|
الشماس كوركيس مردو
يا مَهدَ الحضارات وبَلدَ الأمجاد ! على قدر إعتزازنا بماضيكَ النيِّر العريق ، بقدر ذلك يؤلمنا ما آلَ إليه حاضرُكَ مِن التَشَتُّتِ والتمزُّق ، يا أجملَ بُقعةٍ أرضية بسهولِها وجبالها ووديانها ، بأنهارها وأهوارها، بحقولها الزراعية ، بأشجار نخيلها الباسقة وبقية أشجارها المُثمِرة ، نُكهة أثمارها لا تُضاهَى وطعمُها لا نظيرَ له بين كُلِّ أثمار بقاع العالَم الاخرى
اجَل يا وطني العزيز ماذا دهاك ؟ أليس على تُرابك نَمَت بذور اولى الحضارات الإنسانية وأشبعت العالَمَ بثمارها ، كيف هان عليكَ أن تنساها وتُفرطَ في عدم السير على ضوئِها ، كيف غَفِلتَ عن حماية حدودكَ ، ليتسلَّل مِن خلالِها كارهوكَ ومُدَبِّروا الشرِّ لكَ لكي يَعيثوا بكَ خراباً وفساداً ! انظر الى مُعظم مناطقِكَ وقد عَمَّتها الفوضى وسادت فيها شريعة الغابة ، وبخاصةٍ في عاصمتِكَ بغداد الحبيبة ، فقد أحاطها العُنفُ بمُختلفِ أشكالِه البغيضة وصوره المَريرة ، شاملاً كُلَّ أطياف شعبِكَ بلا استثناء، ولكن الأطيافَ الصغيرة أصبحت الضحية الكبيرة ، لأنها لا تملكُ مليشية مُعزَّزة بالأسلحة والذخيرة ، لتَصُدَّ عنها الأذى وتُنقذَها مِن هذه المِحنة المُحَيِّرة ، ولا تلقى اهتماماً مِن الحكومة ولا أية جهةٍ تَتَّقِد فيها الغيرة !
ضاقت بأبناء هذه الأطياف الوطنية المُخلصة المُسالِمة والبريئة كُلُّ السُبُل ، حُرموا مِن العمل وخُطفوا وطولِبَ أهلُهم بالفدِية فدُفعت عنهم وبالرغم مِن دفع الفِدية بعضُهم قُتِلوا ، أين المَفر ؟
باب الهجرة عسير على غالبيتهم لإفتقارهم الى المال ، اقليم كُردستان إستقبلَ العدد الأكبر مِنهم ، ولا يسعنا إلا الإمتنان لحكومتِه الوطنية ، التي شعرت بالمسؤولية الإنسانية فمَدَّت لهم يَد العون وقَدَّمت لهم كُلَّ مُساعدةٍ مُمكنة ، وإننا نُطالبها بالمزيد لأنها الوحيدة هي القادرة على التخفيف مِن ظلم البرابرة .
متى تنهض مِن كَبوَتِكَ يا عراق ؟ إنها مِحنة كبيرة قد حَلَّت بكَ ، ولكنها قد حَلَّت بغيركَ مِن البلدان قبلكَ ، بيدَ أنها استطاعت تَجاوزَها بمقدرة وشجاعة ومُثابرة ، وهل إن الدمار الذي لحق بألمانيا وكوريا واليابان كان أقَلَّ مِمَا حَلَّ بكَ ؟ انظر إليها الآن كيف تَعدَّت مِحنتَها ! إنها الإرادة القوية وحُبَّ الوطن الذي يَكُنُّه شعبُه له ! أين شعب العراق مِن شعوب هذه الدول ؟ قام النظام السابق ببناء المعامل والمدارس والجسور والمباني الفخمة والمُستشفيات والجوامع والكنائس ، ولكنه لم يبنِ الإنسان العراقي بل قام بهَدم بنائه الطبيعي ، وأمعنَ بغسل دماغِه مِن إخلاصه وحُبه لوطنه ، وأرشده الى طريق الغِش والفساد ، أما اليوم فبدل أن يَجِدَ الإنسانُ العراقي مَن يُعيد إليه الإخلاصَ والحُبَّ للوطن وتنقية داخله مِن الغش والفساد ، جاءَه مَن يُضيفَ إليها زَرع الأفكار الطائفية الفاشية والعنصرية الدينية والمذهبية ، ليكون مُستعِدّاً لتفجير كُلِّ الأبنية بمن فيها مِن البشر ونسف كُلِّ الجسور والمساجد والكنائس وتمزيق نسيج المُجتمَع العراقي المُتعَدِّد الألوان والنقوش
لا تستطيع دولة أن تصل الى مَرتبةٍ سامية بين الدول ، إذا لم يكن هدفها الأول والأخير الإنسان والإيفاء بتمكينه مِن نيل حقوقِه ودَفعِه للإمساك بناصية العِلم والثقافة ليكون عطاؤه أكثر مِن أخذِه ، ولا بُدَّ أن يبدأَ هذا الآهتمام بالإنسان الطفل أولاً ، لكي يتعلم الى جانب دروسِه حُبَّ الإنسان لأخيه الإنسان بغض النظر عن دينه أو مذهبه أو لونه وكذلك تقوية حُبِّ الوطن لديه، عملاً بالقول المأثور والذي يؤَكِّدُه العلم الحديث " العِلم في الصِغَر كالنقش على الحَجَر " بهذه المباديء يجب أن يُشَبَّع الإنسان العراقي ، لكي نجعل مِن العراق دولة حديثة تتبَوّأ مكانة مرموقة بين الدول المُتقدِّمة ، وليس بتأجيج النعرات الدينية والمذهبية التي يُمارسُها رجال الدين المُسلمين في خُطبِهم مِن على منابر المساجد والحسينيات ضِدَّ بعضهم البعض والجانبان السني والشيعي ضِدَّ المسيحيين بنعتِهم بالكفّار ، مُخالفين بذلك كُلَّ توصيات قرآنهم بخصوص أهل الكتاب المسيجيين.
يجب أن لا تَمُرَّ هذه الأحداث المؤلِمة التي تعصف بالعراق دون تأمُّل وتفكير بوضعِه المأساوي ، لقد تَغَلغَلت موجة التَعَصُّب الطائفي والديني والمذهبي بقوة بين أبناء الشعب العراقي ، وزادت مجرى التعايش المُشترك اضطراباً ، وأضعَفَت العلاقة بين أتباع الأديان والطوائف المُتنوعة مِن المُسلِمين والمسيحيين والمندائيين واليزيديين . ولذلك على كافة المُسلمين إعادة النظر ، وأن يُمعنوا التفكير بالتشويه الكبير الذي ألحقته هذه المجاميع السلفية التكفيرية بمباديء الدين الإسلامي ، أين مبدأ التسامح والمحبة ؟ أين مبدأ الجيرة والتآخي ؟ أين تحريم الإسلام مِن قتل النفس ؟ أين الإسلام مِن " لا إكراه في الدين " ؟ أليس مِن الغرابة صَمتُكم على الذين إستغَلّوا الإسلامَ لتحقيق مَآرب وأهداف سياسية بتحويل مباديئه الى دعوةٍ للقتل والسلب والترويع والترهيب ؟ كيف سيشُقُّ العراقُ طريقَه نحو التقدم والإبداع والإرهاب ضاربٌ أطنابَه في كُلِّ البقاع !
عودوا الى رُشدِكم أيها الناس ، ايها المسؤولون الحكوميون ، أيها النواب المُنتخَبون ، أبناء العراق يُقتَلون وأنتم على المناصب تتناحرون وعلى نَهب المال العام تتصارعون ! إذا كُنتم مِن شعبكم لا تخجلون كيف سيكون موقفكم أمام الله وبماذا ستُجيبون ؟ ألا تعلمون بأن الله مهما أمهَلَ فلن يُهمِلَ ! سيُحاسبُكم على صمتِكم المُريب وعدم قيامكم باداء واجبكم بالحفاظ على حياة الإنسان العراقي المظلوم والمغلوب ، نسأل الله أن يُعيد الصحوة الى ضمائركم الغائبة في سُباتِها العميق ، إنه السميع المُجيب !
الشماس كوركيس مردو
في 13 / 6 / 2007
|