|
الخمر والنبيذ
اتّسمت العلاقات بين الافكار في مجتمعاتنا ، بالأنغلاق المتبادل ، بسبب وضع خطوط حمراء على مواضيع
يحرَم التطرق اليها ، ويدخل من يطرحها في خانة الشرك والكفر ، والترشح لترحيله الى باطن الأرض ، إن
كان محظوظا في طريقة الترحيل ، وإن لم يكن ، فالمحو التام للجسد .
وكانت تبريرات المتنورين ، ولا تزال ، متمسكة بعدم ملاءمة الوقت والظروف ، لطرح الأشكالات والخلافات
والأختلافات ، عكس الطرف الأخر ، الذي يصول ويجول بأفكاره وتطبيقاته القسرية . ومرت العقود وزادت
الأختلافات والمحرَمات ، ورسخت أفكار متخلفة ، وأدّت الى ما أدت اليه .
هذا موضوع ، من الممكن أن يكون بداية لتناول مواضيع أخرى محرّم تناولها ، فكريا ، ومحرّم مخالفة تطبيقاتها
انسانيا واجتماعيا ، ولا يهدف الى الأساءة أو الدحض ، بل يهدف الى أيجاد أسلوب جديد في تبادل القناعات
والافكار ، بعيدا عن أسلوب القوة والعنف والتجريح والأيذاء ، متوخيا التخلص من نقل الخلافات الفكرية الى
خلافات دموية . عسى أن تسمح الظروف لتناول مواضيع أخرى محرّمة .
قال إبن الأعرابي : سميت ( الخمر ) خمرا لأنها تركت ( فاختمرت ) وتغير ريحها ، وقال سميت بذلك
لمخامرتها العقل .
وفي تذكرة الأنطاكي : شرعا ، يطلق الخمر ، على كل ما يستر العقل ، أي يغطّيه ويفصله لوقت معيًن ومكان
ما ، ومنه كلمة الخِمار للبرقع .
والمتداول عن الخمر ، أنه السائل الناتج عن ما يعصر من العنب ، موضوعا في جِرار بعد تصفيته ,
امّا النبيذ ، فهو عصير ، تم تركه لفترة ما ، حتى فار وظهرت رغوته . والنبيذ أصناف عدة ، المشهور منها حاليا
هو ( البيرة ) المستخلصة من الشعير .
وللخمر والنبيذ الوان مختلفة ، شاع منها في عصور ما قبل الأسلام وعصر الأسلام ، ألوان الأحمر والأصفر
والأبيض .
واعتمادا على النقل التاريخي ، المُعايش مباشرة أو المنقول شفاها عبر الأجيال والمدون بعدها ، فقد كان الخمر
شرابا مفضلا في الجاهلية . وفي الجاهلية خمريات للأعشى وطرفة بن العبد ، حتى قيل إنّ ضريح الاعشى
أصبح موقعا يرتاده الفتية ويشربوا حواليه ويصبّون عليه الكؤوس .
من المعروف والمسلًم به ، أنّ ايات القران الكريم ، وأكتمال الصياغة النهائية للكتاب ، تمّت خلال السنين
المحصورة بين بدء الدعوة ووفاة النبي محمّد . بمعنى إنّ اياته إرتبطت بالظرف التأريخي ومتغيراته
وضروراته ، وما اضيف من تعليمات جديدة كان تفسيرات للفقهاء ، إختلفت بحسب زاوية النظر ، وأحيانا
المصالح السياسية والأقتصادية . لهذا نجد تغيّر الموقف في القران من قضية ما ، حسب التطور الحاصل
في تلك القضية وتداعياتها وتأثيراتها العملية .
في الطور المكّي للدعوة ، ألذي دام ثلاثة عشرة سنة وبعده فترة الهجرة المختلف في مدّتها بين الثلاثة الى
الثماني سنوات ، لم تظهر ايات تحرم الخمر ، أي أن المجتمع باتجاهاته المختلفة ، كان يشرب الخمر ، من
دون إلزامات .
الى أن جاءت الاية 219 من سورة البقرة " يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس
وإثمهما أكبر من نفعهما " والمقصود بالمنافع ، أغلب الظن ، أن العرب منذ الجاهلية كانو يستعملون النبيذ
لغايتين ، أولهما الإسكار وثانيهما تحلية مياه الابار المجّة ، إضافة الى التطبيب به .
وفي الاية 43 من سورة النساء " يا أيها ألذين امنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون "
في الايتين ، المكتوبتين في ظرفين زمنيين مختلفين ، يبدو واضحا اختلاف أسباب التحبيذ على الإبتعاد وليس
التحريم ، ففي الاية 219 نجد أن السبب صحي رغم الإثم ، وتم إعطاء الإثم حجما نسبيا بالمقارنة مع النفع ،
وقد يكون هذا الحجم أكبر بقليل فقط من النفع . أما في الاية 43 فنجد تطورا واضحا . فمن المعروف أنّ الإفراط
في شرب كميات من الخمر تؤدي ، على الأغلب الى فقدان شاربها إمكانية السيطرة على وعيه وتفكيره ، وبالتالي
الى عدم إمكانيته التحكم بما يتفوه به ، ممّا يدعو الى الإعتقاد بحصول إضطراب ما أثناء أداء الصلاة سواء في
التلاوة أو في السيطرة على النفس . ممّا دعا الى النهي عن الصلاة في حالة السكر ، ما يدفع الى التفسير بمرونة
الايتين في موضوع الخمر . ففي الأولى أوضحت المضار والمنافع وتركت الباب مفتوحا للخيارات الشخصية
، وفي الثانية حصرت النهي في أوقات الصلاة ، أي في الأوقات ألتي تحتاج الى الوعي الكامل ، ويماثلها في
المجتمع أوقات الإجتماعات الجادة ، كالمفاوضات أو أداء الإمتحانات ، أو الزيارات الإجتماعية ذات الطابع
الرسمي أو اللقاءات السياسية ألتي تحتاج الى الرسميات والوعي الكامل .
في الايتين 90 و 91 من سورة المائدة نقرأ : " يا أيها ألذين امنوا إنما الخمر والميسر والأزلام رجس من
عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفاحون . إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر
ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة . فهل أنتم منتهون " .
نجد هنا أيضا تطورا جديدا في " العداوة والبغضاء " لم يرد ذكره في الايتين السابقتين ، إضافة الى ، كما في
الايتين السابقتين ، يمنح للحرية الشخصية مجالا أوسع في الإختيار والقرار " فاجتنبوه لعلكم تفلحون " . ففي
" العداوة والبغضاء " تنبيه لما يمكن أن يؤدي إليه شرب الخمر ، وخاصة الإفراط فيه ، لإشكالات إجتماعية
أو سياسية ، خاصة ونحن نعلم بأنّ بعض من دخل الدعوة الإسلامية ، من الأولين ، كانوا من قبائل متعادية
ومتحاربة لعقود كمثل الأوس والخزرج ، أو من أفراد تفترض العلو على الاخرين كمثل القريشيين ، ممّا دعا
الى الخشية من تطور أية إدعاءات بالمفاخرة بين فريقين ، وفي حالة السكر ، أن تتطور إلى فتنة فصراع مسلح
يخلق ضعفا في بناء لا يزال في أوّله ، قد يؤدي الى فشل كامل .
إنّ الايات التي كتبت في موضوع الخمر لم تشتمل على عقوبات أرضية ، ممّا يدعو الى الإعتقاد بأن حصر
حصر النهي على الخمر كان على الحالات ألتي ذكرت فيها .
ففي القران الكريم ، ايات صريحة تتضمن كلمة التحريم ، كتحريم لحم الخنزير وتحريم زواج المحارم ......الخ
من تحريمات . إنّ التحريم تمّ على يد الفقهاء والمفسرين اللاحقين ، واختلفوا في درجة التحريم حسب قناعاتهم .
فمنهم من حرّمه نهائيا ، ومنهم من حرّم شاربه لحد السكر موقعا عليه العقوبة . وهو ما معمول به في عصرنا ،
فالقوانين تعاقب من أدّى فعل ما وألحق ضررا بالاخرين نتيجة السكر ، لا بمنع الخمر نهائيا ، لأن الضرر من
الممكن وقوعه في كل الأحوال .
لذلك من الممكن الإتفاق مع " فاجتنبوه " . وترك الخيار للحرية الشخصية المقيدة بقوانين عدم الإضرار
والإعتداء .
باسل أودو - الدنمارك
|