|
بقـلم : مايكل سـيـﭙـي / سـدني
حـدّثـني الأب المرحـوم يوحـنان ﭽـولاغ في منـتصف الستينات من القـرن الماضي بعـض الشيء عـن الأديرة والرهـبنات ، فـقال إنّ الصَّـلاة وخـدمة الناس واجـب عـلى كـل المؤمنين والمؤمنات ، ولكـن حـين يَـنـذر شـخـص نفـسَه للإنخـراط في الأديرة والعُـمُرات ، يَعـرف أنّ الحـياة فـيها وإنْ كانت طبـيعـية شـبـيهة بعـض الشيء بالأقـسام الداخـلية للطلاب والطالبات ، حـيث يخـدمون أنفـسهـم بأنفـسهـم ومتضرّعـين لرب السماوات ، إلاّ أنهـم يكـونون
مقـتـنعـين وقابلين إلزاماً بفـروض الدير الثلاث وهي :
( البتولية ، الطاعة ، العـمل ) بالإضافة إلى تجَـرّدهـم من الممتـلكات ومناصب الدنيويّات ، وإن إلإلتزام بها لا مناصّ منه وإلاّ ، فـمَن يرفـض واحـدة منها لا ينـتسب إلى الدير، وكـل ذلك إشتقاق من أقـوال ربنا يسوع المسيح ولحـياته مُحاكاة .
ولما تقـدّمَـتْ بنا السـنون واخـتبرنا الحـياة صِرنا ندرك أن رسالة الراهـب مَهَـمّـة ترتقي به إلى مستوى فـوق الأرضيات ، تـتطلب منه الإلتزام إلزاماً بالإبتعاد عـن ملذات الذات الآنيّات ، وإغـراءات الدنيا المتلاشـيات . إنه يتفـرّغ للخـَيار الذي إخـتاره لنفـسه وليس مُجـبَراً عـليه بل بمحـض إرادته الذاتية ، ويسترخـص الصكـوك الورقـية والمناصب الترابـية ليرتقي بقـلبه وذهـنه وكل أحاسيـسه إلى فـضاءات الأرواح السماوية ، فـلا يرتبط بأسْرة بل أسْرتـُه هي البشرية ، إنه شخـص واحـد في ربه الواحـد فإذا صار ذي إلهَـين مزدَوَجَـين أمسى مزدوجَ الشخـصية ، وحـينـئذ يتيه في التـنقــّل ما بـين هـذين المعـبودَين كخادم سـيّـدَين ومناقـضاً مبادئه الإنجـيلية ، فـلابدّ من أن يوقـر أحـدهـما ويهـز ذيله أمام الآخـر ، أو يحـترم الثاني ويكـره الأول ، وبذلك قـد يربح العالم كـله بقـيمته الوهـمية بعـد أن يخـسر نفـسه المشـتراة من رابية الجـلجـلة الحـقـيقـية .
وحـديثـنا عـن الطاعة فإنها لا تعـني الخـنوع ولا الخـضوع لأن في هـذين المصطلحَـين معاني الإجـحاف والظلم اللذين قـد يمتـدّان إلى ممارسة إضطهاد المرؤوس الفـقـير مِن قِـبَـل الجالس عـلى كـرسيّ الرئاسية ، والتي ستقـود لا محالة إلى ثورة الفـلاّح عـلى الإقـطاعـية ، وإنما تعـني قـبول التعـليمات والتوصيات التي يضعها رئيس الدير ذو الحـكـمة والخِـبرة ، والذي يتـّصف برجاحة العـقـل ومنطقـية الفـكـرة ، وتعادل الميزان وعـدم التسرّع في إصدارالأحـكام بالمَرة ، ورزانة الشخـصية وتواضع النفـس بالإضافة إلى دماثة الخــُلـُق وهـدوء الأعـصاب ورحابة الصدر ، يمتلىء قـلبه بالحـب والمودّة لخـدمة الآخـرين إخـوتِه ومِضياف لهـم .
فإذا زاغ الراهـب عـمّا ذكـرناه مهـما كان موقـعـه ، فإن الأسكـيم لا يكـون إلاّ رداء له ومِن ضربة الشمس يقـيه . ولما إخـتبرْتُ الحـياة العـسكـرية صرتُ أميّـز طاعـتها العـمياء المسـبوقة بدعـوة إجـبارية ، والتي بها يُكـلـّـف الجـنديّ بخـدمة الوطن الإلزامية ، ولذلك نراه منذ اليوم الأول لسَـوقه إلى الجـيش ينـتظر يوم تسريحه منه .
أما الطاعة الرهـبنية فإنها منبعـثة من رغـبة ذاتية لخـدمة البشرية ، تجـعـل الراهـب ينفــّـذ ما يترتــّب عـليه بصورة طـَوعـية ، واجـبات وتعـليمات وتوصيات تمليها عـليه قـوانين الحياة النسكـية ، مدى الحـياة برضىً تام وأفـراح قـلبـية . أما العـمل ، فـكـلنا نعـلم وقـد رأينا بأمّ أعـينـنا في ربوع بلدنا ، أن الراهـب كان يعـمل في مخـتلف قـطاعات الإنـتاج في أديرتـنا ، والبعـض القـليل لا يزال يعـمل إلى يومنا . فهـو الزارع والساقي والحاصد والطباخ والمُنظــّـف وهـو يعـمل في الكـَرْم ويعـصر العـنب ويرعى الغـنم ، ويُعَـلــّم ويتعـلـّم ويخـط الكـتب.....ولا يوجـد راهـب ينهـض لتـناول الفـطور ثم ينـتظر الغـداء ليُخـطــّط للعـشاء ، ويتــّكىء عـلى مخـدّة لمشاهـدة البرامج التلفـزيونية ، فـهـو لا يقـبل أن يُخـدَم بل يريد أن يَخـدُم مثـلما عـلـّمنا ربنا الذي هـو قـدوتـُـنا .
وأتذكـّر موقـفاً كنـتُ في زيارة عـند صديق وشاءت الصدفة أنْ حـضر كاهـن جـلسَـتـنا ، فأراد أحـد الأصدقاء من الحاضرين أن يضفي جـواً من المرح عـلى لقائـنا فـقال لي :
أما كان الأفـضل لك لو إخـترتَ لحـياتك سلك الأكـليروس فـهـو عـمل يدرّ عـليك ربحاً وفـيراً ، فـعـلـّـق مَن يهـمّـه الأمر فـوراً قائلاً :
إنّ الكاهـن ليس موظفاً ولا هـو صاحـب متجـر وإنما الكـتاب المقـدس يقـول : إنّ مَن يعـمل للمذبح يأكل من المذبح ، فـقـلتُ له : ولكـن الكتاب المقـدس يقـول أيضاً : ( كـُـنا نكرز لكـم بإنجـيل الله ونحـن عاملون ليلاً ونهاراً كي لا نـُـثـقـل عـلى أحـد منكم ) تسالونيكي الأولى 2: 9 فـلماذا لا تذكـر هـذا ؟
فـلـَم يُجـب حـضرته عـلى سؤالي ! . لا شك أن حـياة اليوم ليست كالبارحة وراهـب القـرن الحادي والعـشرين ليس كراهـب السنين الماضية ! لأن التكـنولوجـيا فـرضتْ نفـسها بمخـتلف حـقـولها ، والإنسان ومن أي موقـع كان ، لم يعـد بإمكانه الرجـوع إلى ركـوب الخـيل في بلد مترو الأنفاق ، ولا أن يـبعـث رسالة إلى مَن يهـمه الأمر بـيَـد ساعي البريد لينـتظر الجـواب بعـد أشهـر ونحـن في عـصر الإنـترنيت ، فـحـياتـنا المادية في تغـيّر مستمر ولكـن المبادىء ثابتة لا تـتغـيّر ! فـلا يمكـن تغـيـير الحـب الذي عـند الله المحَـبة ، ولا الأمانة والعـدل اللذين عـند الله الأمين والعادل ، وهـكـذا فإن القـيَم والأخـلاق التي عـلـّمها لنا الرب في إنجـيله لن تـتبدّل إذا نصبْـنا فـوق سطح منزلنا قـرصاً لإستلام البرامج التلفـزيونية من الأقـمار الإصطـناعـية .
نحـن المسيحـيّون كـلنا مدعـوّون إلى الإيمان والتوبة والإلتزام بمبادىء كِـتابنا المقـدس نبراساً ينير الدرب أمامنا للسَـير في خـُطى معـلـّمنا الأعـظم ، ولا يخـفى عـلى أحـد أنّ هـناك بـينـنا مَن تـَمـيّـز في موقـعه فـصار قـدوة لنا كراهـب الدير مثلاً فـهـو مرآة أمامنا ، نرى صورة المسيح في وجـهه ، ونسمع كـلام المسيح في أقـواله ، ونـتـتبّع أعـمال المسيح في سـلوكه ، إنه صاحـب رسالة إخـتارها كي يُبشـّرنا بها مُبتدئاً بنفـسه أولاً فـنقـلـّده نحـن ثانياً .
فـحـياته هـذه ميّـزتـْه عـنا فـصار ذي موقـع يحـسـده عـليه الكـثيرون . إنّ راهـب الدير عـلى أكـتافه صـليب المسيح يحـملُ ، ذلك الذي تفـتخـر به الجـلجـلة والجـبلُ ، وعـليه وبكل تأكـيد لا يُحابي مَن يـبحـث عـنها بنفـض جُـبّـته وبهـذا السـلوك لا يقـبلُ ، ومع مَن يُلاسـنه ويُـداهـنه لا يعـملُ ، إنه قـنديل منير يكـون له الأفـضلُ ، لو أنّ جُـهـده لخـدمتـنا نحـن الخـطاة يُبـذلُ ، ويُعـطي ما لله لله جـلّ جـلاله ، وما لقـيصر يتركـه لإبن قـيصر القاصر وحـده .
إنـنا نريد راهـبنا دَوماً بالناقـوس يـنشـغـل ، ورُتبة الأكـتاف وهْـمٌ له أجـل .
|