أكذوبة كلدو وآثور


نزار ملاخا
نزار ملاخا

الصراعات الدائرة بين الكلدان والآثورين هي كثيرة ومتعددة، قومية ومذهبية، تاريخية وآنية  وغيرها، وما أن يبدع كلداني مفتخرا بقوميته حتى ينبري له من الطرف المقابل عشرات الأسماء يشنون هجوما بلا هوادة، متذرعين بحجج لم تعد تنطلي على أحد، وأهم هذه الحجج هي أن الكلدان يحاولون التفرقة، ولكن اقوى الحجج هي  الحجة الدينية ” ألسنا نحن واحد في المسيح، فإيماننا واحد ومسيحنا واحد ودمنا واحد ولغتنا واحدة!

 ولأجل إثبات او نفي ذلك ساتطرق بقليل من التفاصيل إلى كل هذه النقاط، أما لماذا يشنون هذه الهجمات على الكلدان تحديداً، فالسبب في كل ذلك لأنهم اقل الأقلية بحيث لا تتجاوز نسبتهم ربع نسبة الكلدان عدداً.

بداية ساقول كلا نحن لسنا واحد بل نحن اثنين كلدان وأثوريين. وإذا رغبتم أن نكون واحد فأنتم إخوتنا النساطرة كلدان الجبال عودوا إلى أصولكم وسنكون واحد، لقد تمكن الإنگليز من فصل قبيلة كلدانية عن اصالتها القومية الكلدانية، إنتقاما من الأمة الكلدانية التي لم ترض الرضوخ لمطاليبهم[1].

في حديث عن القومية نقول لقد ظهرت القومية أو الفكر القومي وكما هو معروف في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، أوائل الذين نشروه، أو ما نسميهم بروّاد هذا الفكر كان كل من الشيخ بطرس البستاني والشيخ ناصيف اليازجي في دمشق، وبقيت هذه الفكرة محصورة عند المسيحيين، أما عند الإسلام فقد تبلورت عندما تبنى الرئيس المصري جمال عبد الناصر فكرة القومية العربية، غاية الفكرة هي أن تحل رابطة الدم واللغة والتأريخ المشترك محل رابطة الدين، وفقا لشعار ” الدين لله والوطن للجميع” وأن الدين لا يمكنه أن يجمع أبناء الوطن الواحد، بينما يتوحدون في مجال اللغة والمصالح المشتركة والأرض وغير ذلك، مبررين ذلك بأن الوحدة القومية سهلة التحقق أما الوحدة الدينية فهي ضرب من الخيال، لأنه لا يمكن لكائن مَن كان ان يوحد المذاهب والمدارس بعد أن مزق شمل الدين الإجتهادات المتعددة التي أنشأت تلك الخلافات فأصبحت إختلافات، وتوسع الشق ولا مجال للإلتئام. كما أننا لا ننسى بأن الوجود القومي (مهما كان أسمه وشكله) وجد على هذه الأرض قبل الدين والرسالات السماوية وقبل الأنبياء والرسل. هذه الأفكار لاقت رواجاً من قبل كل المجتمعات وخاصة الأوروبية ليكون الفكر القومي بديلا عن الفكر التعصبي الديني. أما في الشرق فما زال الشعب يئن وينام تحت مطارق رجال الدين وتعصبات المفاهيم المذهبية الضيقة.

في المجال القومي /  يحدد الأستاذ ساطع الحصري عوامل الهوية القومية بعاملين وهما اللغة والتاريخ المشترك، مستبعداً الدين عن ذلك، ولكن هناك مَن يقول بأن الروابط القومية هي خمس وكما يلي: الدين ، اللغة، التاريخ المشترك، العادات المشتركة، التقاليد، رابطة الدم، والأرض المشتركة. أنا لي نظرتي الخاصة في القومية والشعب الواحد.

قبل كل شئ أعتبر إخوتي كلدان الجبال النساطرة (الآثوريين) ابناء أمتنا وشعبنا، ولا يمتّون بأية صلة للآشوريين القدماء، هكذا يقول التاريخ، من هذا المنطلق فقط نكون شعباً واحداً وأمة واحدة، أما إذا أعتبروا أنفسهم آثوريين ونحن كلدان ويريدوننا أن نكون قومية واحدة، فهذا محال لا بل ضربٌ من الخيال. لأن الذين تبنوا التسمية الآشورية هم بالحقيقة مجموعات من الآموريين هاجرت من بابل متوجهة شمال بلاد وادي الرافدين[2]

أ ـ الدين /  في اللغة بمعنى الطاعة، وفي الإصطلاح يعني الإيمان بخالق الكون والإنسان وكل شئ، وفي المسيحية تجسد السيد المسيح من أجل خلاص البشر، وقد تشترك كل الأديان برؤية واحدة متكونة من ثلاث نقاط على الأقل، وهي : الإيمان بالله (مهما كان نوع هذا الإله، قاس، منتقم، جبار، رحوم، …الخ)، الإيمان بالحياة الأبدية، الإيمان بالقيامة،

وبالإستناداً إلى ما تقدم أنا لا أعتبرالدين كمقوم من مقومات القومية، والسبب في ذلك هوأن  النسبة الأكبر من البشر أكتسبوا الدين إكتساباً، كصفة موروثة حالها حال الأسم واللغة وإلى غير ذلك، والنسبة القليلة جداً هي التي أعتنقت الدين عن إيمان وقناعة، صفة الولاء والإخلاص والعيش المشترك هي صفة مصالح، تقوم على اساس أو مقدار الوفاء (الخدمة إن صح التعبير) الذي نلقاه من المقابل، يعني لو كان جاري يحترمني ويحترم خصوصياتي ويقف لي وقفة الأوفياء والمخلصين اثناء الأزمات وفي وقت الشدّة أعتبره هو الأقرب لي ( ولنقل هو الذي يحقق لي مصالحي) ألا يقولون بأن السياسة هي فن المَصالح؟ إذن مَن هو الأقرب لي التجئ إليه وقت الشدة واطلب منه العون ؟ الشخص الذي يكون إيماننا واحد ويبعد عني ملايين الكيلومترات ولا يعرفني ولا أعرفه، ولا علم لي به سواء كان موجود في الكون أم لاء، أم الجار القريب الذي ما أن يسمع أنيني حتى يأتيني راكضاً عارضاً عليَّ كل الخدمات، مادّاً يده لينتشلني من الضيق، يُسمعني كلمة مواساة يشتد بها عظمي وتعود الحياة إلى مفاصلي، وإن اختلف معي في الدين والمذهب، نعم اقول هذا الجار القريب الذي يصاحبني في السراء والضراء ( مهما يكن دينه ومذهبه ومعتقده) هو الأقرب إلى قلبي ونفسي من ذاك الآخر الذي تربطني وإياه روابط دينية وليس لي علم بوجوده في هذه الدنيا، إذن رابطة الدين لا علاقة لها بالوحدة،

ب – اللغة / هل نستطيع أن نعتبر المتكلمين باللغة الواحدة هم قومية واحدة ؟ بالتأكيد كلا، والدليل على ذلك شواهد كثيرة منها اللغة العربية يتكلم بها العرب ومع هذا فكلهم ليسوا من اصل واحد، لأن فيهم البرابرة والفينيقيين وغير ذلك، اصول كثيرة متعددة ومختلفة، ومسالة نقاوة العرق عفا عليها الزمن، أما الأبجدية مشتركة فهي ايضاً ليست سبباً لتحقيق الوحدة أو الذوبان أو وحدة الأصول والدليل على ذلك أن الأفغان والفرس وسابقا تركيا كانت لهم نفس الأبجدية العربية ولكنهم لا ينتمون إلى أصول واحدة.

اللغة الإنگليزية لا يعني أن المتكلمون بها هم من نفس الأصول، بريطانيا تتكلم الإنگليزية وكذلك البهاما وأورگواي ولو أن لغتها الرئيسية هي الاسبانية، إيرلندا ولكن ليس هؤلاء من عرق واحد، أما عن الأبجدية الإنگليزية فحدث ولا حرج.

في فرنسا يتكلمون الفرنسية، ولكن كم دولة غير فرنسا تتكلم الفرنسية ؟ في بلجيكا مثلا فاللغة الرسمية هي الهولندية والفرنسية والألمانية، وفي لوكسمبورگ فإن اللغات الرسمية هي ثلاث اللوكسمبورگية والألمانية والفرنسية، وهكذا بالنسبة لموناكو وسويسرا وغيرها، وهكذا، إذن اللغة ليست عامل مهم في تحديد العرق أو الإنتماء القومي، أو لتكون سبباً في الوحدة.

ج ـ التأريخ المشترك : اي تأريخ يربطني بمسيحي من بلاد القوقاز ؟ أو بمسيحي امريكي أو استرالي، ولربما آبائي وأجدادي لم يسمعوا بأسم هذه الدول، وقعت الحرب العراقية الإيرانية وقاتل فيها كل العراقيين بجميع هوياتهم وأطيافهم، وجرت قصص اقرب إلى الخيال من الواقع، أنقذ فيها مسيحي مسلم من براثن الموت والعكس صحيح، حمل مسلم جريح مسيحي وتم إخلاؤه، وحالات العكس أكثر قياساً إلى النسبة العددية، وبهذه الحالة فإن الوفاء والتضحية لا تعتمد أو تستند على الخلفية الدينية، وإلا لأنعدمت هذه الصفة عند عبادي النار او البقر أو الأصنام وغيرها، ولكن كل الدلائل تشير إلى أن هذه الصفات هي صفات أخلاقية إجتماعية وجدت قبل أن توجد الأديان ونزول الرسالات السماوية، التأريخ هو ربط مرحلتين (الماضي والحاضر)، وهو مجموعة من الأحداث التي يمر بها في تلك الحقبة الزمنية، وهو أخبار عن مجتمع إنساني، ولم يقل مجتمع مسيحي أو إسلامي، والتاريخ يشمل ثلاثة ابعاد وهي البعد المكاني والزماني والإنساني، والتاريخ المشترك هو فترة زمنية محدودة التي تتعايش فيها الأقوام على إختلاف إنتماءاتهم الدينية في ظل دولة واحدة، أو لبناء مجتمع معين، إذن التاريخ المشترك يسجله المواطنون الذين عاشوا في حقبة زمنية واحدة ويجمعهم مكان واحد، دون أن تربطهم روابط اسرية أو عشائرية أو مذهبية أو دينية مشتركة، فتاريخ العراق كتبه ابناؤه المخلصون من كافة الطوائف والمذاهب والأديان، ومن مختلف الإنتماءات المناطقية والعشائرية، فقد اشترك في كتابته ابن القوش كما ابن عانة أو ابن الزبير أو ابن السليمانية و …الخ سأدخل في تفاصيل هذا الموضوع قليلا لأنه يرتبط ببعض المفاهيم الخاطئة والتي يتناولها البعض على صفحات التواصل الإجتماعي مما يسئ إلى حجم العلاقة بيننا وبين مَن نرتبط بهم بتأريخ مشترك من غير ديننا أو مذهبنا أو قوميتنا فاقول: بعد إستعراض بسيط لرابطة التأريخ المشترك أقول، تربطني بإخوة أعزاء رابطة تأريخ مشترك أبتدأ قبل أكثر من ثلاثين عاماً واليوم نستذكره، أي اصبح جزءاً من تاريخ مشترك بيني وبينهم، سأذكر بعض الأسماء كمثال وليست للحصر، فالأسماء في هذا المجال أكثر وأكبر مما يمكنني حصرها بعدة اسطر، ممن لديهم تواصل إجتماعي معنا على الفيس بوك يومياً وعلى الهاتف اسبوعياً أو بمناسبات معينة كالأعياد الدينية والقومية وغيرها، ابتدئ بالأستاذ العزيز محمود حميد أحمد مدير عام شركة الحفر العراقية لفترة زمنية مضت، واليوم قارب عمره على الثمانين عاماً أمدّه الله بالصحة والعافية، وما زلنافي تواصل، كل مَن عرف هذا الرجل يثني على خلقه وأخلاقه، وكل مَن اشتغل بمعيته يمتدح رفعة أخلاقه،الأستاذ فائز عبدالله الشاهين وكيل وزير النفط، الأخ الأستاذ فاضل عباس حمودي مدير فرع شركة الحفر العراقية في كركوك، الأخ الأستاذ مهند حمدي الشيخلي مدير قسم الهندسة الكهربائية في شركة نفط الشمال،الأخ الشيخ صادق مرشد الذرب (شيخ عشائر الگطيمات الطائية) كان مسؤولا عن الورشة الميكانيكية في المقر العام للشركة، الأخ سيد جعفر سيد إبراهيم كان مدير ورشة الإنتشال، الأخ فيصل سعود رئيس حفارين ثم استاذا في معهد النفط في بغداد، الأخ الحاج سعد الجوعاني مدير الإعلام، الأخ المهندس اياد كوپرلي كان مدير الصيانة، والأخ جمعة أبو أحمد(مسؤول امن الشركة) الأخ عبد فرحان عيسى والأسماء أكثر وأكثر من أن تحويها هذه الأسطر، ولكن ذكرتُ المتواصلين معي على مواقع التواصل الإجتماعي، أما من المسيحيين فكان الأستاذ فوزي فتح الله ( أبو فاتن) مدير عام شركة الحفر العراقية، والأستاذ پطرس گورگيس ابو مي، والأستاذ عدنان گورگيس مدير شركة الحفر العراقية فرع التأميم، والأستاذ فرج حنا مروگي مدير الدائرة الإدارية والقانونية في شركة الحفر العراقية، والأستاذ فضيل ألياس (أبو سعد) الخبير النفطي، والأستاذ عصام حنا حداد مدير دائرة التركيز الجديد، والأخ حكمت يعقوب جبو مدير شعبة الإعاشة، والأخ وليد الله ويردي، وغيرهم الكثيرين، متواصلين من خلال قنوات إتصال عديدة مختلفة، نتجاذب أطراف الحديث ونستذكر تاريخنا الذي أصبح جزء من تاريخ تلك الدائرة أو الشركة أو المؤسسة أو الوزارة التي عملنا فيها، فقد عملنا معا في مشاريع عملاقة مثل الخط العراقي ـ التركي، والتركيز الجديد، ومشروع تأهيل ابراج الحفر وغيرها، هذا هو تاريخنا المشترك، نحن صنعناه، المسلم والمسيحي، وعشنا كل تلك السنين الطوال نأكل ونشرب معاً، مشاركين بعضنا البعض في السراء والضراء، ومساندين بعضنا للبعض في المحن والشدائد، لا يستغني أحدنا عن الآخر، بدون أن ندخل في تفاصيل فردية دقيقة، بدون أن نعرف مَن هو المسلم ومَن هو المسيحي، وكم من وقفات البطولة وقفها لنا إخوتنا الأعزاء (المسلمين) دون النظر إلى الخلفية الدينية أو المذهبية بقدر ما ينظر لكي يكون الصديق الصدوق الحقيقي الذي يسند ظهر أخيه، ونحن بهذا الصدد اتصل بي أخ عزيز من العراق، ومن مدينة كركوك بالذات، وبدأنا نستذكر احلى ايامنا تلك التي عشناها سوية، وسمعتُ صوت نشيجه، بدأ يبكي، تألمتُ كثيرا وأخترتُ تلك البيات الأربعة لأخفف لوعة الحالة، وهي : يا حيف العُمر مضى وراحَتْ لَيالينا…..وصارت علينا حَرام شوفَة أهالينا …. العين تبچي بحزن والشوگ رامينا …. وفراگكم مثل الجّمر كل لحظة يچوينا …هكذا هي الصداقة الحقة، حدثني أحد العاملين معنا في منتصف السبيعنات (وكان أكبر مني عمرا) يقول بأنه تعلم في مدارس الراهبات في كركوك، وفي أحد الأيام تواعد مع صديقه الشاب المسيحي وكان اليوم أحد، والمسيحيون يذهبون للصلاة عصرا في كركوك وتحديداً في كنيسة مار يوسف الكلدانية، يقول الرجل مررتُ على الكنيسة وأنتظرتُ في باحة الكنيسة، فصادف أن خرج الخوري يوسف زورا (رحمه الله) من غرفته ورآني واقفاً، فقال لي (يا عويا قاي لَكْ أورْت شَمتْ رازه = يا ملعون لماذا لا تدخل وتستمع إلى القداس وتشارك في الصلاة) فقال له الشاب (أبونا آنه مُشلمانا = أبتي أنا مسلم) فرد عليه الخوري( سَطانا كيبت گخكت إللي؟ دَها أب أورت ال إيتا = يا شيطان تريد أن تضحك عليَّ ؟ الأن اريدك ان تدخل للصلاة)؟(طبعا بعصبية بالغة) ويقول الرجل لم تنفع كل الأيمان التي حلفتها له، بأني مسلم، وذلك لكوني أتقن الكلدانية واردتُ التمويه عليه بحيث بدأتُ اردد بعض الصلوات البسيطة باللغة الكلدانية وكنتُ قد حفظتها في ايام المدرسة، وهو يسمعني، وخرج على صوتنا أحد الأشخاص من الذين يعرفونني جيداً، واقسموا للكاهن بان الشاب مسلم وليس مسيحي، وأنه ابن الحاج فلان ….. هكذا كانت العلاقات القائمة على اساس الصداقة والجيرة وغير ذلك من المعاني السامية، ولم يكن الدين أو الشريعة هي الأساس أو المقياس.

ملاحظة / 1 جميع الذوات الذين ذكرتُ اسماؤهم في أعلاه، تركوا العمل الوظيفي بسبب الإحالة على التقاعد، لذا ارجو أن لا يُفهم من كلامي هذا أن لي مصلحة متوقعة، فجميعنا تجاوزنا السن القانونية للعمل.

ملاحظة/2 كل الذين عرفتهم منذ الطفولة وحتى مغادرتي العراق لم اسمع من أياً منهم حديث عن الشريعة أو نعتنا بالكفر،على العكس في دول أوربا وخاصة الدنمارك، ينعت بعض المتشددين الدنماركيين اولادنا بأنهم لاجئين، وينادونهم بأسم غير مستحب وهو بالدنماركي ( پيغكا)

ملاحظة 3 / لم يعاملنا أحد في جميع المواقع والأماكن معاملة على اساس الدين مطلقاً، بل كان التعامل على اساس الكفاءة والمقدرة والإخلاص في العمل وللوطن،

ملاحظة4/ لم يطلب أحد منا أن ندفع له الجزية .

ملاحظة 5/ أنا مقيم في الدنمارك منذ ستة عشر عاماً، ولستُ مُلزما أن أجامل أو أحابي لأنني لستُ بحاجة إلى ذلك، ولكنني اكتب ما يمليه عليَّ ضميري، وحقائق عشتها، فلن أسطّر عبارات لغرض المجاملة أو إنتقاماً من أشخاص استغلوا أسم وسمعة ومعتقد وتعاليم معينة، هذه الحقائق عشتها أنا وزوجتي وأولادي، وبالتأكيد عاشها الآلاف غيرنا، فكنتُ دقيقاً وأميناً وواضحاً فيما كتبتُ.

ملاحظة /6 لا يعني هذا بأنه لا توجد حالات أخرى معاكِسة لما ذكرتُ، فمثلاً تشدد في محلة أو منطقة من مناطق الموصل لا يعني بأن الموصل كلها من الأصوليين، فكما أن الصالح موجود كذلك الطالح موجود، والمجتمع لا يخلو من الأمّي والمثقف، من الجاهل والمتعلم، من الإنفتاحي والأصولي المتشدد، من ذوي الأخىق الحميدة وعكسها وهكذا.

أما الحديث عن اصدقاء العمر والجيران فحدث ولا حرج، فهي بحاجة إلى كتب عديدة، ولا يمكن ان نوجزها بهذه الأسطر الصغيرة، وحجم تلك العلاقة أكبر من ان تحتويها اوراق الكتب كلها. وأصدقاء الغربة لا يقلّون وفاءً وإخلاصاً من أصدقاء العمر، لأننا نعيش المعاناة المشتركة، وألمنا وألَمهم واحد، فالغربة هي الغربة وقعها واحد سواء كان الغريب مسلماً ام مسيحياً.

د ـ رابطة الدم / وهل هناك مَن يؤمن بنقاء العرق؟ سابقا نقول نعم، كان الفرد يتزوج من أبنة عمه أو ابنة خاله أو من العشيرة نفسها، وهناك مَثَل موصلي في هذا المجال يقول ” الما ياخذ من ملّتو يموت بغير علّتو” ويعني بأن مَن لم يتزوج من إحدى قريباته أو بنات عشيرته فإنه سيموت كمدا وحزناً أو بـ علة أو مرض غير العلة التي كتبها الله له. ونقرأ ونسمع عن زيجات مختلفة، مسلم يتزوج من مسيحية، هو من قبيلة وهي من قبيلة، وكذلك كان في العهد الإسلامي الأول حيث كانت زوجة الخليفة عثمان (أسمها نائلة الفرافصة مسيحية من قبيلة كلب العربية، وميسون زوجة معاوية كذلك مسيحية، واليوم هناك زيجات على مستوى أكبر من ذلك كأن يتزوج عراقي من فتاة يابانية أو أمريكي من عراقية كما هو الحال مع پول بريمر الذي تزوج من عراقية يكبرها بثلاثين عاماً (راجع كتاب محمد العرب، ما لم يقله بريمر في كتابه، القاهرة 2007م، ص8) وغير ذلك من الأمثلة وهي كثيرة ومتعددة، وهنا أتساءل اين اصبحت نقاوة العرق؟ واين اصبحت رابطة الدم وأعتبارها مقوم اصيل من مقومات الهوية القومية؟

إذن ما هي القومية ؟

القومية هي شعور، هي إنتماء، هي لغة وثقافة ومجتمع ومصالح مشتركة، لا يحدها دين ولا مذهب، ونحن كقوم وتاريخ، نحمل في عقولنا وفي تصرفاتنا تربية وتقاليد قومية وعشائرية ومناطقية مختلفة ومتعددة، لذا فإن حب القومية والإفتخار بها ليست ملابس نلبسها متى شئنا أو ننزعها متى شاء الآخرون، القومية هي تربية وثقافة وحب لامتناهي، هي تضحية، هي مسيرة تاريخية طويلة، هي الثبات على المبادئ، هي معاهدة النفس على تغيير ما كان يُعتقد بأنه صحيحاً وبمعنى آخر هي قفزة على المفاهيم الخاطئة التي تربى عليها الفرد في مجتمع ضيق الأفق غريب عن مجتمعه الأصلي، القومية هي العودة إلى ذات الأصول وعدم التشبث بأسماء ليست ملك للشخص، هي التباهي بما يملكه الفرد من تاريخ حقيقي، وليس لبس ملابس تم تفصيلها وخياطتها من قبل الآخرين، وهي بذلك تعني ثورة ضد مفاهيم التغييب والتهميش والخذلان، الإيمان بالهوية القومية يحتاج إلى قوة وشجاعة وبُعد نظر، ياتي في مقدمة ذلك التدقيق ومن ثم التمحيص وبعدها الإيمان، الإيمان بعدم الخضوع وعدم الإستسلام، أن نعلن رفضنا لمقولة (حشر مع الناس عيد)، أن نرفض ركوب المَوْجَة، وأن نرفض أن نكون دائماً مع الكفة الثقيلة، القومية الحقة هي أن نرفض الخضوع والركوع للمغريات اياً كانت، مال، جاه، كرسي، سلطة، فكلها زائلة، حينذاك يُبان معدن الرجال، (عند الإمتحان … يُكرَمُ المَرءُ أو يُهان) القومية ليست لها دين، ولا مدرسة مذهبية، ولا تعني بأمور الغيب، القومية هي واقع ملموس، القومية هَمٌ كبيرٌ نحمله في حدقات العيون ويسكن سويداء القلوب، ويجري في الشرايين دماءً، ونتنفسها هواءً، هذه هي بإختصار مفاهيم القومية.

كلدو وآثور / الحديث السائد عند البعض من غير المهتمين بالشأن التاريخي، أو لا يهمهم ذلك هو مقولة أن كلدو وآثور هم أخوان، بالحقيقة هذا القول يدخل في باب القصص الخرافية، لكون المصطلح غير صحيح لغوياً، لأن كلمة كلدو تدل على اسم قبيلة، أما كلمة آثور فهي لم تكن أسم جنس أو عرق أو قوم، وإنما أسم لصنم، ومن ثم أصبحت اسم لموقع جغرافي مناطقي وهو بأسم إقليم آثور، والكلمة مشتقة من اللفظة الأكدية (شورو)[3] وهو أسم إله القبيلة الكلدانية، والقصة بما فيها أن الملك سنحاريب أختار اسرحدون أصغر أبنائه ليكون وريثاً على العرش (وقد تم أغتيال سنحاريب من قِبَل ولديه طمعا بولاية العرش[4](، وبعد توليه العرش قام رجاله بإحداث الفتن في نينوى، يقول المطران أدي شير[5] : قال البعض أن اسرحدون جعل ولي العهد أسور بانيبال أبنه الأصغرعوض شمشوموكين أبنه الأكبر فساء ذلك عظماء المملكة، وقال غيرهم أن أسرحدون كان بنيته أن يجعل ولي العهد شمشو موكين أبنه الأكبر، إنما هذا الذي اساء الآثوريين لأن شمشو موكين كانت أمه بابلية وبطبيعة الحال يحب مدينة بابل، فخاف الآثوريون من أن يفضل هو ايضاً مثل أبيه اسرحدون بابل المقدسة على نينوى، ولأجل ذلك أحدثوا الفتنة، ولكن اسرحدون عيّن ابنه شمشوموكين ملكا على بابل وابنه أسور بانيبال ملكا على آثور وصاحب المملكة كلها . إذن الموضوع هو لم يكن هناك إخوة ومنهم تفرعت هذه الأقوام، بل أن الملوك كانوا إخوة من طرف الأب فقط، ومَلَك أحدهما على نينوى والأخر على بابل، وجرت معارك طاحنة بينهما، وفي آخر المطاف بعد أن ضاق صدر شمشوموكين من تصرفات أخيه ولم يشأ أن يقع اسيراً بيده فأحرق قصره وباد بالنار هو ونساؤه واولاده قاطبةً. وكان أن دخل الآشوريين والكلدانيين في صراعات عديدة، وكان أطول صراع سجله تاريخ بلاد ما بين النهرين هو الصراع بين الكلدان والآشوريين الذي دام أكثر من الف عام[6] وكان الكلدان ينظرون إلى الآشوريين كغزاة لا أكثر، إذن هنا أنتهت العلاقة بين بابل ونينوى، وفي عام 614 ق.م سقطت نينوى بيد الكلدانيين وانتهت تلك الدولة ولم تقم لها قائمة بعد هذا التاريخ، حيث طويت صفحة الآشوريين ولم يبق لهم أثر ولا ذكر سوى ذكر التسمية بمدلولها الجغرافي. وللعلم فإن إقليم آشور كان يقع في المنطقة المحصورة بين الزابين الأعلى والأسفل (أربيل الحالية) أما الإمبراطورية فكانت أكبر من ذلك بكثير، وعندما سقطت الدولة الآشورية سقطت معها كل التسميات التي تدل عليها، فليس من المنطق أن نسمي أربيل اليوم بأربيل الآشورية أو اربيل الكلدانية، وبالحقيقة لا يسكنها آشوري واحد، وكذلك الحال لألقوش وغيرها، بسقوط الدولة الآشورية أصبحت جميع الاقاليم كلدانية، تقول الموسوعة العربية (أشتق أسم الكلدان من اسم القبائل التي سكنت هذه المنطقة، وتعرف مملكة بابل الثانية بأسم الإمبراطورية الكلدانية وذلك بعد فتوحاتها للبلاد الغربية وخاصة بلاد الشام، فاصبحت هذه الإمبراطورية تضم بلاد آشور وبلاد الشام، وقد أعتبر الكلدانيين انفسهم بأنهم ورثة الأكاديين)،

الشعب/ هو مجموعة الأفراد الذين تتكون منهم الدولة، وهم يقيمون على أرضها ويحملون جنسيتها[7]، ويسود بين افراد الشعب الإنسجام المعنوي القائم على الجنس واللغة والدين أو غيرها من العوامل، ولكنه ليس شرطاً اساسياً، لأن الدولة يمكن أن تحتوي على عناصر لا تنسجم مع سائر المجموعة في الأصل واللغة والدين أو التقاليد، وهذا ما يثير مشكلة الاقليات[8]. والشعب هو مجموعة من الناس تتغير تاريخياً، ويعكس مفهوم الشعب كمقولة من مقولات علم الإجتماع التغيير في التركيبة الإجتماعية للمجتمع والبنية القائمة التي تخضع لها في كل مستوياتها وتجلياتها[9]

السكان / يختلف مفهوم الشعب عن مفهوم السكان، لأن الشعب هم مواطنين تلك الدولة، أما السكان فيتسع المفهوم ليشمل كل مَن يقيم على اراضي تلك الدولة، سواء كان من الشعب أو من الأجانب الذين لا ينتسبون إلى جنسية تلك الدولة، والذين لا تربطهم بالدولة اية رابطة سوى الإقامة على اراضيها[10]، وهناك نقطة مهمة جداً في هذا المجال وهي : إن الشعب يرتبط بالدولة، فإذا أندمجت الدولة مع غيرها فإن الشعب سيصبح جزء من الدولة الجديدة، وهكذا هو الحال بالنسبة للدولة الاشورية عندما سقطت أصبح الشعب جزء من الدولة الجديدة التي هي الدولة الكلدانية.

أما الأمة / فهي جماعة بشرية تجمعها روابط كوحدة الأصل واللغة والدين والتأريخ المشترك وغيرها من الروابط[11]، ولو تحدثنا عن الروابط التي تجمع بين الشعب والأمة، لوجدنا أن الرابطة التي تجمع بين افراد الأمة هي رابطة طبيعية معنوية (اللغة والدين وغيرها…الخ) أما الرابطة التي بين افراد الشعب فهي رابطة سياسية قانونية تفرض عليهم الولاء للدولة والخضوع لقانونها، بالمقابل تقوم الدولة بحماية أرواحهم وحقوقهم وأموالهم وذلك بموجب القوانين التي تعتمدها تلك الدولة[12]  ومن خلال ذلك نصل إلى نتيجة أن الشعب والأمة لا يتطابقان مطلقاً، لأن الأمة ربما تكون موزعة بين عدة دول، كالأمة الكلدانية، وقد يكون شعب الدولة خليط من عدة قوميات، كما كان الشعب الآشوري قبل الميلاد، وحالياً الشعب العراقي والشعب الكردستاني والشعب الروسي. نريد أن نصل إلى حقيقة تكوين الشعب وما علاقته بالدولة والبشر كمجموعات إنسانية، لذا ولتقريب الصورة، او الغاية من هذا الموضوع هي ان الشعب الآشوري كان خليط كبقية الشعوب الأخرى، وهذا الخليط كان متكون من أمماً مختلفة منها الكلدانيين والفرس وغيرهم، ومجموعات أخرى كثيرة كانت متواجدة ومتعايشة في نفس المنطقة، او تم جلبهم كأسرى، وعندما سقطت الدولة سقط الأسم ايضاً، لأن الشعب الاشوري تجزأ إلى أممه الأصلية، واصبحت الاقاليم كلها كلدانية، وتحول أسم القبيلة ليصبح اسماً للقبيلة والدولة معاً، وبهذا أنتهى دور الدولة الآشورية، وبإنتهائه أنتهى أسم الشعب ايضاً، وحلّت تسمية جديدة تتبع أسم الدولة الجديدة.

إذن مسألة ألإخوة بين التسميتين هي غير حقيقية وغير واقعية وليست تاريخية، نحن شعبُ واحد، نعم، أسم هذا الشعب هو الشعب الكلداني، لغته هي اللغة الكلدانية،  موطنه بلاد ما بين النهرين (بيث نهرين)، ولا توجد اية تسمية أخرى عدا المذكورة أعلاه، وللحديث بقية

07/04/2017

 گورگيس مردو (الدكتور)، تاريخ بلاد الرافدين، ج1، ط1، مطبعة ميتروـ ولاية مشيگن، أمريكا، 2010م، ص118[1]

 عامر سليمان (الدكتور)، العراق في التاريخ، ص120 وانظر ايضا، گورگيس مردو (الدكتور)، تاريخ بلاد الرافدين، ج1، ط1، مطبعة ميتروـ ولاية مشيگن، أمريكا، 2010م، ص131[2]

 أبلحد أفرام، من هم الكلدان، الآشوريون، السريان،ط2، مطبعة هاوارـ دهوك، العراق، 2003م، ص25[3]

 گورگيس مردو (الدكتور)، تاريخ بلاد الرافدين، ج1، ط1، مطبعة ميتروـ ولاية مشيگن، أمريكا، 2010م، ص173 [4]

 أدي شير (المطران)، تاريخ كلدو وآثور،ج1، مطبعة الآباء اليسوعيين بيروت، 1912م، ص121[5]

 أبلحد افرام، المصدر السابق، ص26[6]

 محمود عاطف البنا (الدكتور)، الوسيط في النظم السياسية، ط1، دار الفكر العربي، القاهرة 1988م، ص14[7]

 علي هادي الشكراوي، محاضرة رقم 3، القانون الدستوري ـ اركان الدولة، جامعة بابل، كلية القانون 5/2/2011، [8]

 أبغي محمد، مفهوم الشعب، مقال 15/يونيو/2012م، منشور على الموقع الألكتروني التالي [9]

   .     Zaiocity.net/42072/?    مفهوم-الشعب

 المصدر السابق نفسه.[10]

 محمد رفعت عبد الوهاب (الدكتور)، الأنظمة السياسية، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت 2007م، ص25[11]

 علي هادي الشكراوي، المصدر السابق.[12]

نزار ملاخا

عن الكاتب

نزار ملاخا
عدد المقالات : 298

اكتب تعليق

نادي بابل الكلداني في النرويج

الصعود لأعلى