الألقاب حـواجـز تحَـجِّـم مكانة العـظـماء


مايكل سيبي
مايكل سيبي

 

الشخـصيات العـظـيمة لا تـبالي بالألـقاب

في عام 1992 وصلت أثينا وتـطـلب الأمر مني مراجعة طـبـيب الأسنان فـذهـبتُ إلى أحـدهم إسمه اليوناني ــ Yani حـنا ــ دخـلتُ عـيادته وسلمتُ عـليه بالإنـﮔـلـيزية ولكـن بالطريقة العـراقـية : مرحـبا دكـتـور ياني …. بقـيتُ منـتـظراً دَوري ولاحـظتُ المراجعـين القادمين ينادونه بعـبارة ــ Yasoo  Yani ياسـو ياني ــ ولما لم أكـن أعـرف شيئاً عـن اللغة اليونانية خـمَّـنتُ أن معـنى كـلمة ياسـو = دكـتـور …. إذن : ياسـوياني  = دكـتـور ياني … ولكـن عـنـد إستمرارية الحـديث بـينهم إخـتـفـتْ كـلمة ياسـو وإقـتـصرتْ عـلى ياني فـقـط ، فـقـلتُ في نـفـسي إن اليونانيّـين ليسـوا مؤدّبـين ولا متـربّـين ولا يحـتـرمون الطبـيـب وإتهـمتُ الغـربـيّـين كـلهم دون أن أعـرفهم ، منـطلقاً من أنـنا نحـن العـراقـيّـين أكـثر كـياسة وإحـتـراماً وثـقافة وتـقـيـيماً لأصحاب الكـفاءات والمكانات حـين نـقـول لأحـدهم : أستاذدكـتـورسـيـدشـيخ .

مكـثـنا خـمس سنـوات في أثـينا تـطـلبتْ الحال خلالها أن نـتابع أمرنا في دوائر حـكـومية عـديـدة ، رأينا خلالها اليونانيّـين يخاطبون ذوي الشأن والمسؤولية بذات النهج الـذي نـوّهـتُ عـنه ، أي بـدون مصطلحات سـيـد أو أستاذ أو دكـتـور أو حـتى كـلمة أخي !! …. ثم عـلمتُ أنهم ليسوا سـيِّـئين وإنما تلك هي طبـيعـتهم وتقالـيـدهم .

وصلنا إلى وطنـنا الثاني أستراليا في عام 1997 وتـطبَّعـنا فـيها ومن كـثرة مراجعاتـنا لـدوائر رسمية وأهـلية ، لاحـظـنا أن الألقاب تكاد تكـون ملغـية تماماً إلاّ عـنـد اللقاءات الرسمية مثـل جـلسة الـﭘـرلمان أو المؤتمرات ….. أما في المـدارس والجامعات مثلاً فإنَّ معـظم مـدرسي المدارس … وجـميع أساتـذة الجامعة يرفـضون أن يُـنادى إليهم بلقـب مرافـق لإسمهم ، أما نحـن فلا نـزال عـلى عاداتـنا مع الطبـيب ، ومن خـبرتـنا العـملية في أستراليا لاحـظنا أنه إذا سَها أحـدهم أو أخـطأ ونادى أستاذه الجامعي بلـقـب ما أياً كان ، فإنه يـذكــِّـره بعـدم رغـبته بـذلك والإكـتـفاء بالإسم فـقـط … وحـﭼـي بـيناتـنا فإنهم لا يستـخـدمون كـلمة ــ أخي ــ أيضاً إلاّ الغـرباء أمثالـنا !! كما لاحـظـنا الأكـبر سـناً حـين يخاطب الأصغـر يستخـدم تعابـير حـنـونة مثل honey ,  sweetheart , darling … أو الأعـلى شأناً يكـلم الأدنى مستخـدماً كـلمة  Sir دلالة عـلى الـتـواضع ! التي لـن نـرى مثـلها في العـراق أبـداً .

من جانب ثاني ، نحـن الشرقـيون عاطفـيون في مخاطبة بعـضنا الـبعـض ونـكـثر من مصطلحات المودّة مثل : أخي ، عـزيزي ، بَعـد عـيني ، ولـيـدي ، عـمي ، إبني … ثم للإحـتـرام نـقـول : شيخ ، أستاذ ، سـيـد ، … وفي العـسكـرية لا يرضى الضابط لو خاطبته بأعـز ما عـنـدك حـتى بحـياتك إلاّ ! بكـلمة سـيدي …. أما الطبـيب في العـراق فـحـدّث عـنه ولا حـرج ، إنه يشعـر بإهانة إذا ناديته بإسمه ، إلاّ دكـتـور فلان … وهـكـذا الإستاذ في المدرسة والجامعة نـقـول أستاذ ، دكـتـور ، ست ، دكـتـورة … لأنـني إذا قـلتُ لأستاذي في العـراق شـلونـك عـبـد الحـميـد أو أخي عـبـد الحـميـد ! مثلاً ، فإنه سيقـول لي : شـنـو آني صديقـك ، أنت تعـرفـني من ﮔـبـل ؟ .

أما بـين الأصدقاء وبعـد تـطـور العلاقة بـينهم فـينـتـقـلـون إلى مرحـلة الأحـباب فإن كـثيراً من كـلمات المخاطبة تـذوب في حـديثهم ، ليس من قـلة الأدب وإنما زيادة فـيه وحـباً برفع الحـواجـز وإزالة المعـوقات الكلامية لـتسهـيل المهمة .

لنـنـتـقـل إلى مثال آخـر :

مَن منا لا يعـرف آينـشـتاين ؟ فـهـل إكـتـسب شهـرته وإعـجابنا به من  دكـتـوراه شهادته ؟ وهـل هـناك مَن يسميه الـدكـتـور آينـشـتاين ؟  هـل هـناك مَن يناديه بـ يا حامل جائـزة نـوبل آينـشـتاين ؟ .. كلا ، ولكـن لماذا ؟ الجـواب : لأن إسمه إشتـهـر ولم يعـد بحاجة إلى صفة أو كـلمة كي يعـرّف نـفـسه إلى من يهمه الأمر .

 هـناك نمط آخـر من العادات حـيث يلـقـب الشخـص بإسم أبـيه أو جـده لشهـرته مثل : بـوش الأب ، بوش الإبن … وفي حالة كـلينـتون … لا نـدري مَن المقـصود : بـيل .. أم .. هـيلاري !.

وهـنا أتـذكـر نكـتة قـرأتها في نهاية الستينات مفادها أن رجـل الأعـمال رئيس مؤسّـسة ــ روكـفِـلر ــ في نيويورك جـون روكـفـلر سافـر إلى ﭘاريس وحجـز له شقة بفـنـدق ، أما إبنه جـون ويلقـب بـ جـون روكـفـلر الإبن ! فـقـد حجـز له جـناحاً كاملاً ، ولما سأله الصحـفـيون عـن سبـب ذلك ، قال مازحاً :

إبني هـو إبن روكـفـلر رئيس المؤسسة ! أما أنا فإبـن مَن أكـون ؟

إن المقـطع الثاني من إجابة الأب تـدل عـلى الـتـواضع ظاهـرياً ، أما المقـطع الأول منها فإنها تـشير إلى إفـتخاره بنـفـسه .

ولكي لا أطيل الكلام أكـثر ، أقـول أنـنا نعـرف غـبطة الـﭘـطريرك لـويس ساكـو سـبق أنْ حـصل عـلى عـدة شهادات جامعـية أكاديمية رفـيعة ولكـن لا نخاطبة بالقـول : دكـتـور لـويس !! وإذا قال أحـدهم أن كـلمة ـ غـبطة ـ هي الـبـديلة … أقـول نعـم ولكـن لاحـِظـوا غـبطته في المؤتمر وهـو معـرَّف بإسمه فـقـط لا غـير ، فـهـل قـلل من قـيمته ؟ .

   Displaying لويس.jpg

الـﭘـطريرك ساكـو في المؤتمر يعـرّف نـفـسه بإسم : L. SAKOبـدون DR.  !!

والخلاصة : إن وعي الشخـص الراقي بفـضل تعـبه في طلب العـلا وسهـر الليالي يجعـلانه يتـناسى الألقاب الطنانة ويتـواضع أمام بني البشر دونما حاجة إلى كـلمات رنانة في تعـظيم نـفـسه ، فـتبقى منـزلته محـفـورة في قـلوب أحـبته .

بقـلم : مايكـل سـيـﭘـي / سـدني

عن الكاتب

مايكل سيبي
عدد المقالات : 470

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى