نعم يجوز اقحام رجل الدين في السياسة/ منصور توما ياقو

 

 

في البدء ينبغي أن نفرق بين التعابير التالية :-
1 - اقحام الدين في السياسة .
2- اقحام الكنيسة في السياسة .
3- اقحام رجال الدين في السياسة .

فالتعبير الأول (  اقحام الدين في السياسة  ) يشير بكل وضوح الى اقحام النصوص المقدسة والوصايا الإلهية والقوانين الكنسية في غير مجالها او اماكنها المخصصة، أي محاولة تسيس الدين ، لاشك ان هذه الحالة مرفوضة من قبل الجميع خاصة بعد ان اثبتت فشلها بل وخطورتها على الانسان وعلى الدين نفسه ، وما كان حال اوربا في العصور الوسطى وما نشهده اليوم في العراق إلا خير مثال على ذلك .

و التعبير الثاني ( اقحام الكنيسة في السياسة ) فهو تعبير خاطيء ، فالمعروف ان معنى كلمة الكنيسة تعني جماعة  المؤمنين المسيحيين ، ولا ضرر او جنح اذا كان جميع هؤلاء المؤمنين ( عدا القس او الاب الراعي ) يمتهنون السياسة ويعملون داخل احزاب سياسية ، لذلك نقول ان اقحام الكنيسة او قسم من افرادها في السياسة أمر عادي ولا غبار عليه . فالاعتراض هنا هو على التعبير الكتابي الخاطيء لكلمة الكنيسة وليس على التعبير القصدي او على المفهوم الدارج الخاطيء باعتبار ان الرجل الدين هو الكنيسة او ان الكنيسة هي الدين .

اما التعبير الثالث (اقحام رجال الدين في السياسة ) ، السؤال هنا هو من هو فاعل هذا الاقحام ، هل هو رجل الدين نفسه أم جهة أخرى ؟ فإذا كان الرجل الدين نفسه فهذا يعني ويشير الى  استغلال رجل الدين لمنصبه الديني ومكانته الاجتماعية لأغراض واهداف قد تكون شخصية او طائفية او مذهبية او قومية او لفرض اراءه وتكريس ثقافة التهميش والاقصاء والتعصب كتلك التي اصبحت المهنة الوحيدة التي يتقنونها بعض الاحزاب والحركات العاملة في ساحة شعبنا ، فهذه هي الاخرى مرفوضة شكلآ ومضمونآ .

أما اذا كان فاعل هذا الاقحام هو جهة اخرى كالرعية او بعض طبقات المجتمع كالأقليات القومية  التي لا راعي كفوء ومؤهل وصادق لها كما هو حال اقليتنا القومية عندها يمكن ان نقبل بالاستثناءات لحين تنقية بعض الذوات من دنس الأنا والانانية او لحين ظهور البديل المناسب والمقبول من قبل الجميع ، لذلك نقول :-

من الممكن القبول بهذا الاستثناء على ان تتوفر فيه الشروط التالية :-
1- عدم اشغال الرجل الدين أي منصب سياسي او قومي مباشر بإستثناء المناصب الفخرية .
2- عدم اقحام أي نص ديني ومهما كانت قدسيته عند التعامل مع الامور السياسية .
3- يجوز التدخل في الحالات وعند الامور التي لا يكون هناك حزب مؤهل او تمثيل سياسي قومي خاص بالرعية ، فكما يقول الرب يسوع المسيح ( ليس كل من يقول لي يارب يارب يدخل ملكوت السماوات بل الذي يفعل إرادة أبى الذي في السماوات . (مت 7 : 21 )،  كذلك ليس كل فرد او حزب يتغنى ويردد  التسمية المشكلة من ( الكلدان والسريان والاشوريين ) يعني انه صادق ومؤهل ليمثل تلك الكيانات الثلاثة ، خاصة لنا نحن الكلدانيين تجارب مريرة مع البعض المعروفين الذين لم يتركوا فرصة للثقة بهم وبشعاراتهم وتنظيراتهم الزائفة .
4- من حق رجل الدين التدخل في السياسة وفق الشروط المذكورة اعلاه وعند تخويله من قبل رعيته وايضآ عندما يرى مصالح شعبه مهددة او تم انتهاكها من أي طرف كان حتى لو كان ذلك الطرف قد لبس لباس التسميات الثلاثة وهو في داخله يتحين الفرص للعودة الى ممارسة سياسة التهميش والاقصاء والاستحواذ واهانة التسمية القومية الكلدانية .
5- اذا كانت الصيغة المتبعة حاليآ في اختيار ممثلي شعبنا لاشغال المناصب في اللجان والهيئات السياسية والحكومية خاصة في اقليم كردستان تتم بالطريقة التآمرية وحصرها فقط ببعض ( لم احسب خيالات المآتة النائمة في الدائرة ) نعم ببعض وليس كل الذين في الدائرة الضيقة المحيطة بأهل النفوذ والتأثير في حكومة الاقليم واقصد بدائرة المجلس الشعبي  مما ادى الى تهميش واقصاء كل من هو خارج هذه الدائرة ، فمن اجل انصاف كل الكيانات ( الكلدانيين والاثوريين والسريان ) ولتجاوز حالة التعصب القومي الفئوي المسيطرة على عقلية البعض لذلك ارى من الضروري تشكيل لجنة من ثلاثة رجال دين على الأقل ( كلداني وآثوري وسرياني )، تكون مهمتها تزكية اشخاص من الذين ترشحهم احزابهم او حتى من خارج التنظيمات السياسية ممن يرونهم مناسبين وقادرين على تمثيل الجميع وليس فقط الشريحة او الفئة التي خرجوا منها .

ليس عيبآ او نقصآ إذا قلنا ان التنظيمات السياسية والقومية الكلدانية لا زالت بحاجة الى الكثير من الجهد والخبرة والدعم البشري والمادي والمعنوي والاعلامي من جميع ابناء شعبنا لكي تستطيع ان تمارس دورها  الفاعل والمؤثر على كل الساحات بكل جرأة وحكمة  وحنكة ، فمن هذا المنطلق وعلى الأقل لغاية تجاوز تلك المؤشرات والبدايات نقول ، نعم يجوز لرجل الدين ان يتضامن مع شعبه وأن يساهم بالقدر المتاح له ووفق الشروط التي ذكرناها اعلاه على طرح أجندة سياسية وقومية تعكس ارادة رعيته او شعبه إزاء الاجندات الفئوية الأخرى وخاصة تلك المتآمرة على تلك الارادة .

كما لا يخفى على احد ، ان لرجال الدين الكلدان وعبر كل التاريخ سجل ناصع ومميز ومشرف في خدمة القضايا الوطنية والقومية والانسانية ناهيك مما ثبت عنهم من قوة الاداء والحنكة والبصيرة والانفتاح على كل الثقافات والرسالات ، فبأي حق يطالب البعض تهميش دور رجال الدين وتحريمنا من ذلك المخزون الهائل من العلم والمعرفة والحكمة وعدم التعصب والأهم من كل ذلك هو وجود الثقة المتبادلة بين الرجال الدين والشعب ؟.

بالاضافة الى ان الذي يسيطر على الحكم والحياة السياسية في العراق عدا اقليم كردستان هم رجال الدين سواء كانوا من الشيعة او السنة وحتى لا يمكننا ان نتجاهل ما لرجال الدين في الكنيسة الاشورية من دور وتأثير على المواقف السياسية والقومية للآثوريين عمومآ ولتنظيماتهم السياسية خصوصآ بل وان معظمهم يتعاطون السياسة سواء بالكتابة او بالخطب والمحاضرات او بحث اتباعهم على اتخاذ مواقف سياسية وقومية منسجمة مع معتقداتهم وارائهم ، ولا اعتقد يوجد تنظيم اشوري سواء كان سياسي او قومي ليس له مرجع ديني إن لم يكن بصيغة او بأخرى تابع لمرجعية دينية خاصة به  بل وان الكاتب الاثوري المتعصب ابرم شبيرا يذهب الى ابعد من ذلك عندما يعزو سبب عدم نجاح توحيد الكنيستين وبحسب قوله الى ( ... بسبب كون الكنيسة الآشورية "النسطورية" هي قومية ومسيسة في حين الكنيسة الكلدانية بعيدة عن هذا التوجه...) ( الكلدان والدعوة القومية 2 ) ، فإذا كان هذا هو الحال في العراق وهذا هو حال اتباع الكنيسة الاشورية فلماذا اللجوء الى التشكيك والتغطي بلباس المثالية والتباكي على العلمانية عندما يصل الأمر عند الرجل الدين الكلداني إذا دفعته الغيرة وا
لمحبة والشعور بالمسؤولية ومن دون تعصب قومي او مذهبي الى ستر عورة احزابنا وانانيتها وعجزها  بولوجه في الأمور السياسية سواء على المستوى القومي او بتلك التي هي اوسع منها ؟.

الغريب في أمر هؤلاء المعترضين انهم لا يعترضون على كل التدخلات السياسية لرجال الدين بل فقط على تلك التي لا توافق هواهم ، كلنا نتذكر كيف ثارت ثائرة البعض عندما رفض نيافة المطران مار شليمون وردوني إقامة إقليم يضم مسيحيي العراق، مشددا على ضرورة تحقيق التعايش السلمي بين العراقيين بمختلف إنتماءاتهم ، واعتبروا مثل هكذا تصريح من المحرمات على الرجال الدين لأنه يشير الى امور سياسية التي لا يجوز لهم ان يتعاطوها فطالبوا بفصل الدين عن الدولة وكأن دفة الحكم في العراق تدار من قبل رجال الدين المسيحي ، فحذروا من خطورتهم مستذكرين ما آلت اليه احوال كل من اوربا في العصور الوسطى وافغانستان والسودان في العقود الأخيرة ، هذا ما فعلوه مع مجرد تصريح من رجل ديني ابدى رأيه وقناعته في أمر يهمه كما يهم الآخرين ، غير انهم لم يحركوا ساكنآ ولم ينطقوا بحرف واحد تجاه الفعل وليس التصريح الذي قاما به نيافة المطرانين مار سرهد جمّو ومار باوي سورو عندما إجتمعا في البيت الأبيض مع أعضاء من مجلس الأمن القومي الامريكي ، ( عمل سياسي ) وطالبا دعم الولايات المتحدة الامريكية على تأسيس منطقة الحكم الذاتي للمسيحيين في شمال ا
لعراق . ( ايضآ عمل سياسي ) ، فلماذا لم يعترض المعترضون على هكذا تدخل في السياسة ؟ ولماذا هذا التناقض مع ذات الفعل ؟ بكل بساطة لأن هذا الفعل يوافق مع طروحاتهم في هذه القضية ، رغم اختلاف التسمية التي يتبناها كل طرف ، فرجال الدين يتبنون التسمية الدينية ( مسيحيين ) اما المعترضون فانهم يتبنون التسمية المركبة ( الكلداني السرياني الاشوري ) ؟ .

ملاحظة : ان المثل الذي ذكرته لا يعني انني معارض لأي رأي بل انا مع كل ما يمكن ان يحقق لشعبنا من السلام والرفاهية ابتداءآ من المواطنة الكاملة في كل العراق مرورآ بالادارة الذاتية الى الحكم الذاتي والى الفدرالية وانتهاءآ بالدولة المستقلة ولكنني طرحته لأنه يبدو لي ان المعترضين غير صادقين في ادعاءهم انهم يعارضون تدخل رجال الدين في السياسة بل يريدون ان تكون تصريحات ومواقف وافعال رجال الدين على مقاسهم ولخدمة مصالحهم الفئوية والحزبية وخاصة تلك التي تضمن عدم المساس بكراسيهم أو التي تؤثر على نصيبهم من الكعكة .
نعم يجوز للشعب ان يقحم رجال الدين في العمل السياسي والقومي لأن اليأس الذي يقترب من منتهاه من احزابنا وحركاتنا ومجالسنا ومنابرنا وجمعياتنا ووو الخ  قد افقدنا الكثير من الثقة بهم ومن هيبتنا امام الآخرين ، بل ان التعصب والولاء الطائفي والجهوي والروح المؤامراتية التي تتسم بها تلك التنظيمات يكاد ان يفقد من ساحة شعبنا ( على ارض الواقع )  تلك اللوحة الجميلة التي تُظهر عناق الاثوري مع الكلداني مع السرياني ليسودهم بدل ذلك وبفضل سياسيينا الأفذاذ روح الشك والريبة في نوايا بعضهم البعض ، واذا استمر الوضع على هذا الحال وانا متأكد بأنه سيستمر يكون من حق ابناء شعبنا وخاصة في هذه المرحلة مطالبة رجال الدين لأخذ زمام المبادرة او تكليف رجال الدين لاختيار من يرونهم جديرين بتمثيل شعبنا وحثهم للتدخل بقوة في السياسة والعمل على ازاحة كل تنظيماتنا السياسية والقومية العاملة حاليآ  وبما فيها من العاجزين والاتكاليين والمنفوخين بالعظمة الفارغة والمبوقين بالشعارات الذين اصبحوا عالة على شعبنا وعلى قضايانا وحقوقنا المسلوبة والمنتهكة ، لأنهم وبصراحة غير مؤهلين جميعآ لتمثيلنا وان تجارب الخمس سنوات الماضية اثبت
وا بكل وضوح فشلهم بسبب انانيتهم وتعصبهم الطائفي والمذهبي والجهوي وان ما يفرق تلك التنظيمات وقادتها عن الاحزاب والتنظيمات الشيعية والسنية وقادتها هي في التسمية فقط . اللهم احمي شعبنا من سياسيينا الذين عينوا انفسهم اوصياء عليه ومن كل الذين يتلاعبون بمصيره ويتربصون به السوء ، اللهم آمين .


منصور توما ياقو
24/july/2008
 

 

كردسـتان الحبيبة .. كيف نبني ؟ / بقلم : حبيب تومي / اوسلو

habeebtomi@yahoo.com بقلم : حبيب تومي / اوسلو    أجل .. كردستان العزيزة كيف نبني ؟ هذا ما يجب ان نعمل من أجله . في البدء أرجو أن يعرف القارئ الكريم إنني لست كردياً ولا...
التفاصيل

مسيرة جماهيرية في أوسلو تضامنآ مع مسيحيي العراق في داخل الوطن

في الساعة الواحدة ظهرآ من يوم 30-6-2007 إنطلقت مسيرة جماهيرية حاشدة في أوسلو من أمام
التفاصيل

الديمقراطية وحقوق الأنسان في طروحات المنبر الكلداني على هامش المهرجان الآشوري الع / بقلم : سمير شبلا

                                 &n...
التفاصيل

مار شربل يظهر في لاس فيغاس/ بقلم سمير اسطيفو شبلا

      كنا قد نشرنا في 11 - 6 - 06 مقالة حول اعاجيب القديس مار شربل في عنايا .والتي اجترح خلال 3 اشهر فقط 6 اعاجيب من النوع الثقيل .اي من الاعاجيب...
التفاصيل

الحياة والموت !!! ملحمة كلكامش/ وديع زورا

    الموت  هو  الشيء  الوحيد  الذي  يحاول  البشر  تجاهله  وهو  تعبير  عن  رفضه  لذلك  يأتي  على ...
التفاصيل

المعلوم وغـير المعـروف في مؤتمر عـنكاوا/ جميـل روفائيـل

جميـل روفائيـل ـــــــــ          عـندما نشـرت موضوع  ( الغـالب والمغـلوب في مؤتمـر عـنكاوا ) أردت التـأكيد على أهمية المؤتمر بالرغـم مـن...
التفاصيل

القوش ما أحلى الرجـوع اليـكِ/ حبيب تومي - القوش

    كان السائق الشاب الكردي الذي نقلني بسيارته من جسر ابراهيم الخليل في زاخو الى القوش يسرع بسيارته الجديدة وهي تلتهم الطريق ، وهو ( السائق ) لا يدري ان قلبي يخفق بتسارع...
التفاصيل

في بغداد سكتت شهرزاد بسبب الحداد!! / بلقلم : جلال جرمكا / سويسرا

  جلال جرمكا / سويسرا  لو كان الخليفة ـ أبو جعفر المنصور ـ يعلم ماتحل بعاصمته ـ دار السلام ـ  لما أمر بتشييدها وجعلها قبلة العلم والعلماء والشعر والشعراء وقلعة التحدي للأعداء...
التفاصيل

ابن رشد في الميزان / بقلم : سمير شبلا

على هامش محاضرة قداسة البابا سمير اسطيفو شبلا     لاس فيغاس بعد مقالنا نقدم الفيلسوف ابن رشد 1126 - 1198 الذي كان له تاثير كبير على العالم الاسلامي والعربي والغربي...
التفاصيل

وأخيراًوبعد جهد جهيد وعن طريق الصدفة ... وجدت الغجرية ـ ح1 !!!/ جلال چـَرمَگـا- سويسرا

    في صيف الماضي كتبت مقالة عن لقائي بأحدى الغجريات وقرأتها فنجان قهوتي وتنبئت بالكثير وكانت أغلبية تلك التبؤات صحيحة الى حد المبالغة !!!... ( كذب المنجمون ولو صدقوا ) ....
التفاصيل