|
المثقف كلمة نسمعها تتردد على السنة الناس يصفون شخصا معينا انه مثقف ،، فمن هو المثقف؟ يخطىء من يظن ان المثقف هو من يحمل شهادة من احدى الجامعات او من قطع شوطا في ميادين العلم ، اذ ليس ضروريا ان يكون المثقف من هؤلاء ، ولكنه قد يكون منهم كما انه قد يكون من غيرهم الذين لا يتمتعون برتب الجامعات والدراسات العليا ، المثقف هو الشخص المدرك بما حوله ، الباحث عن المفيد في جميع المجالات الذي يستطيع المناقشة في كل امر من الامور سواء كانت عرقية او عقائدية او تاريخية او اجتماعية او اي ضرب من ضروب الحياة ، والمثقف يعيش حياته نهما للقراءة المتنوعة وجريا وراء الموضوع النافع والادراك التام بظواهر الامور وخفاياها ومتابعة الاخبار ، واذا لزم الامر يستطيع التحدث في كل امر باسلوب واضح مقنع لاتشوبه شائبة ، المثقف هو ان من تكون اقواله متفقة مع اعماله ، وان يكون ايجابيا في تناوله للمواضيع المختلفة
واهمية المثقف انما تنبثق من اهمية الثقافة نفسها وحاجة المجتمع اليها ، والذي يثير الوعي القومي كقضية مهمة هو المثقف ، وهنا تأتي اهمية ممارسة المثقف للتنوير تعبيرا عن مواقفه بحرية واستقلال فكري ذاتي ، خاصة اذا ما تعلق الامر بجوهر الهوية القومية ، ويميز الناس بين مثقف ساكن ومثقف متحرك ، الاول لا دور له في مجتمعه والثاني ينهض بدوره في المجتمع ، وبين مثقف منغلق ينتج ثقافة الجمود ، ومثقف متفتح ينتج ثقافة التجدد ، الاول يعيش خارج الزمن فمسيرته الى التوقف ، والثاني يواكب الزمن ويعيش فيه ، فمسيرته الى النمو ، ويميز بين مثقف مخل بواجبه الانساني يتحول قلمه الى رفض الاخر ، ولا يتحدث الا بلغة الرفض والنفي والاقصاء ، ومثقف متفتح واعي يتحدث قلمه بلغة التعددية ويمارس الحرية واحترام الاخر
من المميزات التي تشخص استمرارية الوجود الكلداني ، هذا الكم الكبير من المثقفين الكلدان ،، فالكلدان مثقفون ،، وقد ساهمت ظروف كثيرة في خلق هذه الحالة المتميزة بخصوص الكلدان ، ولعل منها الاضطهاد المستمر الذي عانت منه هذه القومية سنين عديدة وجهدها المتواصل للحفاظ على تراث الكلدان ، فقد كانوا رواد فكر وتضحية ، ولن ننسى فضل اباءنا الكنائسيين والشمامسة الكرام في التنوير والحفاظ على لغتنا وثقافتنا الكلدانية واذكر على سبيل المثال لا الحصر ( شماشا متى ) الذي تلمذ على يده العديد من الاسقافة والاباء والاساتذة والمثقفين
اجمع مفكروا ومثقفوا الكلدان في طروحاتهم على تناول القضية الكلدانية من المنظور الحقوقي والجذور التاريخية في ارض العراق ( بلاد الرافدين) والتي عرفت ايضا بأسم ( بلاد الكلدان ) وهم اذ يفعلون يسجلون وجودهم الانساني والحضاري ضمن الفلسفة المعاصرة لحقوق الانسان وحقوق الشعوب الاصيلة ،، هذه الفلسفة التي تغذي فكر وفعل الكلدان المطلبية عبر الانسانية ، وتوجه نضالها من اجل تحقيق الحرية والكرامة المتساوية لجميع بني البشر ،، بعيدا عن النفاق اللاأخلاقي والابتزاز السياسي والمعايير المزدوجة ،، والانفتاق من سائر اصناف الحجر والتعسف المادي والرمزي ، مبلورة مشاعر الاقصاء والتذويب لدى القومية المضطهدة ، في خطاب معاصر عقلاني انسانوي متفتح لم يعد في مقدور احد تجاهله ، الا ان يحكم على نفسه بالعزلة عن مواكبة ركب التقدم الانساني
ان المطالبة بالحقوق سمة من سمات المواطنة ، وان يتمتع كل الموطنين بحقوق متساوية ، وحق الحياة والكرامة للمواطن ،، فأن علينا من واجب اخر نحن الكلدان واجبا من عيار خاص ، هو واجب الحفاظ على هويتنا الكلدانية والذود عن حضارتها وتراثها والحيلولة دونها والاندثار الذي اريد لها ، وندافع عن حقها في البقاء الطبيعي ، فلا يجب ان تكون الهوية القومية حالة مرادفة لمضامين ايدلوجية وسياسية ،، وقد دأبت الافكار الشمولية والالغائية على التعمية والتجهيل بالحقوق ، او العمل على منع التثقيف والتوعية بها ، لعلمها بان الخطوة التي تلي المعرفة بالحق هي المطالبة به ، واعلم يقينا بأن هناك اصواتا كثيرة جدا ممن يؤيدون رأيي ، لكن صوتهم لا يصل الى الاعلام ، اذا لم يكن هناك مطالبين بالحق ،، فلن يتبرع من يتنعم به طواعية ،، وحتى يتنازل عنها من يعتاش بسلبها والغائها ،، لابد من المطالبة بها
تعرف الشعوب بثقافتها وتراثها وحضارتها ، وما اندثار الشعوب الا اندثار تاريخها وحضرتها .... ان الكلدان يوجودون اليوم في مفترق طرق لاثبات وجودهم بالمعنى الحضاري ، انه الخيار الجذري الذي تواجهه الشعوب الاصيلة في المنعطفات التراجدية من تاريخها ، فماذا سنختار ؟ هل نختار ان نضع نقطة النهاية لحضارة رائدة وفريدة تضرب بجذورها في اعماق الارض ، لها انجازات وتاريخ رائع مع بني الانسان ، وتجسدت علامات واشكالا ، وكلمات وحكايات تاريخية ، ام نواصلها ونغنيها ونوفر لها كافة شروط النمو والعطاء ، وهل نقصم سلسلة التناقل والتوارث الحضاري بعد ان اتصلت الاف السنين ، ام نمد فيها ونزيد حلقاتها حلقات ؟ هل نفقد ذاكرتنا وهويتنا وعاداتنا وقيمنا ام نصونها ونحييها لنحفظ بحفظها جزء من ذاكرة البشرية ؟ هل نؤدي الامانة او نضيعها انها لعمري مسؤولية واية مسؤولية هذه الملقات على كاهل هذا الجيل من الكلدان ، والتاريخ الذي انتدبه لهذه المهمة ، واما ما كان قراره فانه سيكون مصيريا ، فاءما بقاء هويته القومية واما زوالها ، وهكذا فان جيلا واحد قصير العمر مهما عمر يتحمل وزر المسؤولية عن قومية متجذرة بعمق التاريخ
الكلدانية قومية اصيلة ، لم تكن في يوم من الايام معزولة ولا منعزلة عن التاريخ البشري ، وتميزت بعلاقات وتعاون وجسرا يربط بين مختلف ثقافات شعوب المنطقة وحضاراتها ، فقد عايشت ثقافات الشعوب منذ اقدم العصور ، وصمدت للقائها وتفاعلت معها تفاعلا ايجابيا ، فثقافتها في فترات ازدهارها او انحسارها اخذت منها واعطتها ، اغتنت منها واغنتها بحيوية وانفتاح واقتدار دون عقد ودون ان يؤثر ذلك سلبيا في ملامح هويتها القومية او في مقومات اصالتها ، وكانت الكلدانية في لقائها الخصب مع تلك الثقافات تتواصل وتتفاعل بحيوية من موقع الثقة ، ولم تكن يوما على مدى تاريخها الطويل ،، تباعة ذلولا ،، ان اثبات الوجود الكلداني هذا تعبير عن الوعى ، الذى يواكبه الشعور بالمسؤولية حرصا على التراث الحي في الماضى ، واندفاعا من اجل تقويم الحاضر وتصحيحه وتطويره ، ووضع اللمسات الممكنة للمستقبل
قد يقال ان هذا الكلام قد مضى اوانه الان ، وان الكلدانية تحظي الان بحقها ، وان الكلدان صاروا مواطنين وهويتم القومية ثبتت في دستور العراق الدائم ( لا مجرد جالية او مقيمين ) اتمنى لو ان الامر كذلك ، لكن هيهات ، ان التعامل الرسمي وشبه الرسمي مع القضية الكلدانية لايزال يكتنفه الغموض ويتسم بالمناسباتية والحربائية ، وليس له من غاية على ما يبدو غير تمييع القضية والتشويش على اصحابها وتضليل عامة الكلدان
|