العمل القومي الكلداني من اين نبدأ ؟


حبيب تومي
حبيب تومي

في البداية أقدم شكري وتقديري للاخوة الأفاضل في اتحاد الأندية الكلدانية في السويد لدعوتهم الكريمة بحضور المؤتمر الكلداني والمشاركة بأعماله ، وفي الوقت ذاته  اعبر عن تقديري وتثميني لهذه المبادرة الشجاعة الطيبة بعقد مؤتمر الأندية الكلدانية في السويد تحت شعار مؤتمر النهضة الكلدانية الذي كان شعاراً للمؤتمر الكلداني الأول الذي انعقد في ساندييكو بأمريكا في الثلاثين من آذار الماضي ، وهو يعتبر إكمالاً وتناغماً مع تلك المسيرة وتمشياً مع الخطوة الأولى التي شكلت نقطة الأنطلاق والبداية ، وأهم ما ينهض به هذا المؤتمر إبقاء شعلة الكلدان مضيئة .

قرأت في بطاقة الدعوة بأن المؤتمر ينعقد تحت شعار حقوق الأنسان للشعب الكلداني ، والتكامل بين الشعب الكلداني وبلدان الأنتشار .

اجل انها التفاتة ذكية ومطلوبة فحقوق الأنسان اصبحت من المسلمات ومن البديهيات التي لا تقبل التأويل . في عصرنا الراهن ، ورغم التماهي الكبير بالنسبية في مختلف جوانب الحياة ، لاسيما بعد ان خيم الفكر الأديولوجي على مصائر الشعوب في اقطار شتى وجعله من تلك الأديولوجيا بأنها تمثل الحقيقة المطلقة وكل ما يخالف تلك الأجندات يوضع  في خانة التآمر والخيانة . لكن مع ذلك بقيت بعض الحقائق في حكم المفروغ منها ولا تحتاج الى تأويل كقولنا 2 + 2 = 4 وهكذا في لوائح حقوق الأنسان التي تتمحور حول حقه  في الحياة والحرية والمساواة امام القانون ، وقد اتسعت هذه المفاهيم في الأزمنة الحديثة لتشمل الحقوق الأقتصادية والأجتماعية ، ولكننا نبقى في مفهوم حقه في الحرية فالأنسان يولد حراً ، لكن يا ترى هل يبقى الأنسان متمتعاً بذلك الحيز من فضاء الحرية ؟

في مجال بحثنا عن المكون الكلداني الذي يتميز بهويته الكلدانية وشخصيته وتاريخه ومآثره  وتراثه ولغته الكلدانية نلاحظ هذا المكون بعد السقوط في نيسان 2003 قد تعرض لشتى صنوف الأرهاب من قتل وتفجير كنائس وخطف وابتزاز وتهجير ، بحيث ان المكون الكلداني وبقية مسيحيي العراق قد هبط تعدادهم الى دون النصف بعد السقوط ، وإن اعداد مهمة من شعبنا الكلداني قد صفي بهم الدهر  بالأستقرار في امريكا واستراليا وكندا ودول اوروبية ، وباتت تشكل جاليات مهمة في هذه الدول .

ولكن قبل الحديث عن دور هذه الجاليات في دول المهجر نبقى مع شعبنا الكلداني وما حل به بعد نيسان 2003 ، فإضافة الى تلك العمليات الأرهابية التي طالت شعبنا الكلداني ، فقد كانت هنالك عملية تهميش وأقصاء من العملية السياسية في الساحة العراقية واقليم كوردستان ، فقد لجأ الحاكم الأمريكي بول بريمر الى طريقة خبيثة لإبعاد تمثيل شعبنا الكلداني في مجلس الحكم الذي اعتمد به مبدأ تمثيل المكونات العراقية ، فقد وجدت جميع المكونات طريقها الى هذا المجلس باستثناء شعبنا الكلداني ، وهكذا استمر حرمان شعبنا الكلداني من اخذ دوره ولحد اليوم ، وكانت هذه عملية خبيثة ويبدو ان لجهات دولية دور كبير في ذلك .

من اجل تكملة المضئ في عملية التهميش والأقصاء تجري اليوم محاولات إلغاء القومية الكلدانية من الدستور العراقي كما سبق ان اقصيت من مسودة الدستور الكوردستاني .

إن هذا السلوك منافي لأبسط قواعد حقوق الأنسان ، إذ يفرض على هذا الشعب وصاية ، وكأن شعبنا الكلداني غير جدير بتمثيل نفسه فتفرض عليه وصاية من قبل الأحزاب الآشورية ذات التوجهات القومية الأقصائية المتشددة .

إن اي شعب يرمي الى الحصول على حقوقه عليه ان يكون صاحب الشأن وأن يسعى الى ذلك بشتى الطرق من المطالبة الى الكتابة الى الأحتجاج الى الأضراب الى القيام بمظاهرات .هذا هو الطريق السليم للشعوب لكي تنال حقوقها فالحقوق تؤخذ ولا تعطى .

في هذا البحث المتواضع اشير الى بعض المحاور التي اراها ضرورية للمضئ قدماً في المرحلة الراهنة في مسيرة شعبنا الكلداني .

اولاً :

بغية تكثيف جهودنا لابد من إيجاد آلية للتعاون بين القوى من الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الكلدانية المؤمنة بقوميتها الكلدانية إضافة الى مؤسسة الكنيسة التي كان لها دور فاعل عبر التاريخ في الحفاظ على اسمنا القومي وهويتنا ولغتنا الكلدانية . ان التنسيق بين هذه القوى في هذه المرحلة يعتبر من الضرورات الملحة ، إذ سيكون ذلك ضمانة لتوحيد جهودنا ، وسيفرز ويعزل القوى التي تتاجر بالقضية الكلدانية من اجل مصالحها الخاصة .

كم يسعدني ان ينهض الأتحاد العالمي للكتاب والأدباء الكلدان بهذه المهمة بعد ان نحدد معالم هذا التقارب او التعاون او التنسيق في هذا المؤتمر .

ثانياً :

لقد لمست بالتجربة مدى غيابنا عن الساحة السياسية في عموم العراق وفي اقليم كوردستان ، فمثلاً لا يوجد علم كلداني يرفرف في اربيل عاصمة كوردستان ، كما ليس لنا اي مقر يمثل مجلس الكلدان العالمي الذي انبثق من مؤتمر النهضة الكلدانية ، ولا يوجد اي مقر يمثل الأتحاد العالمي للكتاب والأدباء الكلدان ، نحن نزور المؤسسات والشخصيات والأحزاب من غير ان نقبل بتبادل الزيارات المعمول بها في الأصول المرعية في القواعد الدبلوماسية والبروتوكولية . إن لقاءنا في مقر لنا في الوطن ضرورة ملحة في هذه الظروف التي تصرف الملايين من اجل إبقائنا في الظل ، ولكي يبقى علمنا الشامخ غائباً . بصراحة اخواني الأفاضل إنه تقصير من جانبنا وينبغي ان لا نلقي اللوم على غيرنا .

ثالثاً :

اشارة الى الفقرة اولاً ، إذ بعد تنسيق الجهود وتشكيل هيئة من القوى الكلدانية وهي : 1 -المجلس الكلداني العالمي 2 – الحزب الديمقراطي الكلداني 3 – التجمع القومي الكلداني 4 – المنبر الديمقراطي الكلداني الموحد 5 – الأتحاد العالمي للكتاب والأدباء الكلدان مع شخصيات كلدانية مستقلة او منظمات اخرى مقترحة ، وتكون مهمة الهيئة المنبثقة الأتصال بالأحزاب والجهات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الدينية والسياسية ، ويكون هذا وفد كلداني حقيقي لقطع الطريق امام الذين ، كما قلت ، يتاجرون بالهوية الكلدانية ويتكلمون باسم الشعب الكلداني وينصبون من انفسهم ممثلين له وأوصياء عنه دون وجه حق ، إنهم يتاجرون باسمه فحسب ، وإلا كيف نفسر محاولاتهم الحثيثة على إلغاء الأسم القومي الكلداني من الدستور العراقي ، فهل حزب سياسي قومي يحاول مسح اسمه القومي من دستور الدولة ؟

رابعاً :

التمويل ، هذا هو المحور الذي اعود معه الى نقطة الصفر دائماً ، إنها كمعضلة تعليق الجرس في عنق القطة ، أجل التمويل يقف حائلاً دون تنفيذ مشاريع جميلة ومفيدة ، كيف نقتح مقراً ونحن لا نملك إيجار المبنى ؟ كيف نستقبل ضيفاً دون ان يكون لنا اثاثاً لائقاً ؟ كيف نحتفل بمناسبة ونحن لا نملك اجور لتخطيط لافتة ؟ كيف وكيف وكيف ؟؟؟

لو لم يكن ثمة تمويل لما استطعنا عقد مؤتمر النهضة الكلدانية في ساندييكو . اجل ينبغي ان نفكر جدياً في هذه المسألة ، وان نبحثها بصراحة ، وإن حاولنا اجتيازها دون وضع الحلول ، ستكون اغمضنا عيوننا عن مسالة حيوية . وسنبقى ندور في نفس الحلقة دون ان ننجز ما يشبع طموحاتنا المشروعة . إن التمويل المادي من الأركان المهمة لأبقاء عجلة الحياة في سيرورة دائمة ، وهذا ينطبق بشكل كبير على العمل السياسي ، لاسيما بعد 2003 حيث دأبت الأحزاب السياسية تغري اعضائها ومؤيديها بمختلف المغريات من مناصب والإعانات المالية بل ثمة رواتب تدفع لأعضاء الأحزاب المتنفذة .

وهذا ينطبق الى حد كبير على احزاب شعبنا لا سيما الأحزاب الآشورية القريبة من مصادر صنع القرار ، والتي لها تتصرف بأموال المسيحيين بأسلوب الولاء الحزبي ، ولا اريد الأسهاب في هذا الموضوع ، فقط اؤكد على اهمية التمويل بشكل عام  حتى لو كان بدرجات الحد الأدنى .

خامساً :

لابد من الصراحة والأقرار بأن شعبنا الكلداني بحاجة كبيرة الى نشر الوعي القومي الكلداني ، وهذا يتأتى من نشر المقالات والكتب والدراسات التي تسلط الأضواء الساطعة على الأنسان الكلداني وعلى تاريخه وحضارته وأوابده وفنونه وتقاليده ولغته الكلدانية تكلماً وقراءة وكتابة . إننا ايها الأخوان نغرس الفسائل المثمرة في واحة الأنسان الكلداني وعلينا إرواء وسقي هذه الشتلات لكي لا يصيبها الذبول والأضمحلال .

علينا ان نؤسس على حقيقة مفادها اننا رواد في العمل القومي الكلداني ، وكنت في بداية كتاباتي بالشأن القومي الكلداني ، اتطلع لقراءة اي كتابات جديدة في ذلك المجال ، وكانت تغمرني السعادة حينما اقرأ مقالاً  في الشأن القومي الكلداني ، واليوم دأبت الأقلام الكلدانية الحرة تملأ المواقع بما تسطره ، إننا مع هذا النشاط نحتاج الى نشاط سياسي مواز لما تسطره اقلامنا في المجال الثقافي .

استطيع ان اقول ان مؤتمر اليوم ياتي في سياق تلك الجهود لنشر الوعي وتعزيز ورفع اسم الكلدان والعلم الكلداني عالياً .

أخواني الأفاضل اخواتي الفاضلات

دائماً أقول لزملائي في العمل القومي الكلداني : إن مهمتنا إنسانية نبيلة ، والطريق ليس مفروشاً بالورود ، لكن نحتاح ليس الى كثير من الصبر والعمل الدؤوب ، ولكن اهم من كل ذلك الأيمان بالأمة الكلدانية ، لان مشروعنا حقيقي وإنساني وليس طوباوي ، علينا ان نستفيد من كل القنوات وان نستخدمها لأحياء هويتنا الكلدانية ، القنوات هي العمل الثقافي والسياسي والأجتماعي والفني ، ولكن علينا التركيز على اهمية مؤسسة الكنيسة التي تملك بيدها مفاتيح كثيرة يمكنها ان تساهم في عملنا القومي .

أتساءل مع نفسي وأقول : يا ترى ماذا لو كان معظم ، وليس جميع ،  الأساقفة والكهنة وغبطة البطريرك وهو رأس الكنيسة الكاثوليكية في العراق ، ماذا لو كان هؤلاء مدافعين عن الهوية الكلدانية بنفس القدر الذي يمنحة سيادة المطران سرهد جمو ؟ إنه عمل إنساني ووطني وقومي ان تخدم شعبك كنسياً وأن تقف مع همومه ومع حقوقه المختلفة في وطنه .

إنه مجهود كبير ينبغي ان يضطلع بها نخبة شعبنا الكلداني من المثقفين والأكاديميين ورجال الأكليروس الأفاضل فالتثقيف والتنوير بالهوية الكلدانية اليوم هي واجب كل مخلص وكل من يفتخر بانتمائه الكلداني الأصيل .

لكي لا اخذ من وقتكم الثمين اتطرق بعجالة على موضوع وجودنا في دول المهجر ، فمن الضروري الأنخراط في هذه المجتمعات وإن نحتفظ دائماً بذلك الخيط الذي يرمز الى وطننا وهويتنا القومية ، إن الأحتفاظ بلغتنا الكلدانية تكلماً وكتابة يعتبر جانباً مهماً من ارتباطنا ووفائنا لهويتنا الكلدانية الأصيلة ، كما ان النشاطات الفنية والرياضية وتأسيس اندية وجمعيات بالأسم الكلداني كل ذلك يعزز من الأعتزاز بهويتنا القومية .

هنا اريد ان اؤكد على ناحية مهمة جاذبة وهي الأزياء الكلدانية التي تعكس أزياؤنا في تلكيف وألقوش وتللسقف وعنكاوا وكرملش وباطنايا وغيرها من مدننا وقرانا الكلدانية الجميلة ، إن شرائنا لهذه الأزياء بشكل شخصي او من قبل هذه الجمعيات والنوادي وأرتدائها في المناسبات في بلاد المهجر سيكون طريقة مؤثرة للتعريف بهويتنا القومية الكلدانية .

وهكذا اخواتي وأخواني ان مهمتنا نبيلة وتحتاج الى جهود مكثقفة وصبر وتعاون لخلق المناخ النفسي الملائم لعلمنا وإعلاء شأن هويتنا ولكي يكون صوتنا مسموعاً في المحافل السياسية والأجتماعية والدينية ، فيجب قبل كل شئ نشر الوعي القومي الكلداني بمختلف صوره بين ابناء شعبنا لكي نتمكن من اجتياز المراحل الصعبة ونقطع خطوات وأشواط في خلق رابطة قومية رائعة بين هذا الشعب إن كان في الوطن العراقي او بلاد المهجر .

اتمنى لهذا المؤتمر التوفيق والنجاح في اهدافه الأنسانية النبيلة .

حبيب تومي / ستوكهولم في 19 / 10 / 11

عن الكاتب

حبيب تومي
عدد المقالات : 252

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى