إرتفاع وتيرة العنصرية والكراهية الخطر الحقيقي في العراق/الدكتور منذر الفضل


نادي بابل

من المعروف ان المجتمعات الديمقراطية والتي تتبنى نهجا سلميا تداوليا للسلطة بين الاحزاب والحركات السياسية والشخصيات المستقلة لها برامج سياسية مختلفة ومتباينة تهدف الى خدمة الانسان اولا في الوطن وتزرع وترسخ القيم الخيرة مثل نشر التسامح ونبذ الثأر والانتقام بتفعيل دور القانون والاحترام الطوعي له وترسيخ اسس التعايش القومي والتسامح الديني والمذهبي ومنع التطرف والتعصب وغيرها من القواعد الاخلاقية السامية , ولا يمنع ذلك من وجود تباين واختلاف في برامج هذه القوى السياسية التي تدير الحكم في الدولة ضمن ضوابط اخلاقية يجيزها الادب السياسي وحق الاختلاف والحوار .

غير ان هذا – وبكل أسف  – لم يحصل منذ سقوط النظام الدكتاتوري في العراق , اذ يظهر للقارئ والمتابع للشأن السياسي العراقي ارتفاع وتيرة التعصب العنصري وانتشار الكراهية وارتفاع الدعوات للتطهير العرقي ضد الكورد قوميا وضد المسيحيين والصابئة المندائيين والايزيدية دينيا وضد السنة مذهبيا وبروز ظاهرة التفرد في السلطة وادارة الدولة والابتعاد عن القيم النبيلة مما يشكل انحدارا شديدا نحو الهاوية بسبب الابتعاد عن اسس الديمقراطية المعروفة وعن مبادئ التسامح والحوار وحق الاختلاف والتعايش الذي يجب ان يسود بين المواطنين مهما كانت قومياتهم واديانهم ومذاهبهم ومعتقداتهم .

ولا شك ان المسؤولية الدستورية والاخلاقية والوطنية الاولى تقع على الرئاسات الثلاث , مجلس الرئاسة و مجلس الوزراء و مجلس النواب فضلا عن دور منظمات المجتمع المدني والمثقفين ووسائل الاعلام بكل صنوفها لوقف هذا التدهور ومحاسبة اي شخص او طرف يخالف نصوص الدستور والقوانين العراقية ويخرق الثوابت الاساسية في المجتمع .

 

تصريح عنصري اجرامي من بعض العرب يدعو للتطهير العرقي ضد الكورد :

 

http://asrar-alsharq.net/news/permalink/18389.html

فوجئنا بمؤتمر صحفي  نقلته مختلف وسائل الاعلام العراقية لما يسمى ب (تحالف ابناء العراق الغيارى ! ) وما هم بغيارى ! والذي تضمن تصريحات عنصرية خطيرة تدخل ضمن جرائم التطهير العرقي (  Crimes of ethnic cleansing ) وهي جرائم دولية تعاقب عليها قواعد القانون الدولي والاتفاقيات الدولية والقوانين الوضعية الوطنية وقد ارتكبتها النازية في الحرب العالمية الثانية , وارتكبت ايضا في عدد من الحروب التي وقعت في مناطق متعددة في اوربا ( حرب يوغسلافيا السابقة بين الصرب والكروات والبوسنة عام 1994 ) وفي رواندا بأفريقيا وفي كوردستان العراق وغيرها من المناطق في العالم .

ليس من الغريب ان تظهر في مثل هذه الظروف التي يمر بها العراق مجموعة  متطرفة من العرب لتطالب بمعاقبة ابناء الشعب الكوردي الساكنين خارج اقليم كوردستان وانذارهم بالطرد خلال اسبوع من بغداد وغيرها من مدن وسط وجنوب العراق , فكل شيئ اصبح  ممكنا في بلد العجائب ! ولكن الغريب ان هؤلاء العنصريين هم اعضاء  في مجلس النواب العراقي ومسجلين رسميا ككتلة سياسية لدى المفوضية العراقية المستقلة للانتخابات واطلقوا دعوتهم هذه بكل وقاحة من خلال مؤتمر صحفي يوم 4-4-2012 , وذلك كله في ظل صمت واضح ومريب من الحكومة العراقية  .

ويبدو ايضا ان الادعاء العام والحكومة قد اغفلوا الاطلاع على نصوص قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل ( المادة 200 – فقرة 2 ) و( المواد 47- 59 المتعلقة بالمساهمة في الجريمة ).

في حين نجد في المقابل ان اقليم كوردستان قد احتضن مئات الالاف من العوائل العربية من وسط وجنوب العراق التي وجدت لها ملاذا آمنا ومستقرا هناك واغلبهم قد تملكوا العقارات ويمارسون اعمالهم بحرية وأمان . كما ان الشعب الكوردي يذكر دائما بأن من ارتكب جرائم الابادة والانفال وحلبجة ضده هو النظام الدكتاتوري البائد  وليس الشعب العربي في العراق , مما جعل من التسامح  والتعايش بين القوميات واتباع الديانات والمذاهب يشكل نموذجا جيدا في كوردستان لا يمكن اغفاله , بعكس بغداد والمناطق الأخرى من العراق  .

لقد صادق العراق على اتفاقية منع جريمة ابادة الاجناس والمعاقبة عليها لسنة 1948 كما ان جريمة التطهير العرقي سالفة الذكر تدخل ضمن مفهوم جريمة الابادة الجماعية لأن مفهوم هذه الجريمة تتحقق من خلال قتل اعضاء الجماعة أو الحاق الاذى الجسدي او الروحي الخطير بالاعضاء وغيرها من الاساليب وفقا لما نصت عليها المادة الثانية من الاتفاقية المذكورة . وقد نصت المادة الثالثة منها على معاقبة كل من يرتكب او يحرض على جريمة الابادة مهما كانت صفة او وظيفة هذا الشخص المتورط بها  , كما ان هذه الجرائم لا تسقط بمرور الزمان وفقا لاتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة  ضد الانسانية لعام 1968 التي صارت نافذة في 26 نوفمبر 1970 ولا يجوز العفو فيها مما توجب تنفيذ العقاب لأنها جرائم خطيرة .

إن هناك فرقا كبيرا بين المهاترات والتراشق الصحفي  وتباين وجهات النظر السياسية في مواقف معينة , وبين تصريحات تشكل جرائم خطيرة مثل تصريح المدعو المحمداوي وجماعته الذي يدعي تشكيل فوج بدر رقم 9 لملاحقة (جميع الأكراد في بغداد والمناطق ذات القومية العربية بعد انتهاء مهلة  امدها اسبوعا لغرض المغادرة الى اقليم كردستان ).

ان مجرد الظهور الاعلامي والتصريح لوسائل الاعلام بمثل هذا النهج العنصري والمحرض على الفتنة ومن شخص يشغل منصب عضو مجلس النواب يجب ان يؤخذ على محمل الجد لاسيما وان الشخص المذكور قد انتهك القسم الدستوري الذي قام بتأديته في مجلس النواب والمنصوص عليه في المادة 50 من الدستور العراقي  .

من هنا ندعو المدعي العام في وزارة العدل العراقية وبالتعاون مع الادعاء العام في اقليم كوردستان بتحريك الدعوى ضد هؤلاء الاشخاص وضد بعض المواقع الالكترونية المحرضة على الكراهية والعنصرية وعلى كل من يسلك مثل هذا السلوك الاجرامي الخطير وإلا ما جدوى وجود الدستور والقوانين في البلاد ؟ .

ومن الامور المقلقة الاخرى التي تتسم بالخطورة الكبيرة هو الاتجاه نحو تسيس القضاء العراقي الذي يفترض ان يكون نزيها ومحايدا وقويا في مواقفه وشجاعا في احكامه . فقد لاحظنا وجود محاولات للتدخل والتأثير على القضاء العراقي في قضايا متعددة ومنها قضية الشخص المتهم بجرائم ارهابية وارسال الارهابيين من سوريا للعراق وجرائم الغش وسرقة المال العام المدعو ( مشعان الجبوري ) الذي اسقط احد القضاة المختصين التهم عنه خلال دقائق معددوة وبدعم من احد اعضاء مجلس النواب العراقي , بينما ما تزال صورة المتهم المذكور منشورة على موقع الشرطة الدولية كمطلوب للعدالة .

لذلك يجب على  مجلس القضاء الاعلى الكشف عن ملابسات هذا الموضوع الخطير الذي يدعونا للتشكيك بنزاهة القاضي الذي عرضت عليه قضية هذا المتهم , واذا صحت هذه الواقعة فهذا يعني وجود معايير مزدوجة بين هذه القضية وقضية المتهم طارق الهاشمي وفقا للتساؤلات التي تطرح في الرأي العام أمام صمت مجلس القضاء الاعلى والحكومة الاتحادية .

ان الحكمة والمصلحة العليا للبلاد توجب على الحكومة العراقية تحمل مسؤولياتها الدستورية والقانونية , وعلى جميع العقلاء من السياسيين والنواب والمثقفين ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الاعلام المختلفة العمل على وقف تدهور العملية الديمقراطية ومعالجة مظاهر الفساد المالي والاداري والاخلاقي والظواهر الغريبة التي ظهرت في المجتمع والتي صارت تهدد أمنه في الصميم ,  وكذلك العمل بجدية  لوأد هذه الفتنة الخطيرة ووقف المهاترات الاعلامية التي تؤلب وتشحن الرأي العام وتثير الاحقاد والتطرف والتعصب وتؤدي الى خلق المناخ الخصب لارتكاب الجرائم الارهابية والتصيد بالماء العكر .

ان مشكلات العراق لا تحل بالسلاح والتهديد بالتطهير العرقي وانما بالحوار وبالطرق السلمية وفي مؤسسات الدولة ومنها مجلس النواب وبالرجوع الى  احكام الدستور.

 

‏06‏/04‏/2012

 

 

 

روابط ذات صلة :

رابط المؤتمر الصحفي لبعض العنصرين من العرب :

http://www.iraq11.com/index.php?option=com_content&view=article&id=12966:2012-04-06-01-37-20&catid=1&Itemid=2

رابط الشرط الدولية بخصوص قضية مشعان الجبوري:

http://www.interpol.int/Wanted-Persons/(wanted_id)/2007-34170

مقالات ذات صلة :

جريمة الكراهية

http://www.alnoor.se/article.asp?id=72147

النهج العنصري خطر يهدد الديمقراطية

http://www.alnoor.se/article.asp?id=71426

جريمة الاضطهاد

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=147496

 

 

عن الكاتب

عدد المقالات : 7499

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى