤسسي الحلة وسكانها منذ أواخر قرن الخامس الهجري ومحلتهم محلة الأكراد منسوبة لهم منذ القدم. وقال عنهم الرحالة (ابن بطوطة) (1304- 1377 م) في كتابه ج1 ص138، في وصف الحلة: أهل هذه المدينة كلها إماميه أثنا عشرية (شيعة)،وهم طائفتان: أحدهم تعرف بالأكراد، والأخرى بأهل الجامعين. وكان تاريخ مرور ابن بطوطة بالحلة سنة (727)هجرية. كذلك الدولة الكوردية التي أنشأها الأمير (ذو الفقار) في العراق بين (1524- 1530 م) الخ الخ. وذكر المؤرخ (عباس العزاوي) عدداً كبيراً من عشائر الكورد الفيلية في الجنوب العراقي في كتابه (عشائر العراق). وفي قسم آخر من المقال المشار إليه، يزعم:” إن الفيليين أخذوا أهميتهم في العصر العباسي الذي أعطى غير العرب أهمية مماثلة …”. إن الكاتب أو المحاضر، يتحدث وكأن الآخرين يجهلون التاريخ. إن هؤلاء العباسيون جاء بهم إلى سدة الحكم شخص كوردي وربما من الكورد الفيلية كان اسمه (بهزاد) وكعادة العرب استعربوا اسمه فيما بعد إلى (أبو مسلم)؟ بما أن هؤلاء…؟ يردوا الزين بالشين، قام أبو جعفر المنصور بقتله غيلة، وأمر قيما بعد ذلك الشاعر العبد الإسود النجس الرجس، المسمى “أبو دلامة” أن يهجوه و يهجوا شعبه الكوردي شعراً حين اجتر: “أبا مجرم ما غير الله نعمة … على عبده حتى يغيّره العبد … أفي دولة المنصور حاولت غدره … ألا أن أهل الغدر آباؤك الكُرد”. وذكر الدكتور في سياق محاضرته المرأة الكوردية الفيلية في مدينة (الحي) (شانة) التي ساعدت المنتفضين الشيعة الناطقون بالعربية ضد الاستعمار البريطاني، وأهل مدينة (الحي) إلى اليوم تردد تلك الهوسة التي ثمنت فيها دور وموقف السيدة العظيمة (شانة) في الانتفاضة المذكورة وإحياء المراسم الحسينية التي تقيمها الشيعة كل عام في عاشوراء في ذكرى قتل الإمام الحسين ابن علي ” تجار الحي فدوه الشانه … خسران الما يمشي ويانه”. وناغى شاعر مجهول من الكورد المهجرين مدينة صباه (الحي) من مدينة ايلام عبر جبل (كبير كوه) بأبوذية, يقول فيها: اشمالك شيبت ابساع يالحاي … منچ صحت يالقيوم يالحي … اشمريد أنساچ عيب أنساچ يالحي … عرب وأكراد بيچ اخوان إليه. وفي قسم آخر من مقاله، يسرد الكاتب جانباً من الاضطهاد المركب الذي عانى ويعاني منه الكورد الفيلية. دعوني هنا، أقدم لكم نموذجاً واحداً وباختصار شديد عن الظلم الذي وقع ويقع على الكورد المهجرين، قبل ثلاثة أشهر ذهب ابن عمي من إيران إلى بغداد ليعيد جنسيته العراقية، التي سلبها منه نظام حزب البعث المجرم ورئيسه المقبور صدام حسين، تصوروا على مدى ثلاثة أشهر يومياً يراجع الدوائر المختصة دون جدوى، وفي النهاية استطاع بشق الأنفس أن يعيد جنسيته العراقية، مقابل رشوة قدرها ثلاثة آلاف وخمسمائة دولار دفعها لبعض الموظفين المرتشين ومعقبي المعاملات في هذه الدائرة وتلك. هذه هي قصة واحدة من قصص معانات المهجرين المنكوبين في زمن حكم نوري المالكي وحزبه باختصار شديد. يزعم المحاضر:”أن الكثير من الفيليين، حاليا، اختار الانتساب، قسراً، للأكراد أملاً في نيل حقوق أفضل، ولكي يرموا منهم صفة أوتهمة كونهم عجم التي ألصقت بهم ظلماً”. لم يكلف نفسه المحاضر ويذكر لنا شخصاً واحداً من هؤلاء الذين أعلنوا انتسابه إلى الكورد؟. إنهم أصل الكورد كما ذكرت في سياق ردي هذا، كيف يأتي وينتسب للكورد!! عجبي. ثم يزيد الطين بِلة حين يزعم، أنهم انتسبوا لكي يرموا عن أنفسهم تهمة العجم التي ألصقت بهم. يا أكاديمي، ألم تعرف أن العرب يسموا غير العرب بالعجم؟، يعني الكورد عند العرب هم عجم أيضاً، فكيف يرفعوا هذه التي تسميها تهمة عن كاهلهم إذا انتموا إلى جهة ألصقتم بها نفس التهمة أيضاً!!. يا دكتور، أن حكومتك الشيعية، هي التي تنسبهم إلى إيران رغماً عنهم، حيث تدون في جنسيتهم المعادة لهم بالرشوة، بأنهم من المهجرين، لكي تعرف السلطات العراقية عند إبراز الهوية أو الجنسية، أن هؤلاء الكورد عليهم علامة استفهام، لأنهم كورد؟. يا أستاذ، على الأقل كنت تسميهم الشعوب الكوردية على وزن الشعوب العربية، لأن هناك لغات كوردية متباينة بعض الشيء، لأنها لم تتوحد بعد في لغة كوردية واحدة. في القسم الأخير من محاضرته ذكر الدكتور عدداً من أسماء النخب الكوردية الفيلية، وغالبية هؤلاء يعرفوا أنفسهم ككورد أولاً، منهم المرحوم (حبيب محمد كريم) الذي كان سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني في الستينيات والسبعينيات القرن الماضي. لم يسأل السيد المحاضر نفسه، إذا كانت هذه الشخصية الفيلية “نبطية” كما زعم، كيف وضعه الكورد في هذا المنصب الحزبي الحساس؟!. وكذلك الحال مع الأستاذ (عادل مراد) أحد مؤسسي الاتحاد الوطني الكوردستاني وعضو مكتبه السياسي. إن هذين الشخصين انتميا إلى الحزبين المذكورين قبل التاريخ الذي زعم المحاضر بأن الفيليين استكردوا لطلب الحماية من الأحزاب الكوردية بعشرات السنين. أما بالنسبة لأية كتلة أو حزب أو جمعية كورديي فيلية لا تلحق باسمه صفة الكوردستاني، بأنها كوردستانية كبقية الأحزاب التي تناضل في كوردستان، فلا قيمة لها عند جميع الشرائح الكوردية . يزعم الكاتب: “بأنك لا تجد منهم – الفيلية- يتكلم بلغته الأصلية إلا ما ندر في المناطق الحدود أو في القرى النائية”. أقول باختصار، أن هذا الكلام غير دقيق، أنا لي اتصالات دائمة مع أصدقائي الكورد الفيلية ونتكلم مع بعضنا باللغة الكوردية فقط. وبعد كلامه الماسخ، يقول:” ويمتلك الفيليون العراقيون تراثاً موحداً له خصوصيته “. قبل قليل قال أن لسانهم (لغتهم) الذي هو في داخل فمهم قد تغير ولم يبقى له وجود، والآن يستشهد بتراثهم الغني، نتساءل، الذي لا يستطيع أن يحافظ على لغته التي هي اقرب شيء له ويتعامل بها مع أبناء جلدته يومياً، كيف يحافظ على مفردات تراثه التي تحتاج إلى جهد جهيد للمحافظة عليها!!. ويقول كاتب البحث، كما هو يسمي موضوعه بحثاً، “بأن اللغة الفيلية التي رأى أنها ليس لها تراث كتابي بل هي لغة شفاهية. فالفيلية في العراق عادة يستخدمون اللغة العربية كلغة ثقافية، أما مقابلهم من اللور في إيران فيستخدمون الفارسية. وباتفاق الباحثين تعتبر الفيلية لغة مستقلة تماماً عن اللغات الكردية، وهي أقرب إلى الفارسية، بالإضافة إلى الكثير من التأثيرات القادمة من العربية واللهجة العراقية بالذات”. ردي على هذه الأسطر: من أين جئت به أن الفيلية ليس لها تراث، لماذا لم تقدم شواهد وبراهين عن ادعاءاتك…؟. أنا، توجد في مكتبتي عدة دواوين شعرية بالفيلية، منها ديوان فيه قصائد مطولة لعدد من شعراء الكورد منهم (غلام رضا أركوازي) – وأركواز هي مدينة، ومركز عشيرة (ملكشاهي) في “پشتكو – Pshtko” وهي من كبريات العشائر في ايلام. وأركواز غير عشيرة أركوازي التي تقع قراها ومزارعها في محافظة ايلام (عيلام) أيضاً- وفيه قصيدة طويلة يواسي الشاعر (غلام رضا) نفسه أيام وقوعه في الأسر، حيث كان سجيناً مع ثلة من الأتراك … يقول فيها:” همراز تركان نه زان زوانم … ديرى ژياران همكلامانم HEMRAZ TURKAN NEZAN ZUWANM … DURI JEYARAN HEMKELAMANM -” معناه :” مع جمع من الأتراك الذين لا يجيدون لغتي … وبعيداً عن الأحبة الذين يتكلمون لغتي”. ولهذا الشاعر قصيدة وجدانية مطولة مكونة من (666) بيت شعر. أما قول الكاتب عن استخدامهم للغة العربية فهي بلا شك مفروضة عليهم من قبل السلطات الحاكمة في الكيان العراقي. إن زعم القائل، بأن الفيلية لغة مستقلة عن اللغة الكوردية فهو محض افتراء، بل هي من عائلة اللغة الكوردية أو اللغات الكوردية. إن العرب أيضاً كانت لهم مجموعة لغات عربية، حتى أن القرآن كان بسبعة أحرف، أي سبع لغات عربية. أحرق الخليفة عثمان بن عفان ستة منها، وأبقى على حرف واحد منها، ألا وهو القرآن الحالي الذي بيد المسلمين. بما أنك تتكلم بالمطلق وتزعم: “باتفاق الباحثين، بأن الفيلية لغة مستقلة تماماً عن اللغة الكوردية “، إذاً أنت مطالب أن تقدم لنا عدة أسماء معتبرة من أسماء هؤلاء الباحثين, وليست أسماء ملاحق عسكرية في السفارات الاستعمارية الذين قد زعموا بسبب دوافع سياسية استعمارية، أن الفيلية لغة مستقلة عن اللغة الكوردية. لم لا تقرأ ما قاله المؤرخ والجغرافي (ياقوت الحموي) (1179 – 1229م) في كتابه الشهير (معجم البلدان) في باب اللام: ” اللور” قوم من الأكراد يقيمون في الجبال الواقعة بين خوزستان وأصفهان”. ويشاركه الرأي الرحالة (ابن بطوطة)  (1303 – 1377م) الذي ذكر الكورد اللور على ساحل الخليج الفارسي وفي مدينة (ماجول) والقرى المنتشرة في أصقاع لورستان. وخطأ آخر وقع فيه كاتب البحث حين زعم: “إن الفيلية أقرب إلى الفارسية”. نتساءل هنا، هل الزي الشعبي الفيلي يشبه الزي الفارسي؟، بالطبع لا، وهو زي كوردي كالزي الذي يرتديه عموم الشعب الكوردي في كوردستان الكبرى، مع بعض الاختلافات البسيطة التي تفرضها الطقس وتضاريس الأرض من منطقة إلى أخرى. كالعربي الذي في مملكة العربية السعودية والكويت والإمارات ، حيث يلبس الثوب الواسع ويضع العقال على رأسه، بينما في سلطنة عمان يلف رأسه بكوفية فقط، وفي اليمن، يلف اليمني القسم الأسفل من جسده بقطعة قماش (وزرة). وفي العراق يلبسوا الصاية والزبون وتحتها لباس طويل، ويحتذوا بحذاء كوردي الذي يسمى (كلاش) الخ. ثم، هل يعلم الكاتب بالفوارق اللفظية الموجودة بين أحرف الكلمات (الفيلية) والفارسية؟ وكذلك فوارق تلفظ الأرقام التي يلفظها الفيلي، هل يتماشى، أو يتوافق، أو يتناسب، مع ما يلفظها الفارسي؟؟. أما عن تباين بين اللهجات أنه موجود في جميع لغات شعوب العالم دون استثناء. يزعم الكاتب “أن الفيلية أقرب إلى الفارسية” يجهل الكاتب بأن اللغة الكوردية لم تتوحد بعد، ماذا لو تقارن بين الكرمانجي والسوراني، قياساً بما زعمه الكاتب عن الفيلية بلا شك سينسب الكرمانج إلى الأتراك والسوران إلى السريان، لأن هناك تباين ملحوظ بين اللهجتين، والتباين اللهجوي الذي بين الكرمانجي والسوراني يفوق التباين اللهجوي الذي بين الفيلي والسوراني. ولا تخلوا اللهجات العربية من هذه التباينات اللهجوية. من الشواهد على أن اللورية أقرب إلى السورانية، كان هناك مطرب لوري خالد الذكر اسمه (حشمت الله لور نژاد) غالبية أغانيه كانت باللهجة السورانية، وعدد منها باللهجة الكلهرية. يقول كاتب البحث، “ومن الشخصيات الكوردية الفيلية والذي دخل ذاكرة التاريخ العراقي في القرن العشرين فكتب عنه المؤرخون هو (إبراهيم عبدگة) الخ”. بما أن الكورد أمة واحدة، حين وقع (إبراهيم عبدگة) في قبضة السلطات العراقية أبان الانتداب البريطاني، لم يجد في بغداد أحد يدافع عنه في المحكمة، سوى محامياً كوردياً سورانياً راوندوزياً اسمه (معروف جياووك) (1885- 1958م) إن دل هذا الموقف القومي الشهم على شيء إنما يدل على وحدة الأمة الكوردية التي تتكون من الكرمانجي، والسوراني، والفيلي، واللوري، والهورامي، والإزدي، والزازا ، والشبك، الخ الخ الخ. وذكر المحاضر عدة شخصيات كوردية نسبهم إلى الشريحة الفيلية خطأً، منهم الشاعر (بلند الحيدري) وهو لم يكن كوردياً فيلياً، بل كان كوردياً من مدينة (هولير) عاصمة إقليم جنوب كوردستان، وجميع أقربائه وعشيرته يقطنون إلى اليوم في (هولير)، منهم الكاتب (ممتاز الحيدري). وكذلك نسب المحاضر الأديب (عبد المجيد لطفي) إلى الفيلية أيضاً، بينما هو من مدينة (خانقين) و اسم والده (عمر) هل الفيلية يسموا أبنائهم ((عمر))؟ ودرس عبد المجيد في صباه في التكية ((النقشبندية)) الخاصة بأهل السنة والجماعة. وبسبب جهل وعدم دراية المحاضر بالعشائر الكوردية، ذكر عدة أسماء أخرى لشخصيات كوردية في محاضرته، ليست لها صلة بالكورد الفيلية، بل ينتمون لعشائر كوردية غير الفيلية.

 نأمل أن يرعوي أولائك الذي يحاولوا بأساليب متعرجة ومشبوهة، أن يشوه تاريخ الأمة الكوردية المجيدة، وذلك من خلال التشكك بشرائحها العريقة، التي حافظت على تراثها ولغتها و وجودها القومي رغم جميع الصعاب التي مرت بها خلال مسيرة تاريخها التي ضحت فيها بكل غالي ونفيس، وسيما في حقبة حكم حزب البعث المجرم، وشخص رئيسه المقبور صدام حسين، التي دامت ثلاثة عقود ونيف. واليوم, بعد أن انقشع السواد الذي خيم على سماء العراق وكوردستان لسنوات طوال، وبزغت الشمس مجدداً، نرى أن شريحة الكورد الفيلية، كشقيقاتها من الشرائح الكوردية الأخرى، التي عانت الأمرين على مدى عقود من الزمن، تنهض من تحت أنقاض المعاناة التي رزحت تحتها أبان الحكم العروبي العنصري المباد، وتناضل اليوم بلا هوادة، من أجل استرداد جميع حقوقها المهضومة في العراق الاتحادي. وتناشد بأعلى صوتها، رئيس إقليم كوردستان، وحكومته، أن تآزرها في محنتها هذه، من أجل حصولها على تعويضات مالية مجزية، بسبب ما لحقت بها من أضرار مالية ومعنوية جسيمة. وكذلك  تطلب من حكومة إقليم كوردستان، أن تدعمها و تساندها على وجودها القانوني السليم في العراق الاتحادي. ويجب على حكومة إقليم كوردستان وأحزابه الوطنية أيضاً، أن لا تنسى، أن هؤلاء الكورد الفيلية وغيرهم من الكورد في مدينة بغداد، وأشقائهم في منطقة (گه رمیان)، هم الخط الدفاعي الأول لإقليم كوردستان بوجه الأوباش الذين يتربصون بالشعب الكوردي الجريح، أولائك الذين لا يريدون أن تعم المنطقة بالخير والرفاهية والسلام، ولا سيما إقليم كوردستان الفتي.

محمد مندلاوي

عن الكاتب

عدد المقالات : 7517

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى