الأمراض المزمنة للجمهورية التركية


عبدالغني علي يحيى
عبدالغني علي يحيى

نسبت صحيفة توركيش ديلي نبوز التركية التي تصدر باللغة الانكليزية قبل فترة تصريحاً الى رجب طيب اردوغان تضمن تحذيراً إلى مسعود البارزاني رئيس اقليم كردستان العراق من مغبة السعي لأقامة منطقة حكم ذاتي لكرد سوريا الذين يقارب عددهم الثلاثة ملايين نسمة، وهكذا تصريح ليس الأول من نوعه يصدر عن مسؤول تركي رفيع المستوى سواء في حكومة حزب العدالة والتنمية ذو(التوجه الاسلامي) أو الحكومات العلمانية العسكرية التي سبقتها، فقبل شهور من الان كرر المسؤولون الاتراك اكثر من مرة رفضهم لأقامة كيان كردي سوري على غرار الكيان الديمقراطي الكردي في كردستان العراق. وفي ظل الحكومات التركية العسكرية السابقة فان قادة تلك الحكومات وفي مختلف العهود، كانوا يؤكدون على الرفض نفسه بين حين حين، حتى بلغ الرفض على ايديهم حد القول، ان تركيا ستقضي على أية دولة كردية حتى لو قامت في الارجنتين!!
بلا شك، ان افكاراً همجية كهذه تقطر العنصرية والحقد الدفين، تتقاطع مع قيم الحرية والديمقراطية ومبادئ حقوق الأنسان، سيما في هذا القرن والذي سبقه كذلك، راحت (الافكار) تتجذر بقوة في الخطاب التركي والعقلية التركية وبهذه الأفكار التي قلما نجد نظيراً لها، تجاهد الجمهورية التركية لنيل العضوية في الاتحاد الاوروبي الذي يضم في صفوفه أرقى الديمقراطيات في العالم والتي تتعامل بمنتهى الانفتاح على حقوق شعوبها بما في ذلك الانفتاح على الدعوات االانفصالية لبعض منها، كدعوات اسكتلندا للانفصال عن بريطانيا وكتالونيا عن اسبانيا وفينيسيا عن ايطاليا و في امريكا الشمالية كيبك عن كندا.. الخ وبرفض تركيا الدائم لحق الكرد في تقرير المصير، فان الحكام الاتراك يوجهون بذلك طعنة نجلاء الى هيبة وسمعة بلدهم ويقدمون صورة بشعة عنه ليس امام الملايين الكردية فحسب بل العالم المتحضر برمته، بشكل يصعب التمييز بين الجمهورية التركية في سياستها حيال الكرد عن السياسات العنصرية لدولتي جنوب افريقيا وروديسيا (زمبابوي حاليا) ازاء السود. وفي اقامة تركيا لكيان مستقل للقبارصة الاتراك عام 1974 الذين لم يكن يتجاوز عددهم ال50 الف نسمة وتحذيرها وتهديدها لأقامة دولة للشعب الكردي الذين بربو عدد أفراده على ال 45 مليون نسمة، منتهى العنصرية والعداء لحقوق الأنسان.
وتكاد تركيا، جراء مواقف حكامها القدامى والجدد، ان تكون المعقل الاخير للأفكار العنصرية السوداوية في عصرنا، مما جعلها تسقط من اعين امم الدينا كافة، ولا يغيب عن البال ان المشكلة القبرصية التي اختلقها الحكام الاتراك عام 1974 من الاسباب التي تحول دون قبولها في النادي الأوروبي، ويبدو ان من الصعب على تركيا أن تتخلص من تلك المشكلة التي تدخل عامها ال 39 بحلول عام 2013 أما عداءها للكرد فهو مزمن، كأي مرض مزمن، ولا بارقة أمل في الافق لأزالة ذلك العداء.
ان الحكام الاتراك لا يتوقفون عند الحد الذي ذكرناه في الاساءة الى سمعة بلدهم وشعبهم وتقديم صورة مشوهة عنهما للأسرة الدولية، بل انهم ماضون في ترسيخ تلك الاساءة والصورة، فها هم يخططون منذ اعوام لحبس المياه عن العراق والحاق الأذى بشعوبه عن طريق سدود على وشك الانجاز وتحقيق مقولة شهيرة للراحل سليمان ديميرل وهي: (سيكون كل برميل ماء لنا مقابل برميل نفط للعراق)! والذي يخالف القانون الدولي الذي هو لصالح العراق ولاريب ان هذا المخطط الذي لا تتراجع تركيا عن تنفيذه سيثير سخطاً هائلا من جانب الشعوب العراقية عليها، ومثلما نجد عدم استعداد لديها للتراجع في القضيتين الكردية والقبرصية فانها لن تتراجع عن تنفيذ مخططها ذاك رغم صرخات العراقيين والسوريين ايضاً الاحتجاجية عليها.
ومن الأسباب التي تجعل من الاحتجاج المشروع قائماً ضدها، رفضها المتواصل للاعتراف بالمذابح الجماعية التي نفذتها الامبراطورية العثمانية ضد الأرمن والتي راح ضحيتها اكثر من مليون ونصف المليون أرمني، من دون وجه حق . ان القضية الارمنية بدورها ستلاحق الجمهورية التركية، وتجثم على صدرها كالكابوس، فالشعب الأرمني وكل الأمم المتحضرة خصوصاً أمم اوروبا لن تصمت على تلك المذابح.
ويرتكب خطأً من يذهب به الاعتقاد الى ان حكومة أردوغان من أفضل وأحسن الحكومات التي حكمت تركيا منذ قيام الجمهورية التركية عام 1923 ، فهذه الحكومة كما الحكومات السابقة لم تتخلص من الامراض المزمنة التي تفتك بها جراء سياساتها مثلما فتكت بسابقاتها، الامر الذي يزيد من عجز تركيا في المستقبل المنظور، وهذا ما لا نريده لشعوبها. ويتلخص عجزها وضعفها في الكثير من الوقائع التي مرت بها في الشهور والسنوات الاخيرة فهي اخفقت في القضاء على الثورة الكردية في شمال كردستان (كردستان تركيا) والطريف ان اخفاقها دفع بها الى توسيعها لدائرة المصادمة ضد الشعب الكردي اذ انها منذ اكثر من (20) سنة تقوم باعتداءات متواصلة على اقليم كردستان العراق دفعت في النهاية بالشعب الكردي ان يتظاهر في مدن اربيل والسليمانية ودهوك ومعظم المدن الكردستانية الاخرى ضد تركيا والتضامن مع الشعب الكردي سيما السجناء المضربين عن الطعام في تركيا، كما أن السياسة التركية المتسمة بالعنجهية قاربت بين الاطراف السياسية في كردستان العراق لاجل التغلب على خلافاتها فالتوحد ضد حكومة أردوغان، ويتلخص عجزها في أمور اخرى كذلك، مثل، انه عند قيام البحرية الاسرائيلية بالتصدي لسفينة مرمرة التركية بالقرب من سواحل غزة وقتلها ل11 بحارا وعاملا تركيا على متنها وحمل السفينة الى التراجع فضلا عن الأهانة الكبيرة التي وجهتها اسرائيل الى السفير التركي لديها فتحديات اسرائيلية اخرى لتركيا. ازاء كل هذه الاهانات، اكتفت حكومة أردوغان بتحذير اسرائيل من مغبة التمادي في اختبار الصبر التركي. وفيما بعد عندما اسقطت المضادات الجوية السورية طائرة تركية قبل شهور، فان تركيا وجهت تحذيرا الى الحكومة السورية تضمن الكلمات عينها التي وردث في التحذير الذي وجهته الى اسرائيل، والان وكما بينا في مستهل هذا المقال، جاء دور كردستان العراق لتتلقى تحذيرا تركيا بل وهجمات عسكرية لافتة، يكفي ان نعلم ان نشاط الثوار الكرد في شمال كردستان، اصبح اقوى من ذي قبل وبما لا يقاس في ظل حكومة أردوغان ويوماً بعد اخر يزداد ذلك النشاط على مختلف الصعد.
ويوماً بعد يوم تتخذ الهزائم التركية اشكالا شتى احداها طلب انقرة من حلف الناتو نشر الصواريخ من نوع (باتريوت) على طول حدودها مع سوريا لكي تحميها (تركيا) ممن، من سوريا طبعاً!! وهي أي تركيا بالأمس القريب حذرت سوريا بالكف عن (إختبار الصبر التركي)، وها هي تعود لمطالبة الناتو بحمايتها منها!! واذا مضى الحال على هذا المنوال، ودخلت تركيا من ضعف الى ضعف، فليس ببعيد ذلك اليوم الذي لا بد وان تطلب تركيا من الناتو حمايتها من ضربات الثوار الكرد.
ويعلم الحكام الاتراك، ان المخاطر تحيط بهم من كل جانب اكثر من علم غيرهم بها، وتجلى ذلك في دعوة لأردوغان للاتراك الى الوحدة ورص الصف للرد على من سماهم ب(مدبري المخططات السوداء) !! التي تستهدف البلاد التركية على حد مانسب اليه، واستخدام اردوغان في دعوته الخطاب نفسه لحكام عرب اسقطهم الربيع العربي او الذين بانتظار السقوط.
ليس من الصعب على اردوغان انقاذ تركيا من الازمات المزمنة التي تعانبها وتضيق الخناق عليها، والحكومة التركية شاءت أم ابت، فانها تحولت منذ إندلاع الثورة الكردية فيها الى بؤرة للتوتر تهدد السلم الاقليمي وتجر بالضرر عليها قبل غيرها، ولن يتم الانقاذ إلا عبر الاقرار بحق كرد تركيا في تقرير المصير، وحل المشكلة القبرصية والاعتذار للأرمن عن مذابح الامبراطورية العثمانية بحقهم ومراعاة الحقوق المائية لجارتيها العراق وسوريا .. الخ.
ان تركيا كأي من دول العالم الثالث التي في معظمها ضعيفة، اعتمدت في بقائها منذ العام الأول لتأسيسها كجمهورية على الصراع الغربي – السوفيتي السابق، واعتمدت لعقود من السنين على المساعدات الامريكية السنوية لها، اما الان فان الفضل في بقائها موحدة يعود الى الصراعات المريرة في الدول المجاورة لها : ايران والعراق وسوريا على وجه الخصوص، مع عدم زوال الصراع الامريكي – الروسي الاتحادي. والذي لا يختلف فيه اثنان ان اسباب البقاء التركي معرضة الى الزوال، عليه فأن على الحكومة التركية ان تراجع حساباتها وتنسجم او تتأقلم مع روح العصر وتضع مصلحة شعبها فوق كل، اعتبار وتتخلص من الازمات التي ولدتها سياساتها، وإلا فأنها لن تكون بمنأى عن العواصف الهابة على المنطقة.

عبدالغني علي يحيى

عن الكاتب

عبدالغني علي يحيى
عدد المقالات : 161

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى