تميزت بعض المدن العراقية بكثرة إنجابها للفنانين كبغداد والبصرة والموصل، حتى وصل الأمر إلى تسمية هذه المدن بمنبع الفنانين العراقيين بكافة أطوارهم الغنائية، كما لم يخل حي من أحياء بغداد والمدن الأخرى من وجود مطرب فيها أو أكثر. وبعد أن كان مغني الحي لا يطرب بات الآن لا يستطيع الغناء ولا حتى الإعلان عن نفسه بأنه مطرب، فسيطرة الجماعات المتشددة على اغلب مدن العراق غيرت الكثير من عادات المجتمع العراقي، ووجدت العوائل في ليلة وضحاها أنها مجبرة على إحياء أفراحها ومناسباتها من دون مطربين ولا مكبرات الصوت، والاكتفاء بأقراص للأناشيد الإسلامية أو من دونها حتى.
أياد أمير أو أياد الأمير، وهو اسم شهرته، أكد «أن إحياء الحفلات الخاصة والعامة تلاشى تماما من المجتمع العراقي وذهب معه مطربوه وحتى الجمهور الذي لا يمكن فصله عن الفن، وراح يبحث عن أخبار الفنانين العراقيين من خلال شبكة الانترنت والألبومات الغنائية التي توزع في مناطق محددة».
وبين الأمير «أن اكتشاف المواهب لا يكون عبر الدراسة، بل يتم عبر التدرج، فجميع الفنانين بدأوا بالغناء بصحبة فرق فنية في الحفلات، ومنهم من وجد فرصته وانتقل لمرحلة الشهرة، والآخرون استمروا كمطربي حفلات، والمجتمع يحتاج إلى كلا الطبقتين، وللأسف وجدنا اغلب مطربينا هم الآن في المهجر، مع علمنا أنهم يعانون الأمرين من عذابات الغربة وأيضا صعوبة حصولهم على النصوص والملحنين فبدونها لا توجد أغنية ولا مغن».
وعن أسباب اختفاء المطربين وصالات الأعراس وغيرها، أوضح انه وخلال السنوات الثلاث الماضية تغير الكثير من عادات المجتمع العراقي وأنماط العيش وغلب عليها طابع التشدد الديني الذي فرض على الجميع ممارسات محددة لا يمكن تجاوزها أو إغفالها، ومنها طريقة الاحتفاء بالمناسبات، فكان الناس لا يشعرون باكتمال فرحتهم إلا بوجود مطرب وفرقة موسيقية تستمر بالغناء حتى ساعات الصباح، أما الآن وبسبب ما ذكرنا وأيضا خطورة الوضع الأمني، اكتفت بتنظيم جلسات تبدأ في فترة العصر وتنتهي بعد ساعة أو ساعتين، يتخللها الاستماع لبعض الأناشيد الدينية، والتي تسمى بأناشيد الموالد، موضحا انه وحتى أن رغب البعض بإحضار مطرب لإحياء حفلته فلن يجده، وإن وجده فسيرفض المطرب العمل لخوفه من العقاب.
مطرب آخر أوضح أن أعداد المطربين في العراق كانت في السابق كبيرة جدا، وهناك الفرق الغنائية مثل فرقة (ستورمز) و(دانه) و(فرح) وغيرها إضافة إلى فرق الغجر وفرق الغناء الريفي، وحتى فرق الغناء الفولكلوري البغدادي أو الموصلي وفرق الجالغي والمقامات والمربعات وغيرها، وجميعها كانت تجد فرصها للعمل لكثرة الأفراح والمناسبات، جميعها تلاشى لأسباب كثيرة؛ منها تراجع نسب الأفراح والمناسبات، والتغير في عادات المجتمع إضافة إلى المخاطر التي ستتحملها هذه الشريحة في حال استمرارها في عملها.
وأكد المطر، الذي رفض الكشف عن اسمه، أن الكثير من صالات المناسبات تم تفجيرها داخل بغداد وبقية المدن، فيما أجبر بعض المطربين على مسايرة الواقع والتحول إلى نمط الغناء الديني، فيما فضل آخرون إيجاد عمل آخر بعيدا عن الفن والطرب، وهذا الخيار لم يرق لآخرين من محبي الفن؛ فقد وجدوا أنفسهم مجبرين على ترك العراق والسفر لإحدى الدول العربية والبدء هناك، خاصة وان الجاليات العراقية أصبحت منتشرة بكافة دول العالم، وهي مولعة بالفن العراقي. فنان آخر فضل عدم الكشف عن هويته أيضا بعد أن تحول من مغن إلى قارئ، بين انه الآن يقوم بقراءة القصائد الدينية والأناشيد ويحصل على مال وفير في بعض المناسبات الدينية، وكان له رأي مختلف عن سابقيه لأنه وجد في الصيغة الثانية أي الإسلامية مبتغاه ووظف صوته في مرضاة الله وأيضا للعمل وكسب المعيشة.
بشينا وبشلاما في في موقع نادي بابل الكلداني في النرويج