|
الشماس كوركيس مردو
لقد لَقِيَ مسيحيو بلاد ما بين النهرين ومنذ بداية البشارة المسيحية قبل ألفي سنة أصنافاً مِن الإضطهادات على أيدي مُغتصبي بلادهم بدءاً بالفرس الوثنيين ومروراً بالعرب المُسلمين فالمغول والتَتار والعثمانيين ، وكُلُّ هؤلاء المُغتصِبين كانوا أسرى
الجهل والهمجية والتَزَمُّت العنصري القبلي البغيض ، أما أن يتعرَّضوا اليوم وفي هذا العصر الذي وَصِلَ فيه البشر الى أرقى مراحل التقدم عِلمياً واجتماعياً وحضاريا الى أبشع أنواع الإضطهاد كُماً ونوعاً فيُعتبَرُ ذلك أمراً مُحيِّراً ! والأكثر حيرة أن يُمارسَه أفراد إرهابيون جَهلة قادمون مِن وراء الحدود وفي مُخَيَّلتهم أفكارٌ عَفنة تعود الى بدايات نشر الإسلام ، والمُثير في هذه الحَيرة أن يلقَوا دعماً ومُساندة مِن بعض أبناء العراق الذين لم يخطر ببال العراقيين يوماً انَّه سينتهي بهم المطافُ للإنحدار الى هذا المستوى المُعادي لشعبهم ، تُرى ، كيف تَخَلّوا عن مُثُلهم الخُلقية العالية ؟
كيف انقلبت غيرتُهم الوطنية مِن الحفاظ على وطنِهم العراق وصيانة نسيجه العِرقي والديني العريق في تَشَكُّله ، الى السماح لشُذّاذ الآفاق بل المُساهمة معهم باستباحتِه وتدمير بُنيته التحتية وتفتيت كيانه ؟
والأكثر تَضَرُّراً هي مُكَوَّنات الشعب العِراقي الصغيرة وغير المُسلمة وهي المسيحيون والمِندائيون والشبك واليزيديون ، وها هي الأخبار المُتواردة يومياً تُشير الى تفاقم اضطهاد المسيحيين بشكل خاص مِن قبل العصابات الإرهابية مُهَدِّدة إياهم بحَرمهم مِن حَقِّهم في الوجود والعيش والمُعتقد بإملائِها عليهم خَياراتٍ أحلاها أمَرّ مِن العَلقم : لكي تَسلموا على حياتِكم ووجودِكم ومالكم ، عليكم إما أن تُشهروا إسلامَكم ! أو أن تدفعوا الجزية ! أوتَرحلوا تاركين كُلَّ ما تملكون ! كيف يُعقل وفي عصر اليوم ، عصرالنور وانفتاح البشرعلى بعضهم البعض بكُلِّ أجناسهم وانتمآيتِهم وأديانِهم أن يجري هذا وتحت نظر وسمع المسؤولين دون أن يُحَرِّكوا ساكناً ؟
ألم يُصبح بعد هذا جليّاً للعالم أجمع بأن حُكّام العراق مُهَرولون بخطوات واسعة وحثيثة لتطبيق الشريعة الإسلامية بحذافيرها ، لينتزعوا المرتبة الاولى مِن المملكة العربية السعودية بهذا الشأن شاءَ أبناءُ العراق أم أبوا ، ولا يَهُمُّهم بشيءٍ اختلاف المُجتمع العراقي المتعدِّد الديانات والمذاهب المُنفتح على العالَم المُتقدم والمُتطلِّع الى اللحاق به عن المُجتمع السعودي المُنغلق والمُتخلِّف فكرياً عن المسار العالمي المُتحَضِّر ! إذا لم يكن الأمرُ كذلك فبماذا يُفَسَّر سكوتُهم على ظاهرة قيام شراذم التكفير السلفية بإجبار المسيحيين أبناء أرض العراق الطاهرة على هَجره ؟ أليس الذي يجري أمراَ في مُنتهى الغرابة وبعيداً عن المباديء الخُلقية العراقية ومُخالفاً لمباديء الدستور الذي يُوَفِّر الحماية للمُكَوِّنات العراقية الصغيرة ؟
إن صمتَ الدولة بكامل أجهزتِها ومؤَسساتِها على هذه الأعمال البربرية المُشينة لهو مُريبٌ ومُستهجن ! عندما صرخ المسيحيون في البداية بأنهم مُعرضون للخطف والإبتزاز والقتل وتفجير كنائسهم ، كان جواب الدولة لستم وحدكم فالكُلُّ مُعرَّض لذلك وقد فُجِّرَت المساجد والحسينيات قبل الكنائس ! واليوم يُطالَبون بإعتناق الإسلام أو دفع الجزية أو الرحيل عن دورهم فبماذا تُعَلِّل الدولة ذلك ؟
أليس التَصَدّي لهذه الأعمال البربرية التي يُمارسُها الإرهابيون لهَدم البناء العراقي الموزائيكي الجميل مِن واجب الحكومة وكُلِّ القوى السياسية والدينية شيعية كانت أوسنية ؟ فماذا فعلت لحدِّ الآن ؟ هل يجوز أن تَرضى بدور المُتفرِّج على المسرحية التراجيدية التي يجري تمثيلُها ضِدَّ شريحة أصيلة مِن الشعب العراقي بهدف القضاء عليها ؟ ألم يتمَّ تفريغُ البصرة مِن ساكنيها المسيحيين
والمِندائيين تاركين وراءَهم بحسرةٍ منازلهم ومُمتلكاتهم تحت تأثير التهديد والوعيد ، ففَرّوا هاربين لأنه لم ينبري لمُساعدتهم أيُّ مُساندٍ أو عضيد ! ألم يجر الفعل الإجرامي ذاتُه في مناطق سكن المسيحيين في بغداد والموصل ؟ يا معشر العراقيين المسلمين عرباً وكُرداً وتُركمانيين هل رأيتم في مشاركتكم العيشَ مع المسيحيين لمِئات بل آلاف السنين ما يُشين ؟
ألم تكن مَظاهرُ الحبِ والتآلُفِ والأخُوة هي السائدة بينكم وبينهم كُلَّ حين ؟ إذاً أليس مِن باب عدم الوفاء أن تَغضّوا الطرفَ عن هذا الشر الذي أخَلَّ بكُلِّ الموازين ؟ كيف سيطيبُ لكم العيش بدون مسيحيين ؟
إن العراق بدونهم سيفقدُ زَهوَه وقيمته وتنقلب الحياة فيه الى تيهانٍ وفوضى مُستمرة لا تُطاق ! إذا استمرَّ صمتُكم عن الشر المُستطير العاصف بمسيحيي العراق وأبنائه الأبرار ، سيكون ذلك بِئسَ الخيار إذ سيجلُبُ عليكم الدمار ويُعيدكم الى الماضي بجَهلِه وتَخَلُّفِه وحينها لن ينفع الندم .
إني أود توجيه السؤال الى مسؤولي شعبنا المسيحي السياسيين ، ولاسيما القياديَين للحزبين الكبيرَين الاستاذين ، أبلحد أفرام ويونادم كنا : إن المسيحيين يجري دفعُهم نحو الهاوية وبسُرعة ، والحكومة بكُلِّ فصائلها صامتة ومُتفرجة عن عجز أو عن رِضا ، وكُلٌ مِن الحالتين مرفوضة لأنها بعيدة عَن الإحساس بالواقع ، إذاً ما العمل ؟
إذا كان صوتُكما لا يُسمع مِن قبل نُظرائكما في البرلمان فما فائدة بقائقكما في نطاقِه ؟
العدد الأكبر مِن البرلمانيين طائفيون مُتزمِّتون ، يقولون ما لا يفعلون ، يُنادون بالديمقراطية قولاً ويُمارسون الديكتاتورية الطائفية فعلاً ، فماذا تنتظران ؟ أما حان الأوان لتُبادرا معاً لتدويل قضية شعبنا المسيحي وتواصلان في الوقت ذاتِه البحث عن الحل الوطني وإن كان في عِداد الميئوس مِنه !
ثِقا إنكما ستجدان الشعب المسيحي برُمَّتِه داخل الوطن وخارجه يدعم بقوة مسعاكما وبين ظَهرانيه أبناء بررة يُديرون مؤسساتٍ ثقافية واجتماعية على استعدادٍ تام لإيصال مُعاناة شعبنا وشرحِها بإسهاب أمام أصحاب القرار مِن أعلى وأرفع المستويات في دول العالم ، لكي يقوموا بدورهم المسؤول في حماية شعبٍ أصيل مُضطهَد في وطنه ومُعرَّض لتفريغ العراق منه عن طريق القتل والتهديد والتهجير أو تغيير دينه قسراً . إن اللجوءَ الى طلب العون مِن القوى الخارجية لا يعني قطعاً تدوير الظهر عن الدولة ، بل يُمكن اعتبارُره إلفات نظر الدولة بأن عدم اهتمامِها الواضح والقيام بواجبها تجاه مُكوَّن أثني أصيل مِن مُكوناتها وحماية أبنائه مِن هول الإرهابيين هو تقصير كبير يجب أن يكون له تفسير ، فأذا كانت عاجزة عن حمايتهم وهم في أماكن سكنهم الحالي ، أفليس مِن الواجب أن تستجيب الى طلبهم بمَنحهم الحُكم الذاتي في منطقة سهل نينوى المتواجد فيها غالبية إخوتهم ، ليكونوا بمأمن مِن سطوة الإرهابيين ؟ وليس فقط مَنحهم المنطقة بل تخصيص الدعم المادي لتحقيق هذا المطلب العادل الذي تكفله كُلُّ القوانين الدولية وقد تَضمَّنه الدستور العراقي .
الحقوق تؤخذ وبأيِّ طريقة ولا تُستَجدى ، وجودُنا عميق الجذور في العراق وطننا الأصيل ، كان مهدَ آبائنا وأجدادِنا وهم الذين شَيَّدوا حضارتَه التي استنار العالَمُ بشعاعِها ، فإذا كان المُغتصبون لا يُقيِّمون قدراً لنا ولا يتركوننا أن نعيش فيه بعِز وكرامة ، لا مَفَرَّ لنا مِن مُغادرتِه إذا استعصى علينا نيلُ حقوقنا دون مِنيَّة ، وما ضاع حَقٌ وراءَه مُطالب ! تُرى ، هل هنالك أمر أكثر خجلاً مِن أن يُرى شعبٌ مُعرَّض للذبح والقتل وليس مِن مُنقذٍ ! ! !
|