|
بقـلم : مايـكـل سـيـپـي / سـدني
شهـدتْ الكرة الأرضية أمماً وحـضارات وإمبراطوريات عـديدة عـبر التاريخ سادتْ ثم بادتْ ، كما تكـوّنتْ دوَلاً وتبلـْورَتْ دويلات وفي الأخـير تلاشـتْ ، وكم من مدن وعـواصم إشـتهـرتْ ثم زالت ، تـُرى أتلك هي سُنـّة الحـياة ؟ هـل ذاك هـو قانون الطبيعـة ؟ أم أن سبباً آخـراً يقـف خـلف ذلك ؟ وأياً كان الجـواب فـعـندنا ما نريد قـوله اليوم ، أنّ مُدناً ، قـُرىً ، وشعـوباً بقـوا أحـياءً عـبرآلاف السنين الفاصلة بين زمن تلألئهـم ، وبين اليوم يوم خـُفـوت
شـُعْـلـَـتهـم . والكـلدان ومعهـم شعـبهـم الآشوري مثال حيّ شاهـد عـلى ذلك . وفـيما يهـمّـنا الآن نقـول لو سألـْـنا أيّ مسيحي من بيث نهـرين :
ما هي أعـرق وأقـدم توثـيقاً وأبرز وأشهـر قـرية في الشرق الأوسط ؟ لا يخـفى الجـواب عـلى الجـميع ، فـهي مركـز دينيٌّ عـريق! نعـم ، ونواة سياسية عـصرية ! بلى ، ومدرسة العـلم والثـقافـة ! أجَل ، ورمز النخـوة والشجاعة ! وهـل من شـك ؟ . يا أيتها الأسطـر والأوراق والكـتب لـقـد ضاقـتْ مساحـتكم ، تـَـنـَحّـوا جانـباً لنكـتبَ عِبرَ الفـضاء والأثير، فـها هي ( يـمّـا دْ مَـثــْواثا ) : ألـقـوش والأدباء والـقِـيَم ، فـخـر الدهـور ويشـهـد القـلم .
يا ألـف رابـية فـَمِنـْـكِ تـنبع القِـمَم ، فأنتِ مرتعٌ تملـؤه الحِـكَـم .
يا قــٌـبلة يشـتاقـها القـمر فـيُضـيؤها في الليل حـباً ولا ينفـذ الـصبر . وشـمسُـنا من عُـلـُوّها تبعـث نورَها ، وحـقــْـلها يزدان خَـضَراً فـيبسـم الشـجـر .
يا قـرية الخـطـباء والكـُتــّاب إنـتصبي ، فـها نحـن كـلدان وأحـفاد حـمورابي . أين أنتِ اليوم من عـجَـلٍ ، تخـطفـين القائـد والأستاذ والكاهـن الجـِـلَّـة ، وكـلنا ألمٌ لِـما حـصَل ،أخـذتِ القائـد فـهل تهـِـبـيننا غـيرَه بـَطـلاً ؟ ، إحـتضـنـْتِ الكاهـن في الـ رومـا ( مقـبرة ) فـهل تبعـثـين فـينا أملاً ؟ ، واريتِ أستاذنا الثرى فهل تمنحـيننا بديلاً ؟؟ . طـوبى لرحْـمكِ الخـصب العامر وصوتـُكِ الهـادر ، طوباكِ فـرّبكِ قادر ، تحـبَـلين تـلـدين وتـُنـْجـبين النادر ، إنـّا بانتظار ساعـة الصفـر والمآثر ، رِنْ ! رِنْ يا ناقـوسنا ، كي تـَسمعَ جـبالنا وتـُخـبرُ حـقـولـُنا بيادرَنا ، إنـّا هـنا في محـلة قاشا - تحـتانية - سينا ، فالسلام عـلى رجالنا نسائنا أولادنا وبناتـنا في دنيانا ، وهـذه نجـومُنا الكثيرة تسطع في ذاكـرتـنا كتعـداد النجـوم في سمائـنا وإنْ غابتْ عـنا ، فـمَنْ لا يعـرف پـولص شـيخـو الـپـطريَرك ، وخـطاط الكـتب الطـخـسية الكنسية ومعـلم اللغـة الكـلدانية الشماس پـولص قاشا ، والأستاذ جـرجـيس حـميكا ، ورئيس القـرية إلياس پـولا وآخـرين كـثيرين الذين لم أعاصـرْهُـم ، أو كــَتبَ غـيري عـنهم ولا أحـبّـذ إسـتنساخ مقالهـم ، لذلك سأقـدّم كـتابتي للقارىء وأعـتذر سَلـفاً مقـتصراً عـلى بعـض من كـثيرين مِـمَّنْ لـديّ مادة أكـتبها عـنهم:
المطران يوسف توماس :
إن اقـترابي وولوجي في هـياكل الكنيسة من جـهـة ، وتمتـّعي بصوت مناسب للتراتيل الكنسية من جـهـة أخـرى جـعـلاني قـريباً من أغـلب الأكـليروس سواءً في ألقـوش ، بغـداد ، أو في اليونان أما في أستراليا فـكان سباتٌ داكن الظلمة ولـّى ، واليوم نسـتـنير بضياء نبراس بهيّ الطـلعـة . إنّ ذكـرياتي مع المطران يوسف توماس قـليلة حـيث كان أول تعـرّفي عـليه - لابل مشاهـدتي له - في الستـّينات. كان للمطـران يوسف توماس صوتاً رفـيعـاً ضـيق المساحـة ولم يكن مولعـاً بالمقامات ولكنه واعـظ جـميل العـِبارة . كان خـفـيف الظل طيّب القـلب يحـلو له ديوانه ولزوّاره ، ويبتهـج عـند مجالسة المتمكـّـنين ثـقافـة . في صباح أحـد الأيام ونحـن أثناء الصلاة أشار إليّ للتهـيّؤ لخـدمة القـداس معـه فـقال لي المرحـوم القس يوحـنا چـولاغ مازحاً : أخـنقــْه ولا تقـصّر معـه ، لأنه كان يعـرف الفـرق بين صوتي وصوته . أتذكـّر في الستينات أيضاً رتـّبنا نحـن أعـضاء الأخـوية سـفـرة إلى بينـدوايا وقـد رافـقــَـنا فيها ثلاثة قــُسـس غادروا جـميعـهـم إلى الديار الأبـدية ( هـرمز صـنا ، يوحـنان چـولاغ ، و يوسف توماس الذي كان يُجـيد السباحـة ) . طلبتُ منه مرة كـتاباً للمطالعة ، فأعـطى لي : كـتاب ( مصير الإنسان ) وقال عـن مؤلـّـفـه بأنه عَـلــْماني ، ولما فـرغـتُ من قـراءته أرجـعـتـُه له ، فـسألني : ما الذي إستفـدتـَه منه ؟ فأجـبتـُه قائلاً : لم أستـفـد من الفـصول الأربعـة الأولى لكونها تبحـث في عـلم تطوّر الخـلية والكائن الحي وليس من إخـتصاصي ، لكن الفـصول الأخـرى بَـلـْوَرَتْ عـندي مبـدءً أو فـكـرة وهي : لا ترمِ القـذارة عـلى الأرض كي لا تـُساهم في زيادة القـذارة ، أو يمكنك أن تساهـم في عـملـية التطوّر الإيجابي إذا لم تكن عـنـصراً سـلبياً عـلى الأقـل . وفي عام 1974 شاءتْ الصـدفـة أنْ أكون معـه في سفـر من ألقـوش إلى الموصل بسيارة واحـدة ، وأثـناء الطريق عـلمتُ بأنه متجـه مثـلي إلى بغـداد لحـضور مؤتمر موسيقي حـسبما أتذكـّر (( وفي ذلك المؤتمر إنبرى المرحـوم القس فيليب هـيلاي يُفـنـّد إدّعاء أحـدهـم وقال له : إنّ مقام اللامي هـو من إبداع الملحّـنين من آباء الكنيسة منذ مئات السنين وليس مِن إبتكار فـلان أو فـلان في هـذه الأيام )) وهـكـذا أصبحـنا في سيارة أخـرى سوية حـتى وصلنا محـطـّـتـنا الأخـيرة ( عـلاوي الحـلة – بغـداد ) ، وطوال الطريق كـنا نتكـلم باللهـجـة الألقـوشية في مواضيع خـطيرة في حـينها ولم نأبه بذلك ، لأن بقـية الركاب والسائق كانوا عـرباً ولم نـنطـق بكـلمة عـربية واحـدة عـلى الإطلاق ، فسألتـُه : هـل تتصوّر أنـنا يمكـننا أنْ نعـمل شـيئاً لمستقـبلنا هـنا في العـراق ؟ قال : مثل ماذا ؟ قـلتـُـها وبملء فـمي : حُـكـماً ذاتيا أو أي شيء من هـذا القـبيل ؟ صار يتأمّـل سؤالي برهـة من الزمن ثم تنهـّد وقال : كـلا ! قـلتُ : لماذا ؟ قال : لأن الطبيعـة الجـغـرافـية للمنطقـة التي تفـكـّر فـيها تخـتلف عـن جـنوب السودان مثـلاً أو عـن إسرائيل ولا شك تخـتلف أيضاً عـن لبنان ، فـنحـن في العـراق - والمنطقـة التي تفـكـّر فـيها - محاطون من الجهات الأربع أشبه بحـبل عـلى عـنقـنا مما يُـسَـهّـل خـَنــْـقــَـنا في مكاننا في أي وقـت . والتقـيتُ به مرة أخـرى في السبعـينات في دار القس يوحـنا چـولاغ وبعـد حـديث شـيّق تارة ، وتارة أخـرى ناقـد للأوضاع سألتـُه : لي رغـبة في مغادرة العـراق ! فـما رأيك ؟ قال : حـسـناً تفـعـل ، ولا أدري إنْ كانت غايته إرضائي فـقـط طالما نوَيتُ ذلك ، ولم أغادر إلا في عام 1992 .في يوم 5/2/1984 كنتُ في إجازتي العـسكـرية وعـلمتُ أنه يوم رسامة القس يوسف توماس وترقـيَـته إلى درجـة مطران ، إنـها فـرصة جـميلة لابـدّ لي أن أحـضرها وأشاهـد طـقـوسها التي لم تـُتـَحْ لي فـرصة قـبل ذلك أنْ أشاهـد مثـلها . حـضرتُ في الوقـت المناسب في كـنيسة أمّ الأحـزان وكامرتي الفـوتوغـرافـية معي . بدأتْ المراسيم ( قـدّاس ، صـلوات ، وضع الأيادي عـلى رأس المطران الجـديـد ، كـلمات بالمناسبة ) وأنا أصوّر اللقـطات التي أخـتارها بعـناية طيلة فـترة تلك الطقـوس ، ثم ألقى المطران يوسف توماس أول كـلمة في حـياته وهـو بهـذه الـدرجـة الكـهنوتية الرفـيعـة والحـضور كـثيف وبمخـتلف المسـتويات ومن ضمنهـم ممثلي الدولة ، لاحـظـتُ فـيه رباطـة جـأش ، نعـم ولكـن مع بعـض الإرتجاف في شـفـته العـليا ، وهـذا حـقـّه فالمشْهَـد رائع والجـموع تـنظر إليه وتـنتظر منه كـلمته وفي موقـف كـهـذا تصبح الحالة النفـسـية غـير طبيعـية . وحـينما يكون الشخـص المرهـف الحس في مركز الحـدث يصعـب عـليه التـنسيق بين الأعـصاب المنـتبهـة والعـضلات المشدودة . وبعـد أن خـُـتـمَتْ المراسيم وقـف في باحة الكـنيسة ليتـقـبّـل التهاني ، فباركـتـُه بدرجـته الجـديـدة وهـنـَّـأتـُه بقـُبلة عـلى وجـهـه الأيمن وانصرفـتُ ، ثم عـلمتُ أن المطران يوسف توماس عُـيّن أسقـفاً لأبرشية البصرة . وانتـظرتُ أكـثر من ثلاثة أشهـر وخـلال إحـدى إجازاتي هـيأتُ صوَره ( في ألبوم ) وسافـرتُ إلى مقـر مطرانيته في البصرة ووصلتـُها مساءً واستقـبلني بحـرارة وتطـلـّع عـلى الصوَر فأعـجـب بها كـثيراً وقال : إنّ هـذه الصوَر التي أنتَ إلتقـطـتـَها هي أفـضل من جـميع الصوَر الأخـرى لبقـية المصوّرين لأنكَ - والكلام لايزال له - شماس عـندك خـبرتك في فـقـرات القـداس ولك إلمام في وقـفاته وحـركاته وبالتالي تعـرف ما سيحـدُث بعـد كل فـقـرة ، لذلك فأنتَ تتهـيّء للقـطة المناسبة المقـبلة . قـلتُ له أنّ إجازتي قـصيرة والأفـضل أن أغادر إلى بغـداد ، قال : إذا غادرتَ الآن ! خـذ الصوَر معـكَ ، ومن إجابته عـلمتُ أنه ليس راضياً من كلامي ، ثم قال : من المستحـيل أن تسافـر ، بل أريدك عـندي بضعـة أيام ، قـلتُ له : وهـذه أيضاً مستحـيلة ، ولكن لن أخالف كلامك و يسعـدني كـثيراً أن أجالسك بعـض الوقـت . قـضينا سوية ساعات طوال نتكلم عـن كل شيء ثم رتـّب الساعـور ( أو حارس المطرانية ) مكان نومي فـوق السطح ، وفي الصباح الباكر حـضرتُ قـداسه ثم إستأذنتُ منه وسلمتُ عـليه وغادرتُ البصرة متوجـهاً إلى بغـداد ، ولم أرَه بعـدها .
توما توماس :
إن معـرفـتي الشخـصية بهـذه الشخـصية الألقـوشية هي من الضآلة بحـيث لا تستحـق الذكـر، وقـد لا يُصـدَّق قـولي إذا قـلتُ أنني لم أرَ هـذا الرجُـل سوى مرتين في حـياتي ، الأولى حـين كنتُ في دراستي الإبـتدائية عان 1960 أو 1961 ، وأين رأيتـه ؟ رأيتـه في باحـة الكنيسة ينتظر مع رجال آخـرين إنتهـاء مراسيم الزواج لعـروسَين داخـل هـيكل كنيسة مار گـورگـيس في ألقـوش . أما المرة الثانية والأخـيرة فـقـد رأيتـُه يوم 8 / 2 / 1963 في قـرية الشرفـية القـريبة من ألقـوش مع أخـيه حـبيب يتفـقــّدان مدجـناً غـير منتج كان يملكـه وسمعـتهـما يتحـدّثان عـن إنقلاب حـصل ولم تكن مثل هـذه المواضيع تثـير إهـتمامي في ذلك العـمر، أما أنا فـقـد كنتُ برفـقـة أهـلي وجـيرانـنا في سفـرة قـصيرة نـَحـُشّ بعـض أنواع الـمزروعات الطبيعـية مثل : بنـيوكِ ، جَـنـْجَـريقْ ، أقـولـتا ، وأتذكـّر أنـنا حـدّينا ( أحَـدّينا ) بعـضاً من سكـاكـينـنا بواسطة حـجـر الـحـد الشبيه بالـمبرَد كان مثـبّـتاً في معـمله عـلى مسنـد بواسطة حـزام دوّار وعـندها عـلـّـقَ حـبيب قائلاً : هـذه أحـسن دعاية لـ توما . لا يخـفى عـلى أحـد شـهـرته في حـروب الجـيوش الغـير النظامية والتي تسمى أيضاً بـ حـرب العـصابات ، وكان قـد سـبق ذلك بأن عـمل كـضابط في الوحـدات الملحـقة بالجـيـش الإنگـليزي في العـراق والتي كان يُطـلق عـليها إسـم ( ليڤي ) بالإضافـة إلى إنخـراطه في صفـوف السياسة المعارضة للسلـطة وبلوغـه مرتبة متقـدّمة فـيها . كنتُ أسمع عـنه بأنه رجُـل شجاع ، شهـم ، هادىء الطبع ، يفـكـر كـثيراُ قـبل الشروع في عـمل ، مقـدام ، أعـجـب به أعـداءه قـبل مُحـبّـيه . وافـته المنية بعـد أن أجـهـدتـْه الحـياة تاركاً لنا سمعـة وذكريات عـلى الشفاه ، كم كان بودّنا لو كتب مؤلفاً يحـوي فـلسفـته في الحياة وتجاربه وسيرته الذاتية . ويمكـنـني هـنا أنْ أضيف بعـضاً من محـطـّات أو وقـفات بشـأنه :
أولاً : 1- في عـصرية أحـد أيام صـيف عام 1963 كان والدي أعـزلاً راجـعاً من قـرية بوزان القـريبة من ألقـوش وشاءتْ الصدفـة ( والله أعـلم إذا كانـت مخـطـطاً أعـدّ لها ) أنّ مسلـّحاً من رجال الـچـته اليزيديـّين ( الفـُـرسان ) رافـق والدي ، وكلاهـما متجهَـين إلى ألقـوش وقـبل الوصول إليها بقـليل وفـجأةً وبدون سابق إنـذار هـدّد هـذا ( الـچـته ) والدي بأن يغـيّرَ إتجاه مساره نحـوَ دير الربان هـرمز، فـخـضع والدي تحـت تهديد السلاح وسارَ أسيراً حـتى وصلا اليه فـكان الألقـوشيّـون هـناك ، فـعـلـّق أحـدهـم وقال : كنـّا نبحـث عـنكَ ليلاً فـوجـدناك نهاراً ، فـردّ عـليه والدي : أنا موجـود ليل نهـار ، ثم أقـبل واحـد من أولئك الشباب الألقـوشيـين ووضع والدي في قاعـة ( صـفـْرا دْ رَبّان ) المتخـذة سجـناً ووقـف بنفـسه حارساً عـليه لمدة أربعـة أيام مريرة مُرّة العـلقـم ، وبعـدها نـُقـل إلى ( خـورّكْ ) ، وبقي والدي في الأسر ما مجـموعـه 37 يوماً حـتى أطلق سراحه بعـد أنْ وصلوا إلى قـناعة أنْ ليس عـنده من المادة ما يُمْكن أنْ يُـبْـتـَزّ منه بهـذه الطريقـة . المهـم هـنا أنّ والدي رأى توما توماس في تلك المناطـق وكـان يعـرفـه كـمعـرفـته بـبقـية الألقـوشـيـين في كـركـوك ، فـسأله إنْ كان بإمكـانه أنْ يخـلَصه من محـنته . فأجابه توما : لا يمكـنني أن أعـمل لك شيئاً ، لأنـّـك لم يؤتَ بك عـندي .
2- في إحـدى جـلسات التحـقـيق هـناك ، حـضر رجـل ألقـوشي إسمه أوگـر شاهـداً ، ولما سُـئل عـما يعـرفـه عـن والدي ، قال: في أحـد الأيام كان توما يستحـمّ في ساقـية الرحى في بـيندوايا واضعـاً رشاشـه وملابسه عـند حافـة الساقـية ، وفـجـأة ظـهـر هـذا الرجُـل ( والدي ) فما كان من توما إلاّ وخـرج من الساقية خائفاً من أن يراه وانهـزم . سأله المحـقق : هـل كان يحـمل معـه مدفـعاً ؟ قال الشاهـد : لا ، فردَ عـليه المحـقـق قائلا : إن أمثال توما لا يخافون من أمثال هـذا الرجـل ، أخـرج من هـنا يا كـذاب .
ثانياً :
صدر الأمر الوزاري بتعـييني في الكوت و باشرتُ في 3/12/1973 وكانت تلك هي المرّة الأولى التي أرى نفـسي فيها موظفاً ، أقـيمُ في الفـندق وأتناول وجـبات طعـامي في المطـعـم وأشرب الشاي في الـ چـايخانه . و بعـد ساعات العـمل كنتُ أقـضي وقـتي في التهـيؤ لمحاضراتي للغـد ، ومن ثم أتجـوّل في السوق وأتمشـّى فـوق سـدّة الكوت الجـميلة وأتأمّل السمك في نهـر دجـلة وأراقـب الطيور فـوقـها وإنقـضاضـها كالطائرات الحـربية عـلى أهـدافها فـتغـرز مخالبها في جسمها بقـوة وبطريقة فـريدة تجذب إنتباه وفـضول المتفـرّجـين ، ومن جهة أخـرى كنتُ أتردّد إلى المقاهي الشعـبية البسيطة أكـثر من نادي نقابة المعـلمين المفروشة والمُزوّدة بوسائل الترفـيه العـديدة . كنتُ أستمتع بقـصص الشـيّاب من أهـل الـ عـگـل عـن الزرع والعـشائر والسرقات والنـهـوة . وإزاء ذلك كنتُ أكتب رسائل كـثيرة - وأنا مولع بكـتابة الرسائل - وأضعُـها كـلها في مظروف من نفـس النوع وأكتب العـنوان عـليه بالحـبر الأحـمر زينة وليس لأيّ اعـتبار آخـر وأنا واثق الخـطوة أمشي مـَلـَكاً ، وأبعـثها إلى أهـلي في ألقـوش واصفاً لهـم حـياتي في هـذه المحافـظة وما فـيها كي أطـَمْـئـنهـم . وخـلال بضعـة أشـهـر كـتبتُ ستّ رسائل شـيّقة فـعـلاً ، وبعـدها وفي أحـد أيام دوامي في المدرسة كـنتُ في الصف أمتحـن طلابي ، أقـبلَ معاون المدير إليّ وأخـبَرني بأن المدير العام لتربية واسط يُريدني عـبر التلفـون ، قـلتُ له أنني أراقـب إمتحان طلابي ، فـسَهّـل لي الأمر وقال بأنه سـيحـلّ في مكاني ويُراقـب عـوَضاً عـني ، ولما كـلـّمتُ السيد المدير العام قال : أريـد أنْ أراك ، قـلتُ : طيّب أستاذ حالما ينتهي الدوام سأكون عـندك ، قال : أريدك الآن ، قـلتُ له : إنني أمتحـن طلابي الآن ، قال : أترك الإمتحان ! ، قـلتُ : صار أستاذ . ذهـبتُ وفي الطريق أصبحـتُ شاغـل الفـكر متسائلاً نفـسي : تـُرى ما الذي يريده مني وأنا حـديث العـهـد بالوظيفـة وكـذلك في الكوت ، كما ليستْ هـناك معـرفـة شخـصية بيني وبينه ولا يعـرفـني بالصورة ولا أنا أيضاً . ولما وصـلتُ سلـّمتُ عـليه وعـرّفـتـُه بنفـسي فـرحّبَ ثم قال : إن مـدير أمن واسط يريدك !! لا تخـَف وإذا إحـتجـتَ إتـّصل بي ، قـلتُ : حـسناً ، قال : هـل تعـرف موقـع المـديرية ؟ قـلتُ : لا أعـرفـها ولكني سأسأل المارّة . فـشـرع يصـف لي المكان ربما لـيُزيد طمأنتي وخـرجـتُ متجـهاً حسب وصـفه ، وفي الطريق صـرتُ أغالط نفـسي وأقـول : تـُرى هـل تكـلمتُ مع أحـد في السياسة دون وعي مني ؟ هـل كتبَ أحـد تقـريراً عـني ، ولكن ما الذي يكتـبه ؟ فأنا لم أجـتمع مع أحـد سياسياً ولا تعـجـبني السياسة فـما الذي يريده مني حـضرة مدير الأمن ؟ لم أكن خائفاً لأنني واثـق من صحـيفـة أعـمالي البيضاء ولكني كنتُ مرتبكاً لأن الشاعـر يقـول : لا يسلم الشرف الرفـيع من الأذى – حـتى يُراقَ عـلى جـوانبه الدم . ثم قـلتُ لنفـسي : ولمَ الخـوف ! لنرى كـيف يُقابل الناس مدير الأمن ! ربما قـلتُ ذلك لأخـدع نفـسي وأغـطـّي خـوفي ، ثم تذكـّرتُ قـول مدير التربية وطمأنته لي ، ولنفـرض أنني إحـتجْـتـُه فـعـلاً فـمَن ذا الذي يوصلني إليه ؟ ومَن سيسمح لي أنْ أكـلـّم أحـداً ؟ و أين وكـيف , .......وأخـيراً وصلتُ الباب المُرعـب فـتقـدّم إليّ شاب بزيّه المدني ، سلـّمتُ عـليه وقـلتُ : أنا ...فـقاطعـني وقال : أنت الأستاذ الفلاني ؟ قـلتُ : نعـم ، فـفـتـّشـني ثم قال : تعال معي ، ولما وصـلنا إلى باب ، قال لي : إنتظر هـنا . ودخـل هـو لوحـده لبضعـة ثواني ثم خـرج وأومأ إليّ بالدخـول ، فـدخـلتُ فـرأيتُ قاعة كبيرة نوعاً ما ومنضدة واسـعـة مكتضـّة بالأوراق وأجهـزة التلفـون وخلفـَها رجل طـويل القامة مكـتـنزالجسم بعـض الشيء ولم أرَ في القاعة غـير ذلك ! فـقـد عـميَ بصري . تقـدّمتُ إلى المنضدة وقـلتُ : السلام عـليكم ، فـنهـض واقـفاً وردّ السلام ومدّ يـدَه لمصافحـتي فصافـحته ثم أشـّر إلى أريكـة كـبيرة وقال تفـضّـلْ فـجـلستُ وكعادة العـراقـيين قال :
صبّحْـكم الله بالخـير فـأجـبتـُه بالمثل وصارَ يُشـغـل نفـسَه بأوراقه قـليلاً (( ولستُ أدري إنْ كانت هـذه عادة كبار الدولة أو المتكـبّرين عـلى الناس تعـبيراً عـن تقـليلهـم من شأن المقابل )) ، فـلمحَـتْ عـيـني رجـلاً ضخـماً جالساً عـلى أريكة في الجـهـة المقابلة لي فـقـلتُ مع نفـسي : أكـيد إنّ هـذا الرجُـل يُستخـدَم للضرب وتعـذيب الناس ، تـُرى هـل سيكون لي حـصّة منه ؟ وبعـد دقـيقـتين جاء الشاب الذي أدخـلني القاعـة ومعـه قـدح من الشاي وقـدّمه لي ، فـقـلتُ شـكراً ولكن أيّ شكـر ؟ مَن سيذوق ذلك الشاي؟ فـقـد يكون فـيه مخـدّر فأتناوله ويُغـمى عـليّ ويأخـذوني ألى مكان مجـهـول ، هـكـذا كنا نسمع . وخـلال جـلوسي وقـبل أن يكـلمني السيد المدير العام ، شـاهـدتُ فـلماً مرَوّعاً مـدّته بضـعـة سنين أحـتاج لوصـفـه أوراقاً كـثيرة ، وكل ذلك حـدثَ خـلال ثواني في مُخـيّـلتي تعـبيراً عـن خـوفي الباطني وإنْ لم يظهـر عـلى وجهي . إستفسر المديرالعام مني عـن راحـتي في عـملي وإنطباعاتي عـن الكوت فأجـبتـُه بما يليق ، وقـلتُ مع نفـسي أنّ تلك هي البداية السعـيدة المُتـّبعـة عادة ولكن بعـد ذلك سأسمع لابل سأسَمّعُ صوت صراخي ، وإلى حـد تلك اللحـظة وأنا لا أعـرف ماذا يريد مني هـذا الرجُـل . وأخـيراً كـلمني وقال : أنت ألقـوشي ؟ قـلتُ : نعـم . قال : هـل تعـرف أبو جـوزيف ؟ قـلتُ : كـلاّ . قال : ألستَ أنت ألقـوشياً ؟ قـلتُ بلى . قال : كـيف لا تعـرف أبو جـوزيف ؟ قـلتُ :
نحـن لا نسمّي جـوزيف في ألقـوش . (( وأنا صادق في إجابتي له ، ولكنني بعـد برهة من الزمن إستدركتُ الأمرَ مع نفـسي وتذكـّرتُ جـوزيف أودا أخـو مديرنا منصور أودا ، ولكنني لم أقـلْ له ذلك خـوفاً من أن ْ يكون مطلوباً لدى السلطة وأصبح سبباً في إلحاق الأذى به )) ثم قال لي مدير الأمن : هـل تعـرف توما توماس ؟ قـلتُ: نعـم ، قال : إنه هـو أبو جـوزيف ، قـلتُ له : في الحـقـيقـة يا أستاذ أنا أعـرف إسم إبنه البــِـكْـر وهـو سـيـبا ونقـصد به يوسـف ، وليس لي عـلم بأنه يُـدعى جـوزيف . فـسألني :
ماذا تعـرف عـنه ؟ قـلتُ : إنّ ما أعـرفـه عـنه هـو أنه ألقوشي فـقـط وليس من جـيلي كما أن أعـمار أولاده ليست قـريبة من عـمري لذلك لا توجـد بيني وبينه أية صـلة ، قال : هـل سبق وأن رأيتـَه ؟ قـلتُ : نعـم ، قال : متى ؟ قـلتُ : قـبل أكـثر من عـشر سنين ، قال : أين ؟ قـلتُ : في الكـنيسة . قال : ماذا كان يفـعـل هـناك ؟ قـلتُ : كان قـد حـضر حـفل زواج ، وإنّ ذلك يبدأ عـندنا بالطـقـوس الدينية في الكنيسة ومن ثم نذهـب إلى مكان الأكل والشرب والرقـص ، ثم سألني : أين هـو الآن ؟ قـلتُ : ليستْ لديّ أخـبار عـنه سوى أنني أسمع من هـنا وهـناك أنه مع الجـماعات التي بينها وبين الحـكومة خـلافات ، قال :
أية خـلافات ؟ قـلتُ : أستاذ ، أنا لا أعـرف ولا أسأل أحـد ، أنا مهـتم كـثيراً بدراستي والكـنيسة وأنا شماس وصوتي جـميل ، قال : ما هـو الشماس ؟ قـلتُ :
هـو خادم في الكنيسة ويصلـّي مع الكاهـن . رأى السيد المديرالعام أنني خام ولستُ من النوع الذي أنفـعه لذلك غـيّر الموضوع وأخـذ يسألني عـن مدرستي ثم قال : إذا احـتجـْتَ أي شيء يمكنك أن تتصل بي والآن إنْ أردتَ يمكنك أن تذهـب إلى مدرستك ، قـلتٌ له : شكراً ونهـضتُ من مكاني وتقـدّمتُ إليه لمصافحـته عـبر منضدته وقـبل أن أتكـلم ! ماذا رأيتُ ؟ رأيتُ رسائلي الست ملقاة عـلى المنضدة أمامه ، قـلتُ له : هـذه رسائلي ، قال :
صح ، قـلتُ له : هـل ستصل إلى أهلي أم لا ؟ قال لي :
ماذا تريد منها ؟ قـلتُ : كي أكـتبَ غـيرها إنْ لم تصل ، قال :
هـذا شأننا ( قـلتُ لنفـسي : أخـرج بسرعة يا مايكل قـبل أن ينتـفـون شعـركَ ) ، ثم غادرتُ مديرية أمن واسط بسلام . وعـلمتُ لاحـقاً أنّ رسائلي تلك لم تصل إلى أهـلي .
ثالثــاً :
في فـترة ما بين 1980 – 1981 كان أخي الأصغـر مني ، يشتغـل في محـل يُـدعى ( مشروبات الـواحة ) بالموصل وكان أرقى كاسـينو في ذلك الوقـت يؤمّـه أصحاب السلطة والجاه قـبل أنْ تـُفـتـتح مجـموعـة الفـنادق الفـخـمة في السنوات الأخـيرة. كان راتبه الشهـري الذي يستـلمه من صاحـب المحـل ضـئيل جـداً إلى درجـة قـد يُضـْحـِكُ القاريء إذا ذكـرْتـُه أما دخـله الشهـري الحـقـيقي فـكان يصل إلى أكـثر من ثلاثـة أضعاف راتبي معـتمداً عـلى أجـور الخـدمة المفـروضة (عـرفاً أو قانوناً ) . وكان يأتي إلى بغـداد كل أسبوع أو أكـثر ، وفي إحـدى سفـراته قال لي : إنّ جـماعـة من الأمن أو مخابرات الموصل جاؤوا إلى المحـل وسألوني : (( هـل أنت ألقـوشي ؟ فـأجـبتـُهـم بنعـم ، ثم سألوني : كم تـتقاضى في الشهـر ؟ فأجـبـتهـم بأن الراتب لا يستحـق الذكر ولا يعـتمد عـليه بل عـلى الخـدمة ، ثم سألوني : ما هـو أقـصى وارد حـصلتَ عـليه في الشهـر ، فـقـلتُ : حـوالي 300 دينار، فـقالوا لي : نريدك أنْ تتفـرّغ لنا وراتبك هـذا سوف تستلمه كاملاً وشـهـرياً مع إمتيازات كـثيرة ستـُعـجـبك ، قـلتُ : إنني حالياً مرتاح مع رب العـمل الحالي وليس عـندي مبرّراً لتركه ، قالوا لي : ستكون تحْـتـكّ سيارة مرسيدس مدفـوعة البانزين ، مسدّس ، هـوية تؤهّـلكَ للدخـول إلى أعـمق دائرة سرية ، ، قـلتُ لهـم : إن هـذه الإمتيازات كـثيرة فـما نوع العـمل الذي سأعـمله ؟ قالوا لي :
إنه بسيط جـداً ، تأتينا بأخـبار توما توماس ، قـلتُ لهـم : وكيف لي أن أعـرف ذلك ؟ قالوا لي : تتجـوّل وتتـنقـّـل هـنا وهـناك أينما تتوقـع وجـوده ، أو تسأل الناس عـنه وأنت ألقـوشي تعـرف لغـتهـم ولستَ غـريباً عـنهـم ، قـلتُ : أنا لستُ أهـلاً لمثل هـذا العـمل ، قالوا :
فـكـّر ، وتركـوني )) . وفي إجازته التالية ذكر لي أخي أن الجـماعة أعادوا الكـرّة وجاؤوا وعرضوا الفـكـرة ثانية ، وأجابهـم بنفـس الجـواب ، فـقالوا له : نحـن بحاجـة إليك حاول ان تفـكـّر ثانية . وهـنا قـلتُ لأخي : إنتبه إلى كلامي واسمعـني جـيداً ، إنّ الجـماعـة سوف لن يتركـوكَ وسيلحّـون ويضغـطون عـليك وفي نهاية المطاف لابـدّ أنْ تـُلبّي طلبهـم شئتَ أم أبيتَ وإلاّ فـمصيرك صار واضحاً ، وليكن معـلوماً عـندك أنّ مصيرك النهائي هـو هـو نفـس المصير ، لأن الأسرار التي ستكون بحـوزتك لابـدّ أنْ تـُقـبَر ، والمكان الوحـيد الذي يضمنون قـبرَها فـيه هـو قـبركَ . قال : ما العـمل ؟ قـلتُ له : أتركْ ذلك العـمل وتعال إلى بغـداد وابحـث عـن عـمل آخـر، فـذهـبَ إلى الموصل وأخـبر صاحـب العـمل بأنه لم يعُـد بإمكانه البقاء بعـيداً عـن الأهـل لأن الفـراق صعـب ، ثم غادر الموصل واستقـرّ نهائياً في بغـداد .
المطران أفـرام بدي :
شخـصية كـهـنوتية طـخـسية وموسيقـية فـذة ولكـنني مع بالغ الأسف لم تـُتـَح لي الفـرصة أنْ أجالسه يوماً ، ولا أعـرف عـنه الكـثير سوى ما سمعـْتـُه من الناس . كان موهـوباً وفي أكـثر من مجال ، فـصوته بديع كانت تـُزيّـنه لمسة من البـحـّة ، له أذن موسيقـية فـريدة وحادّة ، مولع بالتوثـيق فـسجّـل نظام الصـلوات النظامية ( الطخـسية ) في أشرطة وأقـراص لتبقى تراثاً ، نموذجاً ، منبعاً خالدة مدى الدهـر .
القس يوحـنان :
يا قـيثارة كنيسة المشرق ، يا كـناري ألقـوش الكـلدانية ، هـل المقامات وُجـدَتْ لحـنجـرتك أم أنّ حـنجـرتك خـُلِـقـَتْ للمقامات ؟ مَنْ سـيُسْمِـعُـنا الصـبا ؟ مِنْ سينقـلنا إلى سماء الـ سـيگـاه ؟ ما قـيمة البَـياتْ مِـنْ بَـعـدكَ ؟ أين الحـجاز والراستْ ؟ وما بال الحُـسَيْـني أراه انكـمش ؟ المقامات تقـف حِـداداً عـليكَ ، تلبس ثوب الحـزن لإنـتقالكَ ، تراجـعـتْ إحـتراماً ووقاراً لغـيابكَ ، مَنْ يـُطـْـلقـَها إلى المسامع غـير حـنجـرتكَ ؟ أحـقاً غادرْتـَـنا إلى الديار الأبـدية لتـترك مكاناً شاغـراً ؟ إنها إرادة الرب فـهـنيئاً لك وأنت في ملكوته مع الملائكة والقـدّيسين تمجـّدون رب المجـد .في صبيحـة أحـد أيام الأحـد من عام 1959 أو 1960 كنتُ في ساحة كنيستـنا في ألقـوش فـسمعـتُ صوتاً لشماس يخـدم القـداس مع القس هـرمز صـنا في الهـيكل الأيمن من الكنيسة ( هـيكل مريم العـذراء ) ، ألقـَيتُ نظرة خاطـفـة عـليه من باب الهـيكـل فـرأيتُ شاباً ذو ملابس سوداء شبيهـة بالجـبّة ، كان صوتـَه صوتاً جـبلياً ملائكياً ينقـل سامعـيه إلى أجـواء بهـيجـة ويسرح بهـم في خـيالات روحـية ممتزجـة بالرومانسية ، مقامات ومناورات لأوتار حـنجـرة تأسرهم وينسَـون دنياهـم هـيماناً بها ، ولو كنتُ أدرك وعـندي شـجاعـة اليوم لكنتُ أصيح : أين أنتِ أيتـها الملائكـة ؟ أتركي عـلياكِ فـأنتِ مدعـوّة إلى وليمة فاخـرة من خادم ربّـكِ ، تعالي ورفـرفي في هـياكـلنا ، تعالي فـهـهـنا مشربكِ الروحي ، ينابيع لا تنضب ولا يرتوي منها أحـد ، فـليس لها حـد ، كل ذلك أحْسَـسْـتـُه وأنا صغـير العـمر في المرحـلة الإبتـدائية ، تلك كانت أذني الموسيقـية المرهـفـة الحس للألحان ، ولم أعـرف مَنْ كان ذلك الشماس إلا بعـد أن كـبرتُ فـعـلمتُ أنه القس يوحـنان چـولاغ قـبل رسامته كاهـناً .تبدأ ذكـرياتي معه في عام 1962 حـين كان يُُـلقي محاضرات في التربية الدينية في ثانوية ألقـوش ( مبنى شـيشا ) ، وأتذكـّر في محاضرته الأولى كيف فـسّر لنا وعـلى قـدر مستوانا وبصورة مبسّطة نشوء الأرض ، وأتذكـّر أنه قال أن الكـون كان كـتلة سديمية موضحاً ذلك برسوم عـلى السبّورة ( ولم أكن أفـهـم معـنى السديم حـينها ) . وفي تلك الأيام وبعـد أن إكـتشفـتُ قابلية حـنجـرتي في الترانيم ، قـمتُ بكـتابة صلوات القـداس ( طـَخـسا دْ راز ) في دفـتر صغـير بخـط يدي وبالـگـرشوني وعـندها بدأتُ أخـدم القـداس ، وكنتُ أفـضـّل القـس ذو الصوت الشجي امثال : يوحـنان چـولاغ ، هـرمز صـنا ، المطـران أبـلحـد صـنا . وأتـذكـّر في أحـد الأيام دخـل القـس يوحـنان إلى الـ قــَـنــْـك ( غـرفة )ليُحـضـّر نفـسَه لإقامة قـداس فـدخـلتُ الهـيكـل لأخـدم القـداس معـه فـجاء أحـد الشمامسة ذو الصوت النشاز ويكـبرني عـمراً فـتناول كـتاب الرسائل ليتهـيأ للخـدمة ، فـتـنحـّيتُ جانباً . ولما لاحـظه القس يوحـنان إلتفـتَ إليه وقال له : مَنْ لا يعـرف خـدمة القـداس فـليتركه لـغـيره ، فـترك ذلك الشماس المجال لي . وفي إحـدى العـطل الصيفـية كان قـد أخـذ عـلى عاتقـه تدريس اللغـة الكـلدانية في ساحـة الكنيسة ويقـسّم الطلاب إلى فـئات حَـسَبَ مستوياتهـم فـكنتُ أجـلس مع الصغار ثم بعـد أسبوع يرقــّيني إلى الفـئة التي بعـدها ، وبعـد سنتين صار مرشـداً لأخـويّـتـنا فإزداد تعـرّفي به ، ثم نظـّم ما يشبه بدَوْرَة تـَعَـلـّم التراتيل مساءً ويومَين في الأسبوع في داره ، فـكنا نحـضر بشـَوق ونـتعـلم الألحان وغـيرها من الـشؤون الكـنسية والإيمانية ووجـدتـُه مهتماً كثيراً في لفـظ الكلمات فـكان ينطـق مخارج كل كلمة بصورة سليمة كي يوصلها إلى السامع بدقـة . كثيرة كانت سفـراتـنـا معـه إلى بيندوايا ، الموصل ( بـدعـوة من تجـمّع الأخـويات ) ، ديرا عـلايا ( ديرالربان هـرمز ) وأتذكـّر ونحـن في الطريق إسترحـنا عـلى منحـدر في الوادي ( گـليـّـا دّيرا ) وطـلبنا منه أنْ يـُدَنـْدِنَ لنا مقاماً كـردياً بـدون كـلمات ، فـلما لبى الـنداء إهـتزّتْ جـبالنا لصوته وبعـثتْ بصداها إلى جيرانها فـكـنا نسمع صـدىً لصداها ، إلهي ما أعـظمك في قـدرتك وخـَـلـْـقِـكَ . كان القـس يوحـنان چـولاغ مولعــــاً بالصلوات النـظامية ( طخـسا ) ومحـباُ لتراث الآباء . ولا يخـفي عـلى الجـمبع مقـدرته في تنظيم الشعـر وتطعـيمه بالحِـكـَم والنصائح وإنتقاد الظواهـر السلبية ، وتسجـيلاته لتلك الأشعار بصوته وبألحانه المتـنوّعة وبدرجـة صوتية واحـدة ( ولم أتمكـّن من معـرفـة سـرّه في ذلك ، لأن المعـروف لدى الموسيقـيـين أنّ درجـة صوت الرجُـل ترتفـع دون أن يشعـرإذا أطال في الغـناء ما لم تسانـده الموسيقى التي تـُبقيها عـلى مستواها ، أما درجـة صوت المرأة فـتنخـفـض ) . ومما اتذكـّره أيضاً أنني رافـقـتـُه مرة يوم الأحـد في منتصف الستـّينات إلى بيندوايا وخـدمتُ قـداساً أقامه لأهالي القـرية . ولا يسعـني في الخـتام إلا أنْ أقـولَ وأنا صادق : أنّ ترانيمه وألحانه وأداءه هي مدرسة لـمَن يريد التعـلـّم .
الأسـتاذ منصـور أودا :
قـد يكـون أستاذنا منصور أودا وأستاذنا جـرجـيس حـميكا من الوجـبة الألقـوشية الأولى المتخـرّجـة من معـهـد المعـلـمين العالي / فـرع الرياضيّات (( والذي أصبح بعـدئـذ كلية التربية - الملغاة - من قـبَل حـكومة صدام لـتـُفـتـتح بنفـس الإسم ولكن بشروط تـناسب تلك الحـكومة )) . بدأتُ بالدوام في الصف الأول المتوسّـط في العام الدراسي 1960/1961 في البناية القـريبة جـداً من بيت هاويل خـلف مبنى شيشا بسبب الزيادة الكبيرة الحاصلة في أعـداد الطلاب ، وكانت ملحـقـة بثانوية ألقـوش ، وكان مديرنا منصور أودا ، أما في السنة التالية ( الصف الثاني ) فـكان دوامنا في إحـدى الغـرفـتين المتجاورتين خارج الباب النظامي لمدرستـنا . إنـنا نحـن معـشر الطلاب ( وأقـصـد في كـلامي أؤلـئك الذين يـنطـبق عـليهـم ما سأقـوله الآن ) لم نفـهـم أستاذنا منصور أودا إلاّ بعـد أنْ كـبرنا ، لأنـنا في مرحـلة الدراسـة نـنظر بعـين الطالب ونفـكـر بعـقـل الطالب وكـذلك نتكـلم بلغـة الطالب ، نرى أنفـسنا بأنـنا أذكى الناس وأكـثر إدراكـاً للحـياة من كـل الناس ، آراؤنا سـديـدة لا محالة ، واقـتراحاتـنا يجـب أن يؤخـذ بها ، ولكن الواقـع شيء آخـر تماماً ، هذا الواقـع عـرفـنا ه بعـد أن أدركـْـنا الحـياة . كان الأستاذ منصور إبن ألقـوش كـفـوءً في إخـتصاصه ، مُخـلصاً في عـمله ، حـريصاً عـلى واجـبه ، رصيناً في سلوكه مع الطلاب ، يَزنُ كل واحـد فـيعـرف قـدْرَه . في أحـد الأيام دق الجـرس للفـرصة فـخـرج طلاب صـفـنا وبقـيتُ لوحـدي فـصرتُ أردّد بعـض الترانيم الكنسية بصَوتيَ الرفـيع آنـذاك وأسمع صـداهُ في الصف الفارغ فـأنتعـشُ أكـثر ولم أكـن أدري بأنّ المدير يُحاضر في الصف المجاور وأنه تأخـّرَ بعـض الوقـت لإكمال محاضرته ، وفـيما أنا سابح بمقاماتي في فـضاء الصف ، وإذا بالمدير يُـدخـل رأسَه من باب الصف فـلما رآني قال : ( قـَليتْ هَـرْ ميري قالا دْ أو گـذييل – ملعـون ، قـلتُ إنه صوت ذلك الماعـز ) . كان يعـرف الطلاب واحـداً فـواحـداً ويعـرف الآباء والأمهات ومستوياتهـم الثـقافـية والإجـتماعـية والإقـتصادية ، فـلا يحـتاج أن يسأل الطالب عـن الوضع المالي لعائلته كي يُقـرر أن يوزّع له الكتب المدرسية مجاناً أم لا . وأتذكـّر وأنا في الصف الخامس العـلمي جاء أستاذ منصور إلى الصف وبرفـقـته الفـرّاش حاملاً معـه الكـتب المدرسية ، وشرع يقـرأ أسماء الطلاب ويُسـلـّمهم الكـتب ولما فـرغ ، قام الطالب ( ع . ح . ر) الذي نعـرفه حـق المعـرفة ، وعائلته إنْ لم تكن ثريّة فإنها عـلى الأقـل ليست فـقـيرة ، وقال للمدير: أستاذ – لماذا لم توزّع لي الكتب كبقـية الطلاب ؟ أجابه المدير وقال : هـل أبوك فـقـير ؟ سكـتَ الطالب وخـرج المدير . كان حـين يسمع بأن طالباً قـد تجاوز عـلى مدرّس في المدرسة ، فـإنه يؤنـّبه بطريقـة ساخـرة ليقـول له : مَن مِـن أفـراد أسرتـك صـياد ماهـر ؟ وكم هـو عـدد الغـزلان التي اصطادوها ؟ وهـو يريد بذلك أن يقـول للطالب : من أين لك هـذه الشجاعـة فـتسَـبّعْـتَ وتـَجاوزْتَ عـلى أستاذكَ . وفي أحـد الأيام من تلك السنة ( وكان في صفـنا 13 طالبة ) كان الأستاذ المرحـوم حـنا عـقـراوي ( مدرس اللـغـة العـربية ) قـد كلـّـفـَنا بحـفـظ قـصيدة كـواجـب بيتي ، وكان أحـد الطلاب ( ج . س ) كبير الحـجـم مقارنة بيَ مثلاً ويهـتم كـثيراً بمظهـره فـيأتي إلى المدرسة مـكويّ السروال وبحـذاء يلمع وشعـر ممـشط ومدهـون وأحـد أسنانه مُـذهّـب - لماذا لا ومعـنا ثلاث عـشرة شابّة ! - لم يكن قـريباً من الكنيسة مثلي ولكنه كان يملك صوتاً يصلح للتراتيل الكنسية فـيما لو درّبَه وصـقـَـله وكم من مرّة دَنـْـدَنَ أمامي ليُـبلغـني تلك الرسالة ، وشاءتْ الصدفـة أن المدرس سأل هـذا الطالب عـن القـصيدة فأجاب : لم أحْـفـَـظـْها ، قال له المدرس : لماذا لم تحـفـظ ؟ أجاب الطالب : لم يكن لدي وقـت ، قال المدرس : ( أنت عـندك وقـت لتمشيط شعـرك وتلميع حـذاءك وترتيب هـندامك ولكنك لا تملك وقـتاً للدراسة ) ، فـفـسّر الطالب تعـليقَ المدرس عـليه بمثابة إهانة له خاصة ومعـنا مَنْ نريد أنْ نتباهى أمامهـنّ ، فـردّ الطالب : أستاذ ! إسحـب كـلامك . فـقال المدرس : أسحَـب كلامي ؟ وعـندئـذ بعـث بمراقـب الصف إلى الإدارة ليحـضرالمدير ، فـلمـّا دخـل المدير الصفّ إستفـسرَ من المدرس عـمّا جـرى ولم ينتظر سماع كل القـصة ، بل إقـتربَ من الطالب وانهال عـليه بالضرب لكمات ولكمات ، فـإنتـفـش شـعـره دون أنْ يُبالي بدهـنه وتجـعّـد السروال ولم يحـترم كـَوْيَه وداس بحـذائه حـذاءَ الطالب فـشـوّهَ لمعانه والطالب مرتبك وحائر ولا يدري كـيفَ يوقـف إهانة المدير له . فـنهـض وخـرج من الصف بإتجاه الباب الرئيسي للمدرسة فـلحـق به المدير وقال للفـرّاش : ( اصطيفـو لا شـوقـتْ دْ پـالط ) ، وأخـيراً إنهـزم الطالب إلى خارج المدرسة ثم فـُصل لِـما تـَبَـقـّى من السـنة . وكان يرصـد الطالب الكسلان ويسخـر منه بطريقة طريفة أشبه بنكـتة فـيضحـك الطلاب ، فـفي إحـدى محاضراته لنا في مادة الرياضـيات في الصف الثالث المتوسط ، طلب من أحـد الطلاب أنْ يحـلّ متطابقـة ، ويُطلبُ فـيها من الطالب أنْ يُـبَرهـن أنّ الطرف الأيمن من المعادلة = الطرف الأيسر منها . فـبدء الطالب يكـتب إلى أن إمتلأتْ السبّورة بحـلول خالية من المعـنى العـلمي ولكنه في الأخـير كتبَ أنّ الطرف الأيمن = الطرف الأيسر . فـسألـَنا الـمـدير :
هـل المنافـذ مفـتوحـة ؟ قـلنا : لا ، ثم سألنا : هـل توجـد شـقـوق في الجـدران ؟ نظرْنا إلى الجـدران ولم نرَ شقاً فـيها ولم نعـلمْ قـصدَه من أسئلته لنا ، ثم أعاد الكـَرّة وسألنا :
هـل الباب مفـتوح ؟ قـلنا : لا . قال : فـمن أين أتى هـذا الطالب ؟ أوَ هـل يكـون هـو المهـدي المنتظر ؟ . لقـد تمَـيّز الأستاذ منصور ( ومعـه الأستاذ جـرجـيس حـميكا ) بأنه لم يُشارك عـلى الإطـلاق في أية مسيرة أو مهـرجان أو تجـمّع أو مظاهـرة في ألقـوش في فـترة 1958 – 1959 – 1960 ولم أسمع منه قـط أنه تكلم بالسياسة سواءً كـمـؤيّـد أو كـمُعارض ، وإنما كان وطنياً يخـدم الوطن ومترفـّـعاً فـوق الميول والإتجاهات ، ورغـم ظروف ألقـوش العـصيبة في تلك السنين ( الليل للمعارضة والنهار للحـكـومة ) من جـهـة ، ومن جـهـة أخـرى تشـدّده مع الطلاب ، فإنه لم يتلـقّ أذيَة من أي من الطلاب ليلاً ، لابل لم يكـن يتجاسر عـليه أحـد كما لم يتلقّ اتـّهاماً من جـميع الأنظمة الحاكمة والمخـتلفـة التي حكمتْ العـراق ، مثـلما حـصل للجـميع وحتى الشمامسة وأصـدقاء الإكـليروس منهـم . هـذا ما أتذكـّره وعاصَرْته في حـياتي ، حـبّـذا لن أنّ كل ألقـوشي يكـتب ما يعـرفـه ويتذكـّره عـن الأبناء البارزين الساطـعـين من قـريـتنا المشـهـورة تاريخـياً ، إنهـم فـخـرنا .
|