|
لنُعالج مأساة المسيحيين بكلام رزين ! / بقلم : الشماس كوركيس مردو |
لم يَعُد هنالك مَجالٌ للشك لدى القاصي والداني بتَعَرُّض العراقيين عموماً للقتل والتشريد على أيدي فئآتٍ إسلامية إرهابية مَحلية ، يدعوها للإقتتال الدموي فيما بينها العِداءُ المذهبي الحاد والمُزمِن ، وقد طالَ بعنفِه المجموعات التابعة
|
للمذهبين الشيعي والسني ، لا يُمَيِّزُ بين شيخ وطفل أو إمرأة ورَجُل ، ونتيجةً لتفاقم نار هذا الصراع إمتَدَّ سعيرُه ليُحرقَ مُكَوِّنات الشعب العراقي الاخرى الصغيرة مُقارنة بالمُكَوَّنَين المتصارعَين رغم بعدِها وعدم علاقتِها به بأيِّ شكل مِن الأشكال تشجيعاً أو انحيازاً أو مُشاركة ، ورأت أنها ما دامت تُشكِّل جزءاً مِن الشعب فلا بدَّ أن يكون لها نصيبٌ مِن هذه المُعاناة والمأساة التي دَبَّرها للشعب العراقي أعداؤه حُكّامُ دول الجِوار العراقي ، ولماّ رأوا أن هذا وحده لا يكفي لتمزيق الشعب العراقي وتدميره وتشتيتِه ، قاموا بتجنيد مجموعاتٍ مِن العملاء والمُرتزقة مِن مُختلف الدول العربية والإسلامية ، وسَهَّلوا لها الدخولَ الى العراق بعد أن زَوَّدوها بالمال والسلاح الى جانب الدعم اللوجستي لكي تَزيد مِن الفوضى السائدة ، بالإضافة الى سماحهم للزُمَر الإرهابية السلفية أتباع القاعدة بالعبور الى العراق مِن خلال حدودِها ، جالبة معها أفكارها الشوفينية العَفِنة التي كانت سائدة في قرون التاريخ المُظلمة المُخالفة بكُلِّ المقاييس لمُتطلبات عصرنا الحالي ، فراحت تعيثُ فساداً في العراق وتُمارس أبشع أنواع الإجرام بحقِّ أبنائه مِن قتل وذبح وخطفٍ وابتزاز وتفجير وتهجير و و و وفي الآونة الأخيرة رَكَّزوا بإجرامِهم على أبناء القوميات الصغيرة غير المسلمة وبخاصةٍ المسيحيين مِنهم حيث أعملوا فيهم القتلَ والخطفَ والتعذيبَ والنهبَ وفرضَ الإسلام قسراً ودفعَ الجزيةِ صاغرين وطردَهم مِن دورهم وتحت سمع وبصر الحكومةَ بكافة أجهزتِها ومؤسساتِها .
مِن حَقِّنا نحن المسيحيين أن نعتبَ على الحكومة ونُطالبَها ببسط الحماية على المسيحيين وإبعاد الأذى عنهم ، ولكن بإسلوب مُهَذَّبٍ وعقلاني وليس عن طريق التجريح ولا سيما أننا نعلم كونَها في موقفٍ حَرج لا تُحسَدُ عليه ، فهي واقعة بين مطرقة الإحتلال وسِندان فئآت الإئتلاف الحكومي المُتباينة المسارات والأهداف اللاهثة كُلٌّ مِنها للحصول على أكبر قدر مِن المنافع الذاتية والفئوية مُستغلة التَخَبُّط السياسي والإنفلات الأمني المُستفحل في مُعظم أنحاء البلاد ، فكيف يُمكن الإتِّكال على مثل هذه الحكومة للقيام بدور فاعل لإنقاذ الوطن بإخماد نار الفوضى المُلتهبة وهي تكاد لا تقوى على حماية ذاتِها داخل منطقتِها الخضراء المُحَصَّنة !
ولكن ، هل يُمكن القبول بمثل هذه الحكومة ، وهل هي تقبل بما هي عليه مِن ضعفٍ أمام تيّارات الإئتلاف والى متى ؟ إن الأمل ضعيفٌ أن تفي هذه الحكومة بوعودها التي تَعهدت بها للشعب ما دامت مُنعدمة الجرأة للقيام بتحرير أجهزتِها ومؤسساتِها مِن الإختراق ! ولذلك فلم يبقَ أمام الشعب العراقي بكافة أطيافِه إلاّ الدعاء الى الله أن يُحقِّق له النصرَ للوطنيين الأحرار مِن أبنائه وتمكينهم مِن تشكيل حكومة إنقاذٍ عِلمانية قوية تفصل الدين عن السياسة مع احترامِها للأديان والحفاظ على قِيَمِها وتقاليدها ، وكُلما ابتعد الدين عن السياسة زال عنه الفساد وازداد مُحافظة على مبادئه وكرامة مؤمنيه ! والمِثال الغربي هو خير دليل فلولا قيامُه بفصل الدين عن السياسة لَما وصل الى هذا التقدم الهائل !
إن قوات الإحتلال وبموجب القوانين الدولية هي المسؤولة الرئيسية عن توفير الأمن للمُواطنين المدنيين ، بيد أنَّ هذه القوات مشلولة تقريباً نتيجة للتخَبُّط الواقعة فيه إدارتُها الأمريكية والذي قَلَّلَ مِن قدرتِها على المُجابهة وفرض الإستقرار أو قد تكون هي الراغبة في استمرار عدم الإستقرار ! والكُلُّ يعلم بأن الفوضى عَمَّت العراق يوم دخول هذه القوات الى بغداد بسبب غياب القانون الشرعي آنذاك وحلول قانون الغابة محَلَّه ، فهل يُمكن أن تبقى الأقليات وأبرزها المسيحيون بمنجىً عن مساويء هذا القانون ؟ كلاّ فلا بدَّ أن يدفعوا جزءاً مِن ضريبة هذه الفوضى العارمة الواقعِ تحت ضَيمِها كُلُّ شرايح المجتمع العراقي حتى التي في قمة السُلطة .
إن ما أبداه قادتُنا الدينيون والسياسيون مِن إستنكار وتنديد بالأعمال الإجرامية المُشينة التي تُرتكبُ ضِدَّ شعبنا المسيحي مِن قبل العصابات التكفيرية المُتجردة مِن الضمير وباسم الإسلام وهي أبعد ما تكون عن الإسلام الحقيقي ، والمُظاهرات التي يُنظَّمُها أبناء شعبنا والمتعاطفون معهم في بُلدان المهجر هي مِن أمثل الأساليب الفاعلة لِلَفت انظار أصحاب القرار في الدول المُتقدمة الى عدالة قضيتنا وحَثِّهم على التحرُّك لرفع الظلم الواقع على شعبنا في وطنه الأصلي العراق ، وهي أجدى بكثير مِن اسلوب التهجُّم والتقريع التي يُوَجِّهُه بعض كُتّابنا والتي تُضاعف الطين بَلّة وهم ربما لا يعلمون بأنهم يُخاطبون زُمَراً متأسلمة فقدت العقلَ والمنطق والدين ، ولا يمكن اعتبارها مُسلمة لأن المسلمين الحقيقيين يُنَدِّدون ويدينون هذه الأعمال الوحشية مُدافعين عن المسيحيين ، والدليل على ذلك كثرة المقالات التنديدية والإنتقادية التي يدفعها للنشر في المواقع الالكترونية مُسلمون مُعتدلون مُستهجنين الأفعال الهمجية التي ترتكبُها الجماعات المُتخلِّفة .
لقد كانت التظاهرة التي قادها المطران الكلداني الجليل مار سرهد يوسب جمو يوم الخامس عشر مِن حزيران الجاري في قلب مدينة سان دياغو الأمريكية رائعة بتنظيمها كبيرة في عدد المُشاركين فيها ، وأروع ما مَيَّزها كان الخطاب الجهوري الذي ألقاه سيادتَه على الهواء مُستنكِراً ومُندِّداً بالأعمال البربرية التي يتعرض لها شعبُ امتِنا الكلدانية المسيحي بكل تسمياتِه ، حيث ناشد فيه الرئيس الأمريكي ومجلسَي الشيوخ والنواب الأمريكيَين بالتَحَرُّكِ لإنقاذ الشعب المسيحي في العراق مِن المِحنة التي يُعاني مِنها على أيدي برابرة القرن الواحد والعشرين ، كما وجَّهَ كلاماً مؤَثِّراً الى عموم أبناء الشعب المسيحي الصامد في داخل العراق مُشجِّعاً إياهم للثبات في ايمانَهم الحق ، وإنَّ إخوانهم في الخارج سيكونون معهم عوناً وسنداً يُطالبون العالَم كُلَّه ليتحرَّكَ لإنصافهم .
إن الإضطهادَ ليس بالجديد علينا نحن مسيحيو الشرق ولاسيما مسيحيو بلاد ما بين النهرين ، فقد رافقَ آباءَنا وأجدادَنا منذ اعتناقهم المسيحية ، إنها الحقيقة التي يجب أن نعترف بها بأن قيام المُضطهِدين بإيذائنا هو غيرتُهم مِن أصالتِنا في وطننا وقوة ايماننا بديننا ، ولذلك علينا المُحافظة على هذين العاملَين الباهرَين عن طريق توحيد خطابِنا وتعاضدِنا وبالترَفُّع عن أنانيتنا ومصالحنا الذاتية فإنها لن تخدم قضيتنا ومصيرنا ، إنَّ الخطر لا زال مُحدقاً بنا ، كفانا ما حَلَّ بنا عِبر الزمن مِن حَيفٍ وظلم ، فلننبُذ التشرذم والتشَتُّت ولنسعى الى التقارب والتكاتف !
الشماس كوركيس مردو
في 21 /6 / 2007
|
|
|
|
|
|
|
| |