العراق..التغيير او الفشل


نزار حيدر

NAZARHAIDAR@HOTMAIL.COM

   قريبا، سيمر على الطبقة السياسية الحاكمة في بغداد عقد من الزمن، وهي في السلطة، ومع ذلك: 

   اولا: فشلت في حل مشاكلها فيما بينها، بمعنى آخر، انها فشلت في التعايش مع بعضها البعض الاخر، ومن الادلة القاطعة على ذلك هو عدم تقديم الوزارة لبرنامجها الحكومي لحد الان، وهي من العجائب والغرائب المضحكة، فضلا عن عدم اكتمال الحقائب الوزارية لحد الان، والسبب، هو انعدام الثقة بالمطلق فيما بينها، على الرغم من ان جلها عملت سوية في صفوف المعارضة ايام النضال السلبي لعقود طويلة.

   فعلى الرغم من شعارات كالتوافق والشراكة الوطنية وما اشبه، وعلى الرغم من مواثيق الشرف والاتفاقات السرية والعلنية والبيانات الطويلة والقصيرة واللقاءات الموسعة والمحدودة والتوقيعات الطويلة والعريضة والعزائم والولائم الدسمة وذات الحمية، الا ان الخلافات لازالت تنخر بها كالارضة التي تاكل الخشب، وكل ذلك جاء على حساب مصالح الشعب وامن البلد وسيادته ومستقبل ابنائه والعملية السياسية. 

   ثانيا: لم تتعامل كرجال دولة، اذ لا زالت عقلية المعارضة هي الحاكمة على تصرفاتها وطريقة تعاملها مع القضايا، لدرجة ان الدولة العراقية تحولت الى (جزر) او (كانتونات) دينية ومذهبية ومناطقية واثنية وحزبية، لا يوحدها الانسجام الوطني باي شكل من الاشكال، ما اضاع هيبة الدولة، ولعل من اكبر الادلة على ذلك هو عدم تعاملها مع الراي العام العراقي بصراحة وشفافية معقولة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، كانت هذه الطبقة قد بشرت العراقيين بانها ستعلن عن نهاية اكيدة لخلافاتها والاعلان عن الكثير من الاتفاقيات نهاية عطلة عيد الفطر المبارك، خاصة ما يتعلق بالوزارات الامنية ومجلس السياسات، فيما لا زال كل شئ على حاله، على الرغم من اقترابنا من عطلة عيد الاضحى المبارك، ولقد علق احد الظرفاء بقوله: يبدو ان عطلة العيد لم تنته عندهم بعد ليفوا بوعودهم التي قطعوها في شهر رمضان الكريم، او انهم لا زالوا صائمون مشغولون بالعبادة، ولذلك فليس لهم من الوقت الكافي للوفاء بالوعود.

   لقد تحول الكذب في احاديثهم وتصريحاتهم ووعودهم هو الاساس، ولذلك فقدوا مصداقيتهم عند الناس واضاعوا ثقة الشارع بهم، فلا حديث يصدق ولا وعد يطمأن اليه ولا كلمة شرف يهدا لها بال.

   ثالثا: مازومة ومسكونة بمخلفات الماضي، ولذلك لا تتصرف بعقلية وواقعية، وانما بردود افعال وتشنج وفي احيان كثيرة بتخبط، والادلة على ذلك كثيرة ومتنوعة، منها قضية ميناء مبارك والتجاوزات العسكرية على الحدود الرسمية ومشكلة المياه وغيرها كثير، ولقد كان آخر هذه الامثلة طريقة تعاملهم مع قضية (النخيب) التي تجاوزوا بها الدم العراقي والقانون والقضاء والمركزي والمحلي بتخبط وعشوائية واضحة، اضطرت رئيس الوزراء الى التراجع عن قراراته بهذا الشان لتهديد ضد حزبه صدر عن احد الشيوخ.

   رابعا: لازال الكثير منها يحن الى الماضي، فيتصرف بارادة، ومع سبق الاصرار، من يريد اعادة العراق الى العهد الماضي، لانه لم يقتنع بعد بالنظام الديمقراطي الذي حل محل النظام الديكتاتوري الشمولي.

   انه يضع يدا في الدولة واخرى مع اعدائها، خاصة الارهابيين من ايتام النظام البائد والتكفيريين، حتى تحول بعضهم الى جسر يربط بين الجانبين، فهو يساهم في التخريب اكثر من مساهمته في الاصلاح والبناء.

   ولكل ذلك فان العملية السياسية لازالت متعثرة وان الديمقراطية عندنا عرجاء، ولم يبق منها، ربما، الا الاسم، اما الذي يحكم على ارض الواقع فهو كاتم الصوت والسيارة المفخخة والاحزمة الناسفة والفساد.

   خامسا: لم تنجح في اثبات ولاءها الوطني فلكل هوى خارج الحدود، والذي انتج هذا الضعف والهزال في السياسة الخارجية لدرجة ان الكل بات يهدد العراق ويتوعد شعبه، فيما استخدم آخرون الالة العسكرية والمياه والحدود كادوات للابتزاز.

   انها لم تثبت حرصا على مصالح البلاد فلكل اجندات خارج الحدود توسعت او تقلصت، ظاهرها وباطنها.

   سادسا: لا تفكر الا في مصالحها الذاتية وامتيازاتها الخاصة، ولذلك اثرت ثراءا فاحشا على حساب المال العام، فزادت الطبقية الاجتماعية والاقتصادية بدرجة مهولة.

   انها تعيش في ابراجها العاجية وهي في واد والناس في واد آخر، فلا تسمع لنصح المرجعية ولا تعير اذن واعية لراي الشارع، كما انها تتجاهل آراء منظمات المجتمع المدني على اختلاف اشكالها.

   لقد سعت لان تحصل على كل امتيازاتها فيما لازالت الكثير من عوائل الشهداء، ممن قدموا (5) شهداء واكثر زمن نظام الطاغية الذليل لازالت تركض بمعاملاتها متنقلة بين دوائر الدولة من دون ان يحصلوا على اي حق من حقوقهم التي اقرتها لهم الدولة.

   اما المتقاعدون، الذين افنوا عمرهم في خدمة البلد، فيعيشون ضنك العيش، فيما يحصل الواحد منهم على (80%) من مرتبه كتقاعد بالاضافة الى حزمة الامتيازات الغريبة حتى لو خدم اشهرا معدودة في الدولة.

   سابعا: فشلت في تحقيق اعظم اهداف النظام الديمقراطي والتي نص عليها الدستور في المادة (37) أولا: الف، بما يلي: (حرية الانسان وكرامته مصونة) الا وهو هدف تمتع المواطن بالحياة الحرة الكريمة، فاين كرامة نصف مليون مواطن لا يجدون قوت يومهم الا في المزابل؟ هذا في العاصمة بغداد لوحدها، ناهيك عن بقية المحافظات الاخرى؟.

   واين كرامة المواطن اذا لم يتمتع بالفرص بشكل متساوي، سواء في التعليم او الصحة او البعثات الدراسية او التجارة والكسب المشروع او اي شئ آخر؟.

   اين هي الكرامة اذا لم يتمتع المواطن بحقوقه بلا تمييز على اساس الجنس او الاثنية او الدين او المذهب او المناطقية او الحزبية او الاتجاه الثقافي والسياسي، واحيانا حتى التمييز على اساس التقليد المرجعي؟.

   انهم سحقوا كرامة البلد عندما فشلوا في انجاز الخدمات العامة للمواطن وعلى راسها الطاقة الكهربائية، فبغيابها يغيب التعليم الناجح والصحة والصناعة والزراعة، وحتى الاخلاق العامة تختفي عن المجتمع لان الحر الشديد او البرد القارس يجعل المواطن يسير على اعصابه على حد قول العراقيين انفسهم، ولذلك تزداد الخصومات بين الناس ولا تهنأ العوائل بحياتها.

   ولسنا بحاجة الى كثير عناء لنشخص اس المشكلة في كل هذا، والذي يعود الى نظام المحاصصة الذي انتج ثالوثا مرعبا راح ينشر باجنحته الثقيلة على العراق، واقصد به (الجهل والفساد والارهاب).

   ان نظام المحاصصة هو الذي يحمي المفسدين والارهابيين ويحول بين المواطن العادي والفرصة، كما انه هو الذي شل عمل مؤسسات الدولة سواء في التشريع او في التنفيذ والرقابة.

   فمع قرب انتهاء المئة يوم الثالثة، تضاعف الفساد المالي والاداري ثلاثة اضعاف او اكثر، فيما عاد الارهاب يضرب في الاتجاهات الاربعة كما لو انه يريد ان يذكرنا بالماضي القريب الذي حصد الارواح ودمر البنى التحتية بشكل لم يشهده العراق الا في زمن الحروب العبثية التي كان يفرضها الطاغية الذليل صدام حسين على العراق وشعبه وجيرانه.

   العراقيون اليوم، وللاسف الشديد، يقفون ازاء هذه الحقيقة، وليس امامهم الا احد خيارين، فاما التغيير والاصلاح لانقاذ الديمقراطية والنظام السياسي الجديد، او ترك الحبل على الغارب وليحصل ما يحصل.

   لا اعتقد بان عاقلا سيختار الطريق الثاني، فبعد كل هذه التضحيات الجسام التي قدمها الشعب العراقي، وبعد كل هذه الانجازات (السياسية) التي خطاها العراق، لا ارى اية مصلحة في ان نترك الامور على عواهنها والتي قد تاتي باسوأ مما هي عليه الان، خاصة وان البعض هنا في العاصمة الاميركية واشنطن بدا يتحدث عن اليأس من امكانية الاصلاح ما قد يدفع بالادارة الى التفكير بطريقة اخرى لاصلاح الامور منها على سبيل المثال قلب الطاولة على كل من في بغداد والبدء بمشروع جديد ينهي الازمات المتتالية والمستعصية، ولنتذكر دائما بان العقلية الاميركية تعتمد على نظريات (الكاوبوي) اولا وقبل اي شئ آخر، وان سياساتهم تعتمد مبدا (الفوضى الخلاقة) عندما يستعصي عليهم الحل.

   بقي امامنا طريق واحد وهو البحث عن سبيل الاصلاح السياسي الذي سيجر الى الاصلاح على المستويات الاخرى.

   ولان العراقيين قبلوا بالدستور كقانون اعلى وعقد اسمى ينظم العلاقة فيما بينهم، وهو العقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة بين الدولة والشعب، كما انهم رضوا بان يحتكموا الى صناديق الاقتراع لتحديد هوية السلطة ومن فيها ومن هو خارجها، ولذلك يلزم ان ياتي الاصلاح دستوريا، وفي اطار ادوات الديمقراطية من اجل ان نحافظ على ما انجزناه لحد الان.

   ان الاصلاح مطلوب منه ان يقضي على نظام المحاصصة، فلا زال هذا النظام هو المعمول به في العراق الجديد، لذلك لا يمكن ابدا ان نحلم بنجاح او استثمار او امن او اعادة بناء او قضاء على الفساد المالي والاداري او تحسين في الخدمات او تطوير في التعليم والصحة والزراعة والبيئة، وحتى في علاقاتنا مع دول الجوار والمجتمع الدولي.

   وفي هذا الاطار، تشخص امامنا الاسئلة التالية: اولا: لماذا نحن بحاجة الى الاصلاح؟ ثانيا: كيف ننجز الاصلاح؟ ثالثا: من الذي سينفذ الاصلاح؟ رابعا: وما هي الادوات لتحقيق ذلك؟.

   اننا بحاجة الى الاصلاح بعد ان يئسنا من امكانية ان تنجح الطبقة السياسية الحالية في تحقيق ذلك، فلو كانت قادرة عليه لانجزته خلال العقد الذي قضته في السلطة، الا ان الواقع يتحدث عن عكس ذلك، اذ كلما مر الوقت تضاعفت المشاكل وتعقدت الازمات وتشعبت، فيومنا اسوأ من امسنا، وغدنا اسوأ من يومنا.

   وما يبعث على الياس من هذه الطبقة هي انها فشلت في الاداء وفي البرامج، المشاريع، وليس في الاداء فحسب، بمعنى آخر انها فشلت كنظرية في الحكم والادارة، بالاضافة الى فشلها في التطبيق والتنفيذ.

   ان الحال في العراق لا يمكن ان يظل على ما هو عليه الان لعقد آخر من الزمن، فاما ان يتغير الحال نحو الافضل او اننا سنفشل في تجربة النظام الديمقراطي وللاسف الشديد، ولا اريد هنا ان احمل المسؤولية لاحد بعينه، فكل الطبقة الحاكمة مسؤولة وان بنسب متفاوتة، فالمسؤولية هنا تشاركية بكل معنى الكلمة، لا يقدر احد منهم على الهروب منها باي حال من الاحوال.

   ولذلك فاننا بحاجة الى ان نغير هذه الطبقة باخرى تكون افضل منها على كل الاصعدة، ويخطئ من يظن ان العراق ليس فيه ما هو افضل من هؤلاء، فهذه السياسة التي تروج لها الطبقة السياسية الحاكمة انما هدفها ارهاب الشعب وتهديده بما هو اسوء من الحال، وهي ذات السياسة التي ظل يسوقها نظام الطاغية الذليل على مدى نيف وثلاثين عاما عندما كان يحاول اقناع العراقيين بان مصيرهم ومصير العراق مرتبط ارتباطا عضويا بوجوده في السلطة، فكان يرفع شعار (العراق هو صدام، وصدام هو العراق) و (انا او الطوفان).

   ان العراق ليس بلدا عقيما ابدا، فهو يمتلك من الكفاءات والخبرات والخيرين والكفوئين من اذا اتيحت لهم الفرصة فسيغيرون اشياء كثيرة.

   اما القول بان هذه الطبقة السياسية اكتسبت خبرة خلال وجودها في السلطة طوال هذا الوقت فلماذا نخسر الخبرة المتراكمة ونبدا من الصفر؟.

   فالجواب على ذلك:

   الف: ومن قال ان هذه الطبقة اكتسبت خبرة؟ لو كان الامر كذلك لبان في مشاريعها وانجازاتها وعلاقاتها ولقادت العراق الى النجاح.

   ومن اجل ان لا نظلمها اود ان اعترف بانها بالفعل اكتسبت خبرة متراكمة، ولكن ليس في حل المشاكل وقيادة العراق الى النجاح وتحقيق اهداف العراقيين في الحياة الحرة والكريمة، وانما في الفشل واللصوصية والفساد بكل اشكاله وبعضها في الارهاب وغير ذلك.

   ولو ان كل من قضى سنوات في السلطة يجب ان يبقى فيها بحجة انه اكتسب خبرة، فماذا سيبقى اذن من النظام الديمقراطي الذي يعني في جوهره التداول السلمي للسلطة عبر صندوق الاقتراع؟ ولو كان هذا الكلام صحيحا لما شهدنا تغيير الزعماء في العالم الحر كل اربع او ثمان سنوات، ولتشبثت كل حكومة بسلطتها الى ابد الابدين، وعندها لتحول العالم كله الى نظام آل سعود، مثلا، يتوارثون السلطة من القصر الى القبر.

   باء: والى الحريصين على عدم ضياع الخبرة، اطمئنهم، بان العراقيين سوف لن يفرطوا بخبرة احد اذا ثبت لهم انه اكتسب خبرة ايجابية خلال وجوده في السلطة.

   جيم: اخيرا، من قال ان بقية العراقيين ليس لهم خبرة افضل مما عند الطبقة الحاكمة؟ الفرق هو ان هؤلاء اتيحت لهم الفرصة اما غيرهم فلم تتح لهم الفرصة لحد الان، افسحوا لهم المجال، اذن، ليظهروا خبراتهم.

   ان جل هذه الطبقة الحاكمة، لم تكن تمتلك اية خبرة في الادارة والسلطة، خاصة وان جلهم قضى عمره في صفوف المعارضة يقاتل ويجاهد ضد نظام الصنم الذي سقط في التاسع من نيسان عام 2003، الا انه اكتسب الخبرة من خلال التجربة، فلماذا يحتكر الفرصة لنفسه ولا يمكن، بتشديد الكاف، غيره منها؟ خاصة بعد ان ثبت بالتجربة بانه فشل في تحقيق برنامجه الانتخابي او الحكومي؟.

   بشان الجواب على السؤال الثاني، فان التغيير يلزم ان يبدا من تغيير البرلمان حصرا، على اعتبار ان مجلس النواب هو المصدر لكل مؤسسات الدولة، فهو مصدر التشريع واصدار القوانين وهو مصدر المحاسبة والمساءلة والمراقبة، اي انه مصدر التقويم والترشيد، وهو مصدر تشكيل مؤسسات الدولة الاخرى من الحكومة ورئاسة الجمهورية والمستشارين والسلطة القضائية والهيئات المستقلة وغيرها.

   التغيير يبدا، اذن، من تغيير مجلس النواب، ولا يمكن تغيير الاخير الا بتغيير قانون الانتخابات، ولذلك فان الانطلاق بعملية التغيير برمتها تبدا من تغيير قانون الانتخابات، فهي الخطوة الاولى على طريق مسير الميل.

   ان القانون الحالي فصلته الطبقة السياسية الحاكمة بطريقة يضمن لها احتكار السلطة حتى الممات، من خلال تشريع نظام القوائم والقاسم الانتخابي وعملية نقل وانتقال الاصوات، ولذلك راينا كيف ان مرشحا لم يحصل على عدة مئات من الاصوات حجز مقعده على حساب مرشح آخر حصد عشرات الالاف من اصوات الناخبين، وذلك بسبب الطريقة التي شرعها القانون في حساب الاصوات.

   ان القانون الحالي يضمن لـ (الكبار) ما يلي:

   اولا: احتكار السلطة، بعد ان تجمعت بين ايديهم؛

   *السلطة *المال * الاعلام *الدعم الدولي لبعضهم والاقليمي لآخرين.

   ثانيا: السيطرة على نوعية المرشحين الذين سيساومونهم ويبتزونهم قبل قبولهم الانخراط في قوائمهم.

   ثالثا: كذلك، السيطرة على المقاعد التعويضية.

   رابعا: استحكام قبضتهم على البرلمان وطريقة التصويت المعمول بها حاليا والتي اسميها بطريقة شيخ العشيرة الذي يصدر اوامره لاعضاء القائمة بحضور الجلسة او مقاطعتها وبالتصويت من عدمه بالرسائل القصيرة، او المكالمات الضائعة، بعد ان كان شيخ العشيرة يصدر اوامره بعصاه يرفعها او يهبطها.

   ان المطلوب هو اجراء التغيير التالي في قانون الانتخابات، لضمان تحقيق الآتي:

   الف: صوت واحد لمواطن واحد، فلا يجوز التلاعب بالاصوات باي شكل من الاشكال.

   باء: الغاء حصر الترشح ضمن القوائم، ليحق لكل مواطن ان يرشح نفسه للانتخابات سواء كان فردا او قائمة، وهذا الامر يتطلب الغاء نظام القاسم الانتخابي، واحتساب اغلبية الاصوات حصرا كمعيار للفائزين من المرشحين المتنافسين في الدائرة الواحدة.

   جيم: تقسيم العراق الى عدد من الدوائر الانتخابية يساوي عدد مقاعد البرلمان، مع التفكير الجدي بتقليص العدد الحالي والذي يكلف الدولة الكثير من الاموال الطائلة على حساب المشاريع الحيوية التي يحتاجها المواطن والبلد، خاصة وان ما لا يقل عن ثلث الاعضاء عادة ما يتغيبون عن جلسات مجلس النواب فلماذا يحجزون مقاعدهم تحت قبة البرلمان؟ الا ان يكون ذلك من اجل التمتع بالامتيازات فحسب.

   ان العدد االكبير لمقاعد البرلمان يعقد عملية الرقابة والتشريع بدرجة كبيرة، ولذلك سعت الدول المتحضرة التي يحكمها النظام الديمقراطي الى ان تقلل من عدد مقاعد برلماناتها قدر الامكان، ما يساعد المشرعين على انجاز عملهم التشريعي والرقابي بطريقة اسهل واسرع وافضل واكثر شفافية.

   ان مثل هذا التقسيم للدوائر الانتخابية يساهم في:

   الف؛ حصر الفساد الانتخابي، مثل عمليات شراء الاصوات وبيعها وعمليات التزوير وامثالها، في دوائر ضيقة، ما يمكن الراي العام من مراقبة المفسدين واللصوص بشكل افضل.

   باء؛ تقليل نفقات الحملات الانتخابية الى اقل مستوياتها، لان المرشح سوف لا يكون مضطرا لصرف الاموال الطائلة على الدعاية للوصول الى عدة ملايين ناخب لتعريفهم ببرنامجه الانتخابي، فالدائرة الواحدة، حسب الدستور العراقي، ستتكون من مئة الف ناخب فقط، من السهل على المرشح ان يصل اليهم واحدا واحدا ولذلك فسوف لن يضطر لصرف الاموال الطائلة للوصول اليهم.

   اعرف احد المرشحين، وهو نموذج، صرف مبلغ نصف مليون دولار عدا ونقدا، ليحصل على مقعد تحت قبة البرلمان، ومع ذلك فشل في مسعاه، واذا تساءل المواطن، من اين له كل هذه الاموال ليصرفها على حملاته الانتخابية؟ لاجاب انها من مريديه، فيما ينفق آخرون من اموال الدولة التي يتحايلون عليها بطريقة او باخرى، اما القسم الثالث فيحصلون على اموال الدعاية من (دول صديقة) من الجيران او من غيرهم لا فرق، طبعا معجونة باجنداتها السياسية الخاصة.

   ان تقسيم العراق الى دوائر انتخابية بعدد مقاعد البرلمان سيقضي على كل هذا الفساد، كما انه يساعد الناخبين على حسن الاختيار بشكل افضل، لان من السهولة عليهم ان يحسنوا اختيارهم لمرشح واحد فقط، وهو العدد المطلوب منهم التصويت له في كل دائرة، اما ان تطلب منهم ان يختاروا عشرة مثلا او اكثر من خمسين، كما هو الحال في العاصمة بغداد التي يعدها القانون الحالي دائرة واحدة، فانه امر عسير.

   كما ان مثل هذا النظام سيساعد الناخب على مراقبة ومحاسبة النائب بشكل اكثر فاعلية.

   انه سيضطر القوائم لتقديم مرشح واحد فقط في كل دائرة، وليس عدة مرشحين، ما يجبرهم على المفاضلة، واختيار الافضل والاحسن والاكفا والاحرص على الخدمة العامة.

   لم نسمع في كل دول العالم المتحضر والديمقراطي، ان حزبا ما قدم اكثر من مرشح في دائرة انتخابية واحدة، ليتنافسوا فيما بينهم، الا في العراق، وهي من الاشياء المضحكة في ديمقراطيتنا، لان الدوائر الانتخابية واسعة جدا، ولان الحزب او الكتلة مشتتة غير قادرة على التحكم بمرشحيها.

  ان حصر كل قائمة مرشحيها بعنصر واحد فقط لكل دائرة، سيساهم كذلك في التقليل من صرف الاموال على الحملات الانتخابية، وكذلك في التقليل من الفساد.  

   ان نظام القائمة المفتوحة بالكامل، بلا لف او دوران، سيساعد على ايصال مرشحين الى مجلس النواب يتميزون برصيدهم الشخصي، من جانب، وانهم سيحجزون مقعدهم تحت قبة البرلمان بارادة الناخب حصرا وليس بارادة زعيم القائمة التي هي في الاصل متعددة الاهواء والولاءات كونها لم تتشكل من حزب وانما من احزاب تكون في اغلب الاحيان متصارعة فيما بينها.

   ان المرشح الذي يحجز مقعدا بارادة الناخب يظل يشعر بانه مدين للمواطن حصرا ولا دخل لزعيم القائمة في نجاحة، ولذلك تراه يبذل كل جهده من اجل ارضاء طموحات الناخب، حتى اذا جاء مسعاه احيانا على حساب مصالحه الشخصية او مصلحة الحزب الذي ينتمي اليه.

   ان الكثير من اعضاء مجلس النواب، وبدورتيه الحالية والسابقة لم يحجزوا مقاعدهم الا بسبب ولائهم لهذا الزعيم او ذاك، وفي احيان كثيرة بسبب العلاقات الاسرية، ولذلك فان النائب لا يفكر ابدا في ان يتجاوز (الزعيم) الضرورة باي شكل من الاشكال لانه يشعر بانه ولي نعمته وانه صاحب الفضل عليه في الوصول الى البرلمان، ولطالما شكى لي نواب من عجزهم عن ابداء آرائهم بحرية او التصويت او الامتناع بحرية، خوفا من بطش (زعيم) القائمة او زبانيته، الذي يمارس سياسة تكميم الافواه كلما احس بخطر.

   ان تغيير قانون الانتخابات سيتيح للمرشحين الاكفاء ولذوي الشخصية القوية القادرة على انتاج الافكار والمشاريع والشجعان في قول كلمة (لا) لاي كان عندما تقتضي الضرورة لمحاربة فساد او الكشف عن عجز، الوصول الى البرلمان، اما الان فان الكثير من النواب امعات، لم نسمع لهم حسيسا، لا يرفعون ايديهم للتصويت الا باشارة (الزعيم) فهم خائفون طوال الوقت من (الزعيم) الذي اذا غضب على احدهم فسيخسر النائب حضوته في حضرته وبالتالي فقد يخسر الكثير من امتيازاته التي كان يحلم بها فيما مضى من الايام.

   لماذا لم نسمع من نائب، اي نائب، انتقادا يوجهه ضد زعيمه مهما اخطا او فشل او تجاوز؟ لماذا لم نسمع ان احدا منهم انتقد قائمته مهما اخطات؟ انهم كفرق الكومبارس يصفقون متى ما طلب منهم الزعيم ويهبون هبة رجل واحد دفاعا عنه اذا ما تعرض لانتقاد او دعي لمساءلة او وجهت له تهمة.

   ان وصول مثل هذه النماذج من (النواب) هو الذي شل عمل البرلمان، خاصة على صعيد الرقابة والمساءلة، فضلا عن العقاب اذا ما اقتضت الضرورة.

   وان برلمانا يخضع لزعماء الكتل، يعجز عن محاسبة احد، فاذا كان كذلك اضاع احد اهم مهامه الدستورية الا وهي مهمة الرقابة على الاداء.

  بقي ان نعرف من هي الجهة القادرة على ان تمارس الضغط بكل الطرق المشروعة لاجبار مجلس النواب، او بالاحرى لاجبار قادة الكتل على تغيير قانون الانتخابات؟.

   طبعا هناك عدة جهات قادرة على ذلك اولها المرجعية الدينية، فهي تتحمل المسؤولية الاكبر، فبعد ان اصرت على اجراء اول انتخابات بعيد سقوط الصنم في التاسع من نيسان عام 2003، وبعد ان حثت الشعب العراقي على المشاركة الفاعلة والفعالة في كل انتخابات، لدرجة انها وظفت حتى الفتوى لتحقيق ذلك، فان عليها اليوم ان تبادر الى ممارسة ضغوطها لاجبار قادة الكتل على اتخاذ الخطوات اللازمة لتغيير قانون الانتخابات، كأن تهدد بمقاطعة اية انتخابات قادمة اذا ما جرت طبقا للقانون الحالي، او تفتي بحرمة زوجاتهم عليهم اذا عاندوا ولم يطيعوا ويتنازلوا لارادة الشعب.

   لا يكفي ان تتخذ المرجعية الموقف السلبي من (الزعماء) فترفض مثلا استقبالهم او الاجتماع بهم او ما اشبه، بل ان عليها، على ما اعتقد، ان تتقدم خطوة اخرى الى الامام كالتهديد بمقاطعة الانتخابات القادمة، وهو الامر الذي سترتعد بسببه فرائص الطبقة السياسية الحاكمة، لان مثل هذا الموقف سيسحب منهم الشرعية الدستورية فضلا عن شرعية الشارع الذي يتمثل مواقف المرجعية التي اثبتت غير مرة انها تعبر عن لسان حاله في كل المواقف التي تتخذها.

   كذلك، فان لمنظمات المجتمع المدني دور مهم في هذا الصدد، الى جانب الاعلام الذي يجب ان يشن منذ اللحظة حملة منظمة لصالح تغيير قانون الانتخابات، فالوقت ليس لصالح احد، ويلزمنا ان لا ندعهم يسوفون للوصول الى الربع ساعة الاخيرة من عمر البرلمان، كما حصل في المرة السابقة.

   ان العملية السياسية برمتها على كف عفريت، ولقد بدا الشارع العراقي يتململ كثيرا من الوضع، وان اخشى ما اخشاه هو ان يعبر عن تململه بموقف معادي للانتخابات فيمتنع عن الحضور عند عتبة صناديق الاقتراع في المرة القادمة، واذا تذكرنا بان شرعية اي نظام سياسي تعتمد على نسبة المشاركة في الانتخابات العامة، خاصة في بلد كالعراق الذي لا زال يحبو صوب بناء النظام الديمقراطي، عندها سنعرف مدى خطورة مثل هذا التعبير الذي ان لجأ اليه الشارع فستقع الكارثة، ولقد بدا كثيرون يتحدثون عن نيتهم بعدم المشاركة في الانتخابات القادمة اذا تيقنوا من ان نفس الوجوه ستعود الى السلطة بطريقة او باخرى.  

   ان كل حريص على العملية السياسية، وان كل حريص على تضحيات العراقيين، وان كل حريص على مستقبل اجيالنا، وان كل حريص على سمعة التجربة الديمقراطية في العراق الجديد، ان على هؤلاء جميعا ان يبذلوا كل ما في وسعهم من اجل ممارسة الضغط المطلوب على زعماء الكتل لتغيير قانون الانتخابات ما يضمن لنا فتح الباب على مصراعيه امام التغيير الدستوري المرتقب بعيدا عن العنف او لعبة السرقات المسلحة (الانقلابات العسكرية).

   5 تشرين الاول 2011

عن الكاتب

عدد المقالات : 21

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى