الامكانات المتناقصة مع الزمن؛؛ أزمة ام واقع حال مستمر؟! /بقلم د.علي عبد داود الزكي


نادي بابل


ان اهم اسباب الفشل الديمقراطي في مجتمعاتنا الشرقية هو ازدواجيةللانسان فيها. ان الازواجية اسبابها كثيرة ونتائجها السيئة كثيرة ايضا فهي سبب اساسي في العدوانية والصراعات الدموية التي لا تنقطع ابدا وهي التي تدفع مجتمعاتنا نحو التغيير القيمي والاخلاقي المستمر ونتائجها ما هي الا عبارة عن مسلسل متواصل من الازمات والتقلبات فلا معنى للاستقرار فيها وان الواقع الطبيعي فيها هو اللاستقرار اي ان اللاستقرار فيها لا يمكن ان نصفه بانهظرف استثنائي وانما هو واقع حال مستمر. ان هذا الازدواج ناتج عن عيوب اجتماعية يجب الاعتراف بها اولا قبل طرح اي افكار وبرامج تربوية لمعالجتها. ان العصبية القبلية وتجذرها حتى في فكر غالبية سكان المدن وعدم تنظيم الاسرة والازمات الاقتصادية هي من اهم اسباب نشوء الصراع بين المكونات الاجتماعية والعرقية والدينة والطائفية المختلفة في المجتمع مما يؤدي الى نشوء الازدواجية الفكرية والسلوكية المتناقضة للانسان فيما بين احترام سلطة القانون والنظام والمثل العليا وما بين حب الحياة والاعتداء والتنافس من اجل ذلك (وفق شريعة البقاء للاقوى) وهذه الازدواجية تميل الى خلق عدم الاستقرار النفسي بين ضدين صعب ان يتفقا الا في ظروف اقتصادية مستقرة وجيدة تدفع بالانسان الى احترام حقوق اخيه الانسان. ان الفوضى واللانظام المستمر والاضطراب وعدم الاستقرار الاقتصادي هي ما يثقل كاهل القوى التي تعمل من اجل الاصلاح والتطور والنمو والازدهار في الكثير من بلدان الشرق الاوسط حيث تبقى بلدانهم عاجزة عن تلبية احتياجات الانسان امام النمو السكاني الكبير فيها والذي يؤدي الى خلق ازمات جديدة ومتعاظمة مع الزمن. لذا تفشل اي خطة تنموية في معالجة احتياجات الانسان ويستعاض عن الخطط الاستراتيجة بالارتجالية السلطوية والتي ترسخ مفهوم الدكتاتورية وفكرة الاستحواذ القهري على السلطة. ان مفهوم الدكتاتورية هنا سيولد الكره المستمر للسلطة وبنفس الوقت احتياجات الانسان سيصعب توفيرها مع الزمن (الامكانات المتناقصة مع الزمن) لذا سيعيش الانسان حنينا شديدا للماضي الاكثر رفاهية. بينما اغلب بلدان العالم المتحضر تتقدم في كل يوم وتحقق رفاهيات متزايدة لمواطنيها الذين يتطلعون برؤية متفائلة جدا للمستقبل. ان هذا التناقض بين العالم المتحضر والعالم الشرقي بحاجة الى تاملات ومحاولات جادة من قبل المفكرين لغرض وضع اسس ثقافة اجتماعية جديدة يتم الاعداد لها لترسيخ مفاهيم جديدة بعيدا عن استهلاك القيم الانسانية وخرق قوانين حقوق الانسان لصالح استمرار الحياة بتراجع وذل على مختلف الاصعدة المادية والمعنوية.

ان الازمات وفقدان الخدمات والافتقار الى الاساسيات يؤدي الى نشوء مافيات وعصابات الجريمة التي تغتصب ارادات المجتمع لتكون مراكز قوة (تسلط) يخشاها المجتمع (هنا قد تكون هذه القوى عبارة عن قوى دينية اوعشائرية اوحزبية او مناطقية او طبقية) وهذه المافيات سيكون لها دور وتاثير قوي في تحديد ملامح السياسة الداخلية للبلد. ان الحكومة وفق القانون تريد من يساعدهاويفضح مثل هذه المافيات والعصابات، وبما ان غالبية الناس بسطاء ولا توجد قوة امنية حكومية نزيهة وشجاعة كافية لحمايتهم فانهم يضطرون لتجنب المغامرة ولا يعطوا اي مساعدة للسلطة ولا يساعدوا ابدا في كشف المجرمين ولا يتقدموا باي مبادرة شجاعة لحل اهم المشاكل التي يواجهوها البلد الا وهي نهب ثرواته وكسر القانون وعدم احترام حقوق الانسان من قبل العصابات والمتنفذين (سلطة الشارع) في الدولة. ان توفر القليل من الحرية والديمقراطية للمواطن فانه سيجعله ينفجر بكل غضبه اتجاه الحكومة العاجزة المتفرجة ويتجنب المساس بسلطة الشارع (التي تتحكم بالشارع وتظلم الناس البسطاء وتقسو عليهم). ان هذه الازمات وتداعياتها على الفرد ستجعله يعيش تناقضات وصراعات كبيرة تتؤسس وترسخ فكر الازدواجية في المجتمع وتصبح الاخلاق والتعاليم السامية والنبيلة في جانب والواقع الاجتماعي الذي يعيشه في جانب اخر. نرى الانسان يصبح فعالا بالانتقاد الهدام وفاشلا في الانتقاد البناء واغلب النقاشات الاجتماعية لامور البلد تكون عبارة عن ثرثرة فارغة لا معنى لها ولا يرجى منها شي ولا يتبلور عنها راي فعال ممكن ان يمهد للاستقرار ولا تهدف الى وضع حلول ناجعة وفعالة لانقاذ البلد من الانهيار. ان عامل الخوف يجعل الانسان في حالة خنوع وخضوع ويبدي تناقضات في سلوكه وكلامه وفعله.

ان الانسان الشرقي البسيط لكي يحافظعلى حياته مع شيء بسيط مما يمكن ان يناله من حقوق سوف يخضع ويخنع ويصبر ويسكت ويداهن كثيرا، لانه اذا لم يفعل ذلك فانه سيعاني الاسوء وهو فقدانه كل مقومات تواصله بالحياة وبالنتيجة سيكون هو الخاسر الاكبر من التزامه بالمثاليات والقوانين العاجزة عن حمايته. هنا الانسان لايفكر بالربح وانما يفكر بتقليل الخسائر لان الحكومة عاجزة وسلطتها لا تستطيع ان تحمي الانسان من ظلم وجور الفاسدين الحكومين  وغير الحكوميين والمارقين في الشارع. وما بين هذا التخبط كله سيتولد الرفض المستمر للسلطة العاجزة والتي سيزداد الفاسد ويتعاظم في هيكلية بنائها. ان الديمقراطية في مثل هذه الظروف ستكون عبارة عن هيكل خاوي فارغ لا معنى له. ان الانتخابات بظل الفوضى وعدم وضوحية الرؤية وضياع الحقائق والخوف وعدم الثقة سترجح كفة تسلق الانتهازيين. حيث ان الجهل والقوى الفوضوية سيتمخض عنها ولادة ديمقراطية عاجزة وفاشلة لانها بدون اسس صحيحة وسليمة. ان الكثير من المناضلين او الذين حملوا ماساة الانسان العراقي في فترة ما من تاريخ النضال تقدموا لتحمل المسؤولية في عراق ما بعد سقوط الصنم وبعد ان وصلوا كراسي السلطة وجدوا انفسهم اعجز من ان يقدموا حلا لابسط مشاكل المجتمع العراقي لا بل انهم تدريجيا تحولوا من سلطة حماية الشعب الى السلطة الارتجالوالتي لاتنظر نظرة استراتجية بل انها تعمل على اطفاء نيران مشاكل المجتمع المرحلية لتخلق مشاكل مستقبلية اكبر لتحمل الاجيال القادمة اخطاء هذه المرحلة وتزيد من تعقيد المشاكل المستقبلية لصالح الحلول الارتجالية الانية المدمرة وغير الواقعية على المدى البعيد وهذا ما يمكن ان نعتبره اكبر كارثة توجه الجيل القادم. (طبعا هنا تجنبنا الخوض في التدخلات الخارجية واستثمرها لازمات المجتمع ونقاط ضعفه وتاثيرها على تشكيل انظمة الحكم الفاشلة وتدعيم نفوذ العملاء المفسدين).

هنا يصعب التوصل الى حل وسيكون هناك استمرار بالترجع وزيادة الظلم والحرمان وزيادة اعداد مافيات التسلط التي تسرق قوت الشعب واستمرارها الى الحد الذي لايمكن تحمله مستقبلا الا بخسائر وذل اكبر للانسان العراقي ، مما قد يولد الانفجار الشعبي في لحظة ما او سيشجع من يمتلك قوة قادرة على التغيير (الجيش مثلا ) لاحداث التغيير. ان اي بذرة تغيير قد تحمل معها الامل بالخلاص، لذا فان الانسان العراقي سيساند التغيير لان فيه ولادة لامل جديد بتحقق امنياته. لكن غالبا ما ترفع الامنيات الجماهيرية كشعارات مرحلة مؤقتة للتغيير فقط وتنسى فيما بعد وذلك للاسباب التي تهدف لها هذه المقالة. ان السلطة مهما كان نهجها:سواء كانت وطنية فانها يجب ان تعمل على حل مشاكل المجتمع والتي اغلبها اقتصادية. اما المشاكل السياسية والعرقية والطائفية فهي مشاكل سهلة ومن الممكن السيطرة عليها في حالة ايجاد الحلول الاقتصاية المناسبةوالتوزيع العادل للثروة الوطنية. ان المشاكل الاقتصادية هي اصعب مايواجه الحكومات في اي دولة لاتمتلك اقتصاد يؤهلها الى توفير الغذاء وفرص العمل والخدمات الاساسية للمجتمع. لذا فان هذه الدولة ستكون عاجزة ستنهار حتما في لحظة ما. اذن الحل سيبدا من معالجة الاقتصاد وتوفير فرص العمل والعدالة الاجتماعية في توزيع ثروات البلد.

ان اصعب ما يواجه النمو الاقتصادي هو نمو احتياجات المجتمع بشكل اكبر مما يمكن استيعابه. فمثلا ان مجتمعات  الدول الاوربية مستقرة تقريبا ولاتحتاج خطط مستقبلية مرهقة للتوسع في البناء لان مجتمعاتها مستقرة والنمو السكاني فيها بسيط جدا لذا فان مدن وقرى هذه الدول ليست بحاجة للتوسع لكنها غالبا مايتم تطويرها لغرض توفير رفاهيات اكثر للمجتمع. اي ان المجتمع ليس بحاجة الى التوسع في بناء المدارس لاستيعاب اعداد الطلبة الجدد لان المدراسالمتوفرة كافية جدا بالنسبة لنموهم السكاني البسيط جدا. اما في مجتمعاتنا فانذلك غير ممكن لان النمو السكاني كبير جدا وهو سبب في تعاظم احتياجات المجتمع مع الزمن. فمثلا المدراس اليوم لاتكفي  لاستيعاب اعداد الطلبة الجدد ولو وضعت الدولة خطة لمعالجة ذلك ستنفذ في مدة  5 سنوات وبعد التنفيذ ستكون عالجت المشكلة فيما قبل 5 سنوات وستبقى الازمة قائمة لان الاحتياجات اصبحت اكبر بكثير مما كانت هي عليه قبل 5 سنوات. اي ان الاحتياجات تتعاظم ويصعب توفيرها مع الزمن. كما ان التوسع في البناء غالبا ما يكون افقي مما يقلص امكانية تطوير الخدمات الاخرى وتوفير رفاهيات جديدة للمجتمع هذه المعضلة الشرقية ناجمة عن النمو السكاني الكبير في مجتمعاتنا التي تتناقص مواردها الطبيعية(خصوصا الثروة الزراعية والمياه) مع الزمن. ان هذا يعتبر من اهم عوامل تناقص الخدمات التي ممكن ان تقدمها الدولة للمواطن. لذا فان الحكومات المتتابعة سوف لا يمكنها ان توفر خدمات ورفاهيات اكثر من المتوفر وبذلك سوف يكون هناك تناقص مستمر بالخدمات والحقوق مع الزمن. لذلك فان الشرقي دائما ينظر نظرة مشرقة للماضي بينما الاوربي عكسه تماما ينظر نظرة مشرقة متفائلة للمستقبل.

ان النمو السكاني الكبير يخلق مشاكل اضافية اخرى وهي تسببه في خلق الفوضى الدائمة والتي تكون ناتجة عن الجهل الاجتماعي الكبير المسيطر على الشارع وذلك لكثرة غير المتعلمين او غير الناضجين فكريا (وهم جيل الابناء الذين هم في طور التعلم واعدادهم كبيرة جدا ونسبتهم تتجاوز 60% من المجتمع) ان اعدادهم كبيرة جدا واغلبهم  غير مستقلين اقتصاديا وبلا عمل. وهم ينقسمون الى قسمين القسم الاول وهم صغار السن يحتاجون تعليم وعناية تربوية كبيرة وهذا طبعا يصعب توفيره بشكل مقبول في اغلب مناطق البلد لاسباب كثيرة منها اجتماعية وثقافية واقتصادية والتي من الممكن بان لا نصفها بانها سبب وانما نتيجة لسبب يعود الى الجهل والفساد اضافة الى معضلة النمو السكاني. لذا نراى الكثير من صغار السن ينطلق للشارع بحثا عن عمل ويترك الدراسة مما يسبب زيادة اللانظام والفوضى في المجتمع. والقسم الثاني منهم وهم الفتية والشباب المندفعين الذين يبحثون عن عمل واستقرار واستقلال اكثر والحكومة غالبا ما تعجز عن توفير فرص عمل حقيقية لهم. ان الحكومة غالبا ما تتخذ قرارات ارتجالية وتعمل على استخدام الكذب والمكر الاعلامي لغرض اسكات الفتية واستغلالهم باطلاق الوعود الكاذبة ايام الانتخابات لغرض دفعهم لانتخاب قوائم المتسلطين. حيث ان الراي الانتخابي للشارع العراقي محكوما براي هذه الفئة الاجتماعية والتي نسبتها الكبيرة وتاثيرها اكبر في خلق ثقافة المجتمع العامة. ان دور هذه الفئة كبير في اعلام الشارع لذا فان اي فئة سياسة تستطيع ان تناغم عوطف هذه الفئة (قليلة التجربة في الحياة وذات الرؤى الخيالية وغير واقعية) ستكون هي الرابحة بالانتخابات. كما ان تربية وتعليم هذه الفئة العمرية (غير الناضجة) مكلف جدا.

اما الناضجين  فكريا (المربون جيل الاباء وهم المعلمون فدائما اعداده قليلة مقارنة باعداد غير المتعلمون). وسبب ذلك هو ان نسبة اعداد المتعلمين الى اعداد غير المتعلمين قليلة اي ان نسبة جيل الابناء ( الذين يحتاجون تعليم وتربية) الى جيل الاباء (المربون) هي نسبة كبيرة (هذه النسبة معكوسة تماما في اغلب الدول الاوربية). ان هذه الفئة المجتمعية تتحمل اعباء كبيرة وتعاني من ضغوط شديده تجعلها ارتجالية في اتخاذ القرارات وغير قادرة على توجيه المجتمع بكفاءة ومنطقية معقولة وانما تبقى تعمل بالحلول التوفيقية تحت الضغوط المختلفة فيما بين المهم والاهم والممكن وغير الممكن ايمانا منها بان معقولية الحياة لا تعني بالضرورة النظام والمثالية.

نؤكد هنا بحاجة مجتمعاتنا الى فكر اجتماعي جديد ونحتاج الى ان يقوم المفكرون وعلماء الدين باخذ دورهم في توجيه المجتمع لغرض تنظيم الاسرة اولا لتجاوز ازمات المستقبل وتقليلها قدر الامكان. ان تنظيم الاسرة يرسخ القيم التربوية السليمة ويحد تدريجيا من الروح القبلية والعصبية العشائرية ويرسخ سيادة القانون والنظام واي مجتمع يترسخ فيه القانون والنظام فانه سيكون بالاتجاه الصحيح للديمقراطية والتحضر وسيتغلب المجتمع على الفوضى واللانظام. يمكن ان نستنتج من ملاحظتنا البسيطة للبيئات الاجتماعية العراقية المختلفة اين يمكن ان نرى النظام واحترام القانون واين يمكن ان نرى الفوضى وعدم احترام القانون. بالتاكيد في المناطق التي تعمل على تنظيم الاسرة نرى النظام وقلة المشاكل الاجتماعية بينما نرى في المناطق الاخرى خصوصا المناطق ذات الكثافة السكانية الكبيرة نرى الفوضى واللانظام ونرى تعاظم المشاكل الاجتماعية ونرى وجود سطوة كبيرة للسلطة العشائرية ايضا. اننا اليوم نريد بناء مجتمعا عادلا يخضع للقانون فيه القوي قبل الضعيف نريد قانونا قويا يحاسب المخطيء سواء كان وزيرا او مستخدما (فراشا) نريد مجتمع سليم معافى من كل الامراض والعلل الاجتماعية لكي نستطيع ان نؤسس الى حكومة ديمقراطية عادلة لا انتهازية فيها. نحتاج ذلك ويجب ان نعمل ونعد البرامج التربوية الكبيرة والمتواصلة لاجل خلق الظروف المناسبة للوصول الى ذلك. لذا قبل النظر في اي مشاكلة او ازمة اجتماعية تعجز عن حلها الحكومة اليوم: يجب ان نتفكر بكيفية علاجها ويجب ان نميز بين السبب والنتيجة ويجب معالجة السبب قبل الذهاب لانتقاد النتيجة.

قلنا راينا ونتمنى نثير ونستفز رؤى النقاش الهادف المثمر لبناء عراق جديد ونحترم كل الاراء المخلصة التي تدفع باتجاه رفع شان الانسان العراقي. نتمنى ان تتشابك الرؤى لتنسج خيمة فكرية لامة العراق الجديد تدفعه للتخلص من كل تراب وغبار المراحل السابقة التي لصقت به.

د.علي عبد داود الزكي

عن الكاتب

عدد المقالات : 7514

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى