الفلسفة والتفلسف في فرنسا!!


د. تارا ابراهيم
د. تارا ابراهيم

ما بين فرنسا والفلسفة علاقة وطيدة , فالامر الذي يميزها ليس عن الدول الاوربية فقط بل عن دول العالم اجمع , تعود هذه العلاقة الى تاريخ فرنسا الاستثنائي ومساهمة الفلاسفة الفرنسيين في بلورة الفلسفة واعطاءها منحى عالميا ينهل منه الجميع الدروس والعبر, ففرنسا هي من الدول النادرة في اوربا حيث تمتاز بتدريس الفلسفة في المدارس الثانوية وجعلها مادة الزامية لجميع الاختصاصات سواء كانت ادبية , علمية ,تقنية ام حرفية , وهي اول مادة امتحانية يجتازها الطلاب في المرحلة النهائية للدراسة الثانوية او البكالوريا, فامتحان الفلسفة يعتبر مهمة تعليمية تتطلب ان يواجه الجميع لبعض ساعات على الاقل في حياتهم اسئلة فلسفية.

ان هذه الخصوصية التي تتمتع بها فرنسا تعود الى زمن الامبراطورية الاولى والى الفلسفة التنويرية التي رافقت انشاء الدولة الطامحة لتنشئة مواطنين مستنيرين , وهذا كان هدف نابليون , فالتمكن الفلسفي هو تمكن من حرية التفكير وهي حرية تنشئة المواطن كي يساهم في بناء الجمهورية الفرنسية.

فتعليم الفلسفة له بعد سياسي تم انتهاجه منذ عام 1789 خصوصا من مونتسيكيوالذي قال ان النظام الجمهوري يفترض به ان يتيح للمواطنين حرية ممارسة الحكم , لذا فالعلاقة الحميمية بين الفلسفة والسياسة وتنشئة المواطنين هي البنية التي تجعل فرنسا دولة استثنائية في مجال تعليم الفلسفة.

الامر الذي تختلف فيه فرنسا عن الدول الاوربية القليلة التي تدرس الفلسفة كايطاليا واسبانيا والبرتغال , انها لا تدرس تاريخ الفلسفة وانما تدرس الطالب كيفية ( التفلسف) وكيفية التفكير والاجابة على اسئلة وجودية .. فمن بعض الامثلة على اسئلة الامتحانات الوزارية في مادة الفلسفة مثلا : ان تكون حرا هل يعني عدم مواجهة العقبات ؟ أو هل من المعقول الرغبة في المستحيل ؟ الخ من الاسئلة التي يمكن ان يجيب عنها كل طالب حسب افكاره الفلسفية.

من هذا المنطلق تم هذه السنة اطلاق اول نسخة من عيد الفلسفة في فرنسا ما بين (25/5 – 17/6) لنشر الرغبة في التفلسف ليست فقط بين الطلاب ولكن ما بين جميع شرائح المجتمع المدني الذي اصبح يواجه اسئلة محرجة , في جميع الميادين: الثقافة , الاقتصاد , البيئة .. الخ مثل : ماهية القيم المشتركة ؟ ماذا عن اهمية الاقتصاد ؟ العلاقة بين الثقافات هل يجب اختزالها من اجل الاندماج في المجتمع ؟ هل من الممكن وجود الشمولية دون الامبريالية ؟ ما هو دورنا في الحفاظ على البيئة ؟ الخ من الاسئلة التي يمكن ايضا ان تتعلق باستجوابات شخصية مثل كيف استطيع الحصول على السعادة؟ كيف اوفق رغباتي الشخصية مع رغبات العالم المحيط بي ؟ هل انا حر ؟.

هذا العيد استهدف اكبر عدد من الناس وتم دعمه من قبل المؤسسات العامة والخاصة من خلال الندوات والمؤتمرات والطاولات المستديرة وحتى عبر المقاهي التي تحولت الى نقاط تجمع للمناقشة و التلفسف.

د. تارا ابراهيم – باريس

 

 

عن الكاتب

د. تارا ابراهيم
عدد المقالات : 87

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى