الطائفة النسطورية.. من الهرطقة الدينية إلى الهرطقة التاريخية 2-5 / بقلم محمد مندلاوي


نادي بابل

في جزئية أخرى في رده علينا يزعم الكاتب النسطوري كيواركيس:” لقد أثبتت المدوّنات التاريخية بأن اللغة “الآشورية” بقيت حية، وقد استعملها حتى الفرس، كما عرفها الإغريق بهذا الإسم رغم دخول بعض المفردات التي استعملتها القبائل الآرامية وهذا من نفهمه – على الأقل – من رجل غريب عن “شعبنا” وهو ثوسيديوس (Thucydides: 400 – 471 B.C) – قائد البحرية الإغريقية خلال الحرب بين مدينتي إسبارطة وأثينا (القرن الخامس قبل الميلاد) ويذكر مجيء آرتافيرنيس رسول الملك الفارسي إلى آثينا قائلاً: “وصل إلى أثينا، وترجم الأثينيون رسالته من اللغة الآشورية (Assurioi) إلى اليونانية، وقرأوها” (3) ، هذا كان بعد سقوط نينوى وبابل، وبعد أن طوّر الآشوريون اللغة الآكادية منذ عهد سنحاريب وأدخلوا إليها بعض الآرامية المتأثرة أصلاً بالآشورية كتابة ونحواً وصرفاً كما أكّد أستاذ اللغات القديمة في جامعة بغداد، الكتور طه باقر (4) – إذا اللغة التي تكلمها ولا زال يتكلمها الآشوريون هي لغة “آشورية”.

ردنا: أية مدونات تاريخية تقول أن الفرس استعملوا اللغة الآشورية!! يا هذا، أنك تتحدث عن تاريخ وقعت أحداثه قبل قرون عديدة، يحتم عليك هنا، أن تذكر للقارئ أسماء هذه المدونات إن وجدت، رغم أني واثق ليس لها وجود إلا في مخيلتك… ثم، كيف استعمل الفرس اللغة الآشورية؟ هل أنهم تكلموا اللغة الآشورية! هات وثيقة واحدة، تقول أن الفرس تكلموا اللغة الآشورية. أن الفرس يا سيد كيواركيس، لم يتكلموا الآشورية قط، بل استعملوا الأحرف الآرامية في كتاباتهم، واللغة الآرامية حين سادت في بلاد بين النهرين أصبحت لغة الدوائر الحكومية في الدولة الهخامنشية الفارسية، فلذا تأثرت بها اللغة الفارسية، كما تأثرت بها اللغات الأخرى كالعبرية وغيرها. والفرق بين الآرامية والآشورية كالفرق بين أية لغتين منفصلتين عن بعضهما، وإلا لماذا هذا التباين في اسميهما إحداهما تسمى اللغة الآرامية والأخرى تسمى اللغة الآشورية؟. دعني أنقل لك نصاً من المنجد في اللغة الذي وضعه مجموعة من المسيحيين، وطبع في المطبعة الكاثوليكية في (بيروت) عام (1960) يقول في ص (3):” أن اللغة الآرامية عمت بلاد بين النهرين وإيران” انتهى الاقتباس. ثم أن صخرة بيستون الشهيرة، دونت بثلاث لغات، وهي تفضح تدليس الكاتب ومن يقبل بزعمه، لأنها دونت باللغات، الفارسية القديمة، والإيلامية، والبابلية، أي الآرامية، وهذه الصخرة دونت في التاريخ الذي ذكره الكاتب كيواركيس، وهو القرن الخامس قبل الميلاد، في زمن (داريوش الأول) الأخميني، الذي حكم بين أعوام (521- 486)ق.م. وصخرة بيستون موجودة إلى اليوم في شرقي كوردستان، قرب مدينة كرمانشاه. حقاً أن المثل أصاب كبد الحقيقة حين قال: “خليك وراء الكذاب لحد باب الدار ” يقول الكاتب، أن الآشوريين، طوروا اللغة الأكدية وتكلموا بها، وأنا أوافقه في هذا،لأنهم فعلاً تكلموا اللغة الأكدية، اللهجة الآشورية، يا ترى، أية لغة يتكلم الكاتب وطائفته النسطورية الآن؟ هل يتكلموا اللغة التي طورها الآشوريون، وهي الأكدية؟ الكاتب مدعو أن يثبت لنا هذا، أم أية لغة يتكلموا اليوم؟، هذا السؤال يبقى قائماً حتى يجيب عليه الكاتب ولن أتجاوزه، عليه أن يقول لنا، هل أنهم يتكلموا الأكدية الآن؟!، أم لغة أخرى؟ وإذا يتكلموا لغة أخرى غير الأكدية، عليه أن يخبرنا، متى تركوا اللغة الأكدية بصفتهم (آشوريين) كما يزعموا، واستعاروا لغة أخرى بدلاً عنها؟. يا هذا،لا تكن مثل الديكتاتور صدام حسين، الذي نسب بجرت قلم أكثر شعوب المنطقة إلى العنصر العربي، وأنك تتجنى على التاريخ لو تنسب الآراميين وغيرهم إلى الآشوريين القدامى. هل السرياني، يقبل منك أن تنسبه إلى الآشوريين؟ هل الكلدان يقبلوا أن تصفهم بالآشوريين؟. أخيراً في الجزئية أعلاه، يستند الكاتب في أقواله، على كلام الجرائد والمجلات و ينسبه إلى الآثاري (طه باقر)، منذ متى يعتمد على كلام الجرائد والمجلات لإظهار جوانب تاريخية هامة! عزيزي، بعيداً عن مجلة تراث الشعبي الذي صدر في عهد حزب البعث المجرم، نأتي لك بكتاب (مقدمة في التاريخ والتاريخ القديم) وضعه المؤلف والآثاري الأستاذ (طه باقر) يقول في صفحة (172): ” اندمج عدد كبير من الآشوريين بالشعوب المجاورة …” انتهى الاقتباس. أعتقد يعرف الكاتب معنى الاندماج، أي انصهروا في بوتقة الشعوب المجاورة، والقلة القليلة التي لا يتكلم عنها (طه باقر) هم أولائك الذين سكنوا آشور وهم من غير الآشوريين كما سنبينه لاحقاً. ألم يفكر الكاتب كيواركيس وغيره من النساطرة، لماذا مر على اعتناقهم الدين المسيحي (2000) سنة، وقبل ثلاثة عقود ونيف، أسسوا الكنيسة المسمى، بالكنيسة الآشورية !!! لو كانوا حقاً هم آشوريون، منذ الوهلة الأولى لاعتناقهم المسيحية سموا كنيستهم بهذا الاسم، قبل (2000) سنة، أن التسمية الحديثة لكنيستهم (بالآشورية) تحديداً سنة (1976) توضح لنا، أن تسمية طائفتهم بالآشورية هي أيضاً حديثة. هل جاء ذكر الآشوريين كمسيحيين في الكتب الكنسية الموثقة؟ وبعد ابتكار الكنيسة الآشورية بسنوات، ابتكروا علماً لهم، سموه العلم الآشوري. لو كانوا حقاً آشوريين وعندهم مقومات القومية استوجب عليهم أن يكون لهم علم، في ذات التاريخ الذي رفع فيه علم كوردستان في شمالي سماء كوردستان قبل قرن من الآن، وبعدها رفع في جمهورية كوردستان سنة (1946) وذات العلم يرفرف اليوم في سماء جنوبي كوردستان، وكذلك الأعلام العربية وغيرها، التي رفرفت في سماء أوطانهم في بدايات القرن الماضي. وهذه الأعلام كانت ولا زالت رمزاً لأوطان الشعوب الكوردية والعربية والفارسية الخ.

يزعم الكاتب النسطوري قائلاً:” كما استمرّ الآشوريون بممارسة حياتهم اليومية وشاركوا كقوة عسكرية ضمن الإمبراطوريات التي خضعوا لها بعد سقوط آشور سياسياً، وأهم المصادر التي تتكلم عن ذلك هي تواريخ الإغريقي هيرودوتس الذي ولد في مدينة هاليكارناسوس عام 490 ق.م في بلاد الإغريق – أي بعد 122 سنة على سقوط نينوى وعاش في آشور إبّان الإحتلال الفارسي، ويخبرنا هيرودوتس عن الحياة اليومية للآشوريين، وعن مُشاركتهم ككتائب في جيش الفرس قائلا: ” لقد كان الآشوريون يرتدون الخوذات البرونزية المصنوعة بطريقة بربرية – (عبارة Barbarios أطلقها الإغريق على كل ما هو غير إغريقي – الكاتب) – وكانوا أيضاً مسلحين بالدروع والخناجر والعصي الخشبية الصلبة المزوّدة بمسامير على رؤوسها …” (5) وفي أحد بحوثه القيّمة وتحت عنوان “المرحلة الأخمينية في شمال العراق” يذكر البروفسور جون كورتس رئيس قسم الآثار الشرقية في المتحف البريطاني، عن “وفود آشورية كانت تزور الملك داريوس والملك أرتحششتا الأوّل في عهديهما” (6) كما يذكر المؤرّخ الإغريقي المعروف بـ “آريان” (Lucius Flavius Arrianus: 86 – 160 A.D ) بأنه في عهد الإسكندر، وبالتحديد في عام 325 ق.م، شارك 10.000 شاب آشوري في بناء قنوات المياه في بابل ولمدة 3 أشهر، بعد أن رحّب به الآشوريون واعتبروه المنقذ من بطش الفرس(7).

ردنا:حين ولد هيرودت في المستعمرة التي ذكرها الكاتب كيواركيس في آسيا الصغرى، كانت آنذاك خاضعة لحكم إيران، ولذا اعتبر هيرودوت من التبعية الإيرانية، كما أشار لها دهخدا في دائرة معارفه (لغت نامه). إن آشور يا أستاذ، لم تسقط سياسياً فحسب، بل سقطت سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وبشرياً، لأنها زالت من الوجود، كزوال الاتحاد السوفيتي، الذي لم يبقى له وجوداً يذكر بعد يوم واحد على نهايته، هل سمع أو قرأ أحداً، أن هناك مواطناً سوفيتياً على وجه المعمورة بعد زواله؟. وآشور يا أستاذ كانت هكذا أيضاً، لأنها كانت أرض جغرافية تحمل هذا الاسم، و مواطنيها لم يكونوا من عرق واحد، ولم تكن هناك قومية آشورية، كما لم تكن هناك أيضاً قومية بابلية، وكما اليوم أيضاً، لا توجد قومية عراقية وقومية سورية. حول هذا الموضوع، دعنا نذهب إلى أحد المختصين، ألا وهو أحد أعظم أكاديمي العصر الحديث، العلامة الدكتور (ويل ديورانت) (Wil Durant) الذي ينسب بلاد آشور إلى عدة أعراق و منها الكورد، يقول في كتابه الشهير (قصة الحضارة) جزء الأول صفحة (469) عن سكان نينوى: كان ثلاثمائة ألف يسكنون في نينوى أيام مجدها في عهد آشور بانيبال، وكانوا خليطاً من الساميين الذين وفدوا إليها من بلاد الجنوب المتحضر مثل (بابل و أكاد) و من قبائل غير سامية جاءت من الغرب و لعلهم من الحيثيين أو من القبائل تمت بصلة إلى قبائل ميتاني، ومن الكورد، و يضيف أن الآشوريين هم خليط من الشعوب و ليسوا شعباً واحداً على الإطلاق، فيهم كل الأجناس الذين سكنوا قديماً بلاد ما بين النهرين تقريباً” انتهى الاقتباس. وهكذا الحال في بابل، حين كان الملك يخاطب أهل بابل يقول:” أيها الشعوب والأمم والألسنة”، كما جاء في كتاب (تاريخ بابل و آشور) المطبوع عام (1879) ص (32) لمؤلفه (جميل أفندي نخلة المدور) يقول:” وكانت بابل فيما تقدم من تاريخها مجمعاً لأمم من الناس وأجيال شتى قد تباينت أصلاً وعادات وكان الملك يخاطبهم بقوله أيها الشعوب والأمم والألسنة …” انتهى الاقتباس. وعن الهفوات التي ذكرها الكاتب كأنها حقيقة، يقول (ا.م. دياكونوف) في كتابه (تاريخ ماد) باللغة الفارسية، ص (425):” أن كزنفون اتبع نهج هيرودوت، وسمى مملكة بابل الجديدة بآشور” انتهى الاقتباس. ويقول كزينفون في كتابه رحلة عشرة آلاف مقاتل: في طريق العودة إلى يونان مرو بالقرب من خرائب نينوى لم يشاهدوا هناك غير قرى ميدية منتشرة في المنطقة. نرجو أن يلاحظ الكاتب بدقة هفوات هيرودوت، الذي أطلق على بابل اسم آشور، وهذا بسبب عدم تحمله عناء السفر و ذهابه شخصياً إلى تلك المناطق ليرى بأم عينه، لأنه تقاعس عن هذا العمل وكان يسأل الآخرين عن تلك المناطق والدول والأحداث التي جرت فيها ويدونها، حتى قيل عنه في مصادر كثيرة، أن كتابات هيرودوت تفتقر إلى الدقة والمصداقية، لأنه كان يدون كل ما مر على مسامعه دون تحري الدقة فيه. وأنا أقرأ هذه الجزئية، تذكرت قول الشاعر الكوردي المستعرب، معروف عبد الغني الرصافي (1875- 1945): ” وما كتب التاريخ في كل ماروت لقرائها إلا حديث ملفق نظرنا لأمر الحاضرين فرابنا فكيف بأمر الغابرين نصدق؟”

لقد جاء في (لغت نامه) للعلامة (علي أكبر دهخدا) ج (15)ص (23458) إن كتابات هيرودوت عن بابل وآشور غير منظمة، وأخذت طابع الحكايات والأساطير الخرافية، وينقل عن (أرسطو) في قوله عن هيرودوت: “أنه يسرد الأساطير” أي الخرافة والأكاذيب. وقال عنه المؤرخ الإغريقي، مواطن مدينة أثينا (توسيديد) الذي عاش بين (465- 395 ق.م.) “أن هيرودوت لا يكتب الحقائق”. وقال عنه (كتزياس) طبيب (داريوش الثاني) و(هردشير الثاني) “أن هيرودوت كَذّب في كتاباته عن كورش الكبير، وداريوش، وخشايارشا” وقال عنه (سيسرون) الفيلسوف الروماني وخطيبها، الذي عاش قبل المسيح بقرن: “أنه لا يكتب تاريخاً، بل يكتب أساطير”. لقد ذكرنا في سياق ردنا هذا، أن هيرودوت في مواقع عدة أطلق على بابل اسم آشور. لا شك أن هيرودوت اتبع هذا النهج الذي كان سائداً عند بعض الشعوب، حيث إن بعض أسماء الكيانات القديمة قد تبقى تتداول عندهم حتى بعد زوالها، على سبيل المثال، أن تسمية “رومي” ظلت سائدة بعد زوال روما بقرون عديدة، حتى الأمس القريب، سمت الشعوب المحيطة بالدولة العثمانية، الأتراك بالأروام. يقول المؤرخ الأرمني (إرشاك سافراستيان) في كتابه (كرد وكردستان) ص (29) “كان كل غازي يدعى رومياً” وجاء في كتاب سافرتيان أيضاً في ص (49)” نظراً لهوس هيرودوت بجعل كل شخص فارسياً، فإنه جعل گوبرياس فارسياً، وجعل آسپاثیانیس الأرمني فارسياً. وجعل ماردونيوس المنّاني الأصل ابناً لگوبریاس وعده فارسياً. وأخطاء أخرى عديدة وقع فيها هيرودوت ذكرت في کتاب سافراستیان. من الأسماء القديمة التي ظلت تطلق على البلدان بعد تغيير اسمها إلى الآن، إيران مثالاً، هناك من يسميها إلى الآن ببلاد فارس، والعراق إلى اليوم عند الطوائف المسيحية وغيرهم يسمى بلاد بين نهرين،الخ.

يزعم الكاتب كيواركيس:”والإستمرار الآشوري لم يكن مجرّد بشرياً، فالثقافة الآشورية استمرت في عهد الفرس والرومان حيث أعيد بناء معبد الإله آشور واستمرّت العبادة في معابد أخرى كمعبد الإله “سين” الذي كان يُعتبر أحد مراكز “الوحي” الديني والعسكري والسياسي للآشوريين(8)، والذي أعاد بناءه الملك نابونيد (539 – 556 ق.م) في العهد البابلي الحديث(9) بعد أن رأى الإله “سين” يناديه في الحلم لبناء هيكله، لينصره بالمقابل على مصر(10) ثم استمرّت ممارسة العبادة الآشورية فيه قبل مجيئ المسيح وعُرف من كهنته “بابا الحراني” الذي تنبأ بمجيء المسيح، واستمرّت العبادة في هذا المعبد حتى القرن التاسع الميلادي (11) حيث استمر الآشوريون في هذه المناطق على ديانتهم القديمة – فيما يذكر البروفسور سيمو باربولا بأن هذه العبادة استمرّت حتى القرن العاشر، قائلاً : ” تشهد المصادر التاريخية الحديثة في مدينة حرّان على استمرار عبادة الآلهة: سين، نيغال، بيل، نابو، تموز … وآلهة آشورية أخرى في القرن العاشر الميلادي وهناك أيضاً مصادر إسلامية حول ذلك. وقبل ذلك تمّ وصف الكهنة الآشوريين بقبعاتهم وزيهم المميّز، وذلك في المدوّنات الإغريقية- الرومانية التي اكتشفت في شمال سوريا وشرق الأناضول” (12)”.

ردنا: إن الكاتب النسطوري لكي يموه فكر القارئ، يذكر مصادر أجنبية غير معروفة، وليست في متناول اليد، وينسب لهذه المصادر أموراً غير صحيحة، والقارئ النبيه، يدركها منذ لحظة وقوع نظره عليها. يزعم الكاتب، أن هناك مصادر إسلامية تتحدث عن الآشوريين في القرن العاشر الميلادي، نتساءل هنا، لماذا لم يذكر الأستاذ الكاتب مصدراً واحداً من هذه المصادر الإسلامية! أنا أقول له لماذا، لأنه يعرف أن المصادر الإسلامية ليست مثل تلك المصادر الغربية التي يشير لها، لأنها في متناول اليد، ونستطيع أن نتفحصها ونفضح زعمه وتلفيقه؟. عزيزي القارئ، للأسف أن هذا الكاتب النسطوري لا يعير أي اعتبار للقيم والمبادئ والنزاهة التي تتطلبها مهنة الكتابة، بل يحرف الكلم عن مواضعه كيفما يشاء، دون أدنى وخزة ضمير، الأهم عنده، هو أن يقول للقارئ، إننا آشوريون، حتى ولو بالتزوير، رغماً على أنف التاريخ والمؤرخين. دعوني أنقل لكم إحدى التلفيقات النسطورية التي جعلت منهم أضحوكة العالم بأسره، ألا وهي سيمفونية موسيقية للموسيقار الإيراني (حسين علي زاده) باسم “نَى نوا” عزفتها فرقة الاوركسترا الإيرانية التابعة للإذاعة والتلفزيون الإيراني عام (1984) التي تحكي قصة مقتل (الحسين بن علي) في كربلاء، التي تسمى أيضاً بنينوى، وتوافق هذه السيمفونية مع ضحايا وكوارث الحرب العراقية الإيرانية. ألا أن هؤلاء النساطرة، كعادتهم، حبكوا قصة خيالية عن هذه السيمفونية الإيرانية، وزعموا أنها سيمفونية آشورية عثرت عليها في خرائب آشور وعزفتها فرقة فرنسية الخ، حتى حسم الجدل حولها و وضح لهم الأمر على حقيقته الأكاديمي الدكتور (خزعل الماجدي) و (سامي إبراهيم) الذي درس الموسيقى خمس سنوات، وغيرهما من المختصين في هذا المضمار، بأنها ليست مقطوعة آشورية قديمة، بل هي مقطوعة حديثة لمؤلف إيراني معاصر واسمها الحقيقي “نى نوا” وتعني بالفارسية “عزف الناي على مقام النوا” يقول الموسيقون أن مقام ال”نوا” فرع من مقام الكورد، كما أن مقام اللامي هو أيضاً فرعاً من مقام الكورد، ويقول الدكتور (خزعل الماجدي) إن سبب الاعتقاد بأنها من الإرث الموسيقي الأشوري، هو تقارب اسم “نينوى” مع “ني نوا” حيث اعتقد البعض، أنها ترثي سقوط الإمبراطورية الأشورية. يقول سامي إبراهيم،عن هذا الموضوع، أثناء كنت أبحث عن ملفات والوثائق لكي أتأكد أن “سيمفونية نينوى” هي سيمفونية تابعة لشعبنا – يقصد النساطرة- وسألت جميع المدرسين الموسيقيين الكبار وسألت أساتذتهم أيضاً، سألت كبار الملحنين وسألت كل من لاقيته في المعهد الذي درست فيه الموسيقى، وسألت القادمين من أوروبا والذين جاؤوا ليقدموا عروض موسيقية وخاصة الألمان والروس منهم، وحضرت عشرات الحفلات الموسيقية الكلاسيكية، بالإضافة إلى عروض الأوبرا وكنت انتظر إلى أن تنتهي الحفلة لأصافح العازفين والمؤدين، لأسألهم عن “سيمفونية نينوى” وعن مدى صحة أنها أشورية أو أنها أقدم سيمفونية، أو أنها أكمل عمل موسيقي أو أنها أكمل سيمفونية كما هو شائع في أوساط شعبنا – أي النساطرة- الجميع كان يجاوب بدون تردد أن هذه الموسيقى هي للملحن الإيراني الشهير “حسين علي زاده” ولا علاقة لها بمدينة نينوى إحدى العواصم الدولة الأشورية. لنذهب في ردنا إلى فقرة أخرى في الجزئية أعلاه، أكرر، إذا تنبأ الكاهن “بابا الحراني” بمجيء المسيح، والنساطرة قبل أن يعتنقوا بدعة نسطورس كانوا من المسيحيين المؤمنين، لأنهم اعتنقوا هذا الدين حسب بعض المصادر في القرن الميلادي الأول، السؤال هنا، لماذا لم تسمى كنيستهم حينها بالكنيسة الآشورية! لماذا بعد ألفي سنة اخترعوا لها اسماً مستعاراً “الكنيسة الآشورية”!!!.

” لو كان لي كالله في فلك يد … لم أبق للأفلاك من آثار وخلقت أفلاكاً تدور مكانها … وتسير حسب مشيئة الأحرار”

(رباعيات عمر الخيام)

محمد مندلاوي

 

 

 

 

عن الكاتب

عدد المقالات : 7502

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى