العالم يشهد ظهور نظام التعددية القطبية في العلاقات الدولية(8)


نادي بابل

ارتباطاَ بالاحداث والمتغيرات التي شهدها العالم بعد إنتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 وهيمنة وتفرد سياسة القطب الواحد . التي ادت الى ظهور بيئة جديدة في العلاقات الدولية هذه البيئة الجديدة الخالية من التوازن , خلقت مستلزمات التوتروعدم الأستقرار وسيادة منطق القوة في العلاقات الدولية , والتوسع العسكري وبسط النفوذ وإنتشار الحروب والاحتلال والصراعات الأهلية والفقر , وتعرضت شعوب ودول لمخاطر كبيرة ,  وهذا ما دفع و أثار وشجع دول على العمل لاقامة نظام دولي متعدد الأقطاب متنوع النظم , يعيد التوازن في الوضع الدولي ولايسمح فيه للتفردالأمريكي كقطب أوحد لقيادة العالم . الذي عرض السلام والامن الدوليين الى الخطر وافرغ الميثاق الدولي من محتواه وتم اسر الامم المتحده وجهازها التنفيذي مجلس الامن , ان الراي العام العالمي لم يقتنع بعد هذا اليوم ان هناك مبرر لكي تنفرد دولة في الهيمنة على العالم والتحكم بمصائره ومصائر شعوبه,  وهذا ما يؤكد ان سياسة القطب الواحد التي مر بها العالم في ظل النظام الدولي الجديد , هي حالة طارئة فرضت نفسها على العلاقات الدولية , نتيجة للتداعيات التي شهدها الأتحاد السوفياتي ودول أوربا الشرقية آنذاك بعد إنتهاء الحرب الباردة  .

العالم يتطلع الى التعددية القطبية لتغيير التوازن الدولي :

يلاحظ ان العالم تتكون فيه الآن ملامح نشوء محاور (اقطاب جديدة) ,  حيث سنشهد اكتمال ظهور هذه المحاور ( اقطاب تمتلك القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والدبلوماسية والاعلامية ) وستكون هذه القوة المتعددة الاقطاب ,هي التي تستطيع أن تحد من التفرد الأمريكي في الهيمنة وصنع القرارات الدولية . وستضع نهاية وبلا عودة لنظام الأحادية القطبية الذي هيمنت فيه امريكا على العالم لفترة عقدين. رغم اننا نلاحظ جميعاَ ان امريكا تريد إطالة أمد القطبية الأحادية إلى أطول فترة ممكنة مستفيدة من الوضع الدولي القائم وموازين القوى الدولية التي تعمل على أن تميل لصالحها لفترة اطول , لكن العالم يتجه الآن بمسارات ووتائر متسارعة بعيداَ عن رغبة وتأثير واعاقة الولايات المتحدة الامريكية لها , وبما ان طبيعة العلاقات الدولية لعالم اليوم هي تخضع للصراع والمنافسة ليس من اجل الدفاع عن المصالح القومية للدول فحسب . وانما من اجل المنافسة الاقتصادية والنفوذ والتأثير في السياسة الدولية ولأعادة التوازن الدولي , وهذه من ابرز الملاح في العلاقات الدولية التي يشهدها العالم اليوم , من صراع علني واضح وملموس بين الدول الكبرى على القطبية الاقليمية والدولية .

ان العالم اليوم في عام2011 ليس كما هو كان عليه في عام 1991 بعد انتهاء الحرب البارده وانهيار الاتحاد السوفياتي حيث ساد آنذاك الاحباط واليأس والتراجع والانكسار ليس في صفوف الاحزاب الشيوعية فحسب وانما لدى شعوب العالم ودولها .ولكن خلال العقدين الماضية تمكنت دول عديدة من بناء اقتصادياتها وتطوير قدراتها العسكرية وامتلكت العلم والمعارف التكنولوجية , واصبح لها دور في الاحداث والسياسة الدولية , كما ان احداث عالم اليوم تؤكد ان امريكا في عام 2011 تختلف عما هي عليه امريكا في عام 2003 عندما احتلت العراق بدون قرار من مجلس الامن . حيث تراجعت اليوم قوتها الاقتصادية بعد الازمة المالية التي مرت بها في عام 2008 ولا يزال الاقتصاد الامريكي يعيش تداعيات الازمة الاقتصادية الى هذا اليوم , مما اثر ذلك على قدرة امريكا في الهيمنة والتفرد في السياسة الدولية  وظهرت معوقات دولية امام جبروت القوة الامريكية لها اثرفي الحد من تفردها .(( فقدإنحسرت الهيمنة الامريكية عالمياَ وأصبح واضحاَ أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تتحرك في كثير- إن لم يكن في غالبية- في الملفات في العالم دون دعم قوى أخرى وموافقتها .فلا يمكن مثلاَ التحرك بشأن إيران أو سوريا أو كوريا الشمالية أو حتى السودان دون تجاوب دول أخرى مثل روسيا والصين ودول الاتحاد الاوربي , فمن دون موافقة هذه الدول على العقوبات الاقتصادية والسياسية فلا توجد فعالية لأتخاذ هذه الأجراءات من قبل الولايات المتحدة وحدها وبرغم إنه من المتوقع أن تبقى الولايات المتحدة اللاعب الرئيسي الخارجي في كثير من مناطق العالم وقضاياه , فأنه يتوقع أن دولاَ مثل روسيا والصين والهند ستقوم بدور أكبر بما هو علية الامر اليوم))([1] ) ان العالم يشهد اليوم ظهور محاور واقطاب دولية , تمكنت هذه المحاورمن امتلاك التكنولوجيا الحديثة والقدرات الاقتصادية والعلمية والمعلوماتية والعسكرية والسياسية واستطاعت ان تضع سياسات خارجية مستقلة منفتحة في علاقاتها مع دول العالم ومحيطها الاقليمي , ومتنافسة مع الولايات المتحدة الامريكية , في اقامة العلاقات الاقتصادية والتجارية المتكافئة وبعضها تم تاسيس تحالفات اقتصادية فيما بينها مع التنسيق السياسي, ( كروسيا والصين والهند مثالاَ ) وهذه خطوة متقدمه تهدف بلا شك الى تغيير موازين القوى ومنع التفرد الأمريكي كقطب أوحد لقيادة العالم  .

من هي القوى الدولية الجديدة التي ستغيير الموازين في العلاقات الدولية :

القوى الدولية المؤهله بلعب دور القطبية في العلاقات الدولية والتي امتلكت عناصر القوة وبالذات القوة الاقتصادية والعسكرية , هي روسيا والصين والهند واليابان رغم أن اليابان تمتلك قوة إقتصادية وتكنولوجية أكثر مما هي عسكرية. إضافة للأتحاد الأوربي وهذه القوى ستفرض إرادتها في المشاركة في صنع القرار الدولي ووضع حد للقطبية الأحادية .

ان الأتحاد الأوربي برز كقوة إقتصادية كبرى وله تأثير سياسي وقد يبرز كقوة عسكرية كبرى لا سيما وإنه يسعى لتطوير جناحه العسكري المتمثل في إتحاد غرب أوربا . كما نلاحظ أن مشروعه في التوسع نحو الشرق يجري بسهولة من مشروع توسع الناتو .قد يؤدي هذا في المستقبل إلى تعزيز النزعه الأستقلالية لدى فرنسا عن حلف الناتو وقد تظهر إحتمالات تعزيز هذه النزعة الأستقلالية لدى المانيا  وقد تظهر لدى دول أخرى مثل بريطانيا حيث إنها الحليف القوي لأمريكا التي واجهت إنتقادات شديدة على الصعيدالداخلي والخارجي لتورطها في الحرب على العراق ولتبعيتها للولايات المتحدة الاميركية . لا سيما وإنها أيضاَ تضررت إقتصادياَ بسبب تحميلها بعض تكاليف حروب الناتو . وهذا قد يكون سبب يدفعها في المستقبل لتبني سياسة مستقلة وبأتجاه التوافق مع المواقف الأوربية والتعاون والتنسيق معها فيما يخص السياسة الدولية . رغم ان العلاقات الأوربية الأمريكية لها تأثير على الخارطة الدولية , ولكن يلاحظ انه ظهرت بوادر خلاف بينهما في عدد من القضايا الدولية ومنها الموقف الأوربي المنقسم من إحتلال العراق في عام 2003 وبالذات الموقف الفرنسي والالماني الرافض للحرب . وهذا يؤثر على وحدة الناتو في المستقبل لا سيما وقد ظهرت الخلافات في الرؤى الأستراتيجية بين الطرفين . و أن المخاوف الأمريكية تكمن في إنها تخشى من تنامي النزعه الأستقلالية لأوربا بالشكل الذي يؤدي لأضعاف حلف الناتو وظهور أوربا قوية قد لا تلتقي مع الأهداف الأمريكية , وتتحول إلى قطباَ منافساَ لها . وأن الاتحاد الاوربي إذا إستكمل بناء مقوماته سيكون في المستقبل أحد الأقطاب الدولية  . اضافة الى الصين وبروزها كقوة نظراَ لنموها الاقتصادي وتنامي قدراتها التكنولوجية والعسكرية وتأثيرها في ساحة الاحداث الاقليمية و الدولية . من وجهة نظري أرى ان روسيا هي الآن في وضع افضل من غيرها من الاقطاب الدولية الاخرى , واعتقد انها الآن اصبحت قطباَ دولياَ جديداَ مؤثراَ وستعيد التوازن في العلاقات الدولية . كما ارى ان ظهورها كقطب دولي هذا لا يحتاج الى اعلان او قرار من الامم المتحدة ورئيسها , او ان يقوم الرئيس الروسي مدفيديف بالقاء خطاب يقول فيه ان دولته اصبحت قطباَ ثانياَ . وانما ما يؤكد ذلك هو من خلال معاينة دورها وتاثيرها  في السياسة الدولية. هناك خطوات عملية اتخذتها روسيا وعلى سبيل المثال , موقفها من رفض نصب الدرع الصاروخي في بولونيا , ففي عام 2007 صنعت صاروخ يخترق الدرع الصاروخي وهذا ما اجبر الولايات المتحدة الامريكية على التفاوض مع روسيا حول نصب الدرع الصاروخي وذلك اثناء زيارة باراك اوباما الى روسيا في 4-7-2009 واتفقوا حسب ما ذكرت وكالات الانباء على تأجيل نصب الدرع الصاروخي في بولونيا , ولكن هناك مؤشرات تؤكد انه  حصل اتفاق لعدم نصبه في بولونيا . وهذا يدلل على أن روسيا ماضية في تطوير قدراتها العسكرية وحتى النووية التقليدية, معارضة روسيا لتوسع الناتو شرقاَ , وترفض انضمام جورجيا واوكرانيا وجمهوريات سوفياتية سابقه للحلف , هذا مؤشر آخر على عودة روسيا بقوة في العلاقات الدولية . كما ان روسيا قد تمكنت وبشكل سريع وخاطف من حسم المعركة مع جورجيا واعترافها باستقلال افخازيا واوسيتا رداَ على اعتراف امريكا بكوسوفو , ولم تتمكن امريكا من التدخل المباشر وحتى غير المباشر في المعركة الحربية التي وقعت بين روسيا وحليفتها جورجيا . رفض روسيا المطالب الأمريكية لفرض عقوبات إضافية على طهران , وقرار الفيتو الروسي الصيني الاخير في مجلس الامن حول الاحداث في سورية . ارى ان روسيا باتخاذها هذا القرار انها قد وجهت رسالة الى بقية الاعضاء في مجلس الامن انها عازمة على تغيير الخارطة السياسية في العلاقات الدولية لاجل اعادة التوازن وايجاد نظام دولي متعدد الاقطاب .  هذا الحضور الجديد لروسيا والدور المؤثر الذي تمارسه  في السياسة الخارجية , رافقه تطور في القدرات العسكرية المتنوعة اضافة الى تنامي قدراتها الاقتصادية والعلمية والتكنولجية وموقعها الجغرافي وسعة مساحتها وكثافة سكانها وهذه خصائص ومقومات بمجموعها تشكل عناصر القوة التي يفترض ان تمتلكها الدولة القطبية , وروسيا هي قادمة كقطب دولي جديد هذا ما سأتناوله في الحلقة القادمة .

( يتبع)

18-10-2011

عن الكاتب

عدد المقالات : 7494

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى