|
في عالمنا المعاصر كل شعوب الارض تتطلع الى السلام والصداقة والتعاون والاستقرار ونبذ الحرب ، بل ونبذ الخلاف ، ولكن شعوب الارض كلها تتطلع بشوق اكثر على حقوق كل الاقليات والشعوب الاصيلة ، ان تحافظ على هويتها القومية وثقافتها القومية ،، تبلورت مركزية الهوية القومية على امتداد اجيال في التاريخ البشري ، وتأثرت اساسا من النزاع والسيطرة والاضطهاد والاستغلال الجماعي والحرب والقتل والتصرف بمقدرات الجماعات الضعيفة ، باشكال متعددة ومختلفة ،، علينا اذن ان ننظر الى مسألة الهوية القومية من منظور تاريخي ،، بل الهوية من حيث انها وعي بالذات متطور متجدد
في هذه الظروف والمأساة التي تمر بوطننا العراق ، بلد الحضارات ،، كان منبعا للثقافة التي علمت العالم التحضر ،، من منا لا يعرف بابل وحدائقها المعلقة من منا لا يعرف حمورابي ونبوخذنصر والحضارة الكلدانية ويكفينا فخرا بأن ابراهيم ابو الانبياء قد خرج من اور الكلدانيين ،، والذي اصبحت فيه القومية الكلدانية موضوع جدل ومهاجمة وعداء من الالغائين والاقصائين ، نرى لزاما علينا مواجهة الذات وان نعاود توضيح ما هي القومية الكلدانية على حقيقتها كما يفهمها احرار الكلدان ، على وجه الارض ، ليفهمها الجيل الحاضر والأجيال المقبلة ، وليعلموا على تثبيت داعئمها ، والالتفاف حول اهدافها ومبادئها الانسانية
ولكن ما هي القومية ؟ فمقومات القومية هي اللغة والعادات والتقاليد والتراث الخ ... وللقومية ضمنيا تعاريف متعددة ، وهي لا تتناقض مع بعضها ، وكلها تصب في مصب واحد وترشد الى نفس النتيجة والغاية ، وها نحن نحتاج الى اعادة تعريف الكلدانية والقومية من جديد : ان القومية هي صفات ثابتة ومشتركة وموروث اجتماعي معين تعطيه اسم الأمة ، وان الاسباب التي توجد الأمة الواحدة ، هي وحدة التحديات التي تواجهها هذه الأمة ، ووحدة العوامل التي تؤثر في نشأتها وتطورها واثارها على ماضيها وحاضرها ومستقبلها ، ووحدة الحلول التي تحل هذه الصعاب وتعالجها ، وشعور ابناء الأمة بأنهم ابناء أمة واحدة
والهوية في جوهرها هي مجموعة من الخصائص الروحية والوجدانية والمادية التي تميز قوم عن قوم ،، هل سمعتم بأمة من الأمم تنازلت عن ذاتها القومية من اجل شعب اخر او أمة اخرى !!! لماذا نتخلى عن قوميتنا الكلدانية ، عن انتمائنا ، عن اسمنا الكلداني الضارب بعمق التاريخ ،، نحن الكلدان تلقينا الطعنات لكننا كنا اكبر منها وما زالت قوميتنا كما هي ورغم اننا نشعر بالغبن فلا يمكن ان نتخلى عن كلدانيتنا مهما حصل ، لاسيما حين تكون الكلدانية عميقة الجذور في الارض ، ولها من المقومات والروابط ما يجعل هذه القومية هي الحقيقة التي لالبس فيها ، وهي الصواب الذي لا صواب قبله ولا بعده
ان الواجب القومى يطالبنا ان نتساءل عمن هو الكلداني ،، اين هو هذا الكلداني ،، ان الكلدان ليسوا هم الكم الذى يعج في مسيحيي العراق ، وانما الكلدان هم النوع الذى يحمل هموم هويتهم القومية ، ذلك لانه لابد لمن ينحاز الى جهة ما ان يؤكد صدق انحيازه ، فتأكيد الكلدانية بالنسبة لهذا الكم غدا مطلبا لابد منه ، تماما كما هو حال ابن الأسرة المطالب بحمايتها والدفاع عنها ورعايتها ، ذلك لان عصا طاعة الوالدين يحرمه شرف انتسابه الى اسرته ، ولو كان كل هذا الكم الكبير كلدان حقا بما نعنيه من الكلدانية لما كان هذا حال الكلدانية ، بل لكانت الكلدانية في المقدمة ،، ان اقل ما يطلب من الكلداني اليوم هو ان يؤكد كلدانيته بالانحياز للكلدانية وابنائها ، والاخلاص لهما ، والعمل معهما ولهما ، والتضحية بكل الوسائل الممكنة من اجلهما
لا جدال ان القوميين الكلدان كانوا موجودين في كل مراحل التاريخ ، وكانت لهم وقفات مضيئة ، ولكن هذه المواقف كانت تأخذ ردة الفعل على المظالم والعدوان وتنتهي بانتهاء مناسبتها ،، وبالمقابل فقد ظهر مثقفون قوميون تكلموا ودافعوا عن الهوية الكلدانية امثال حبيب تومي ونزار ملاخا ومنصور توما ياقو وكوركيس مردو ومايكل سيبي واخرين لا تحضرني اسمائهم الان وارجو المعذرة ،، ووجدت جمعيات ونوادي كلدانية في داخل الوطن وفي دول المهجر ،، وفي الميدان الحزبي قامت احزاب كلدانية ،، حزب الاتحاد الديمقراطي الكلداني . والمجلس القومي الكلداني . والمنبر الديمقراطي الكلداني . وجمعية الثقافة الكلدانية ،، وفي الميدان الرسمي كانت ظاهرة غبطة ابينا وراعينا البطريرك مار عمانوئيل الثالث دلي بتثبية القومية الكلدانية في نص الدستور الدائم للعراق
فالكلدانية طاقة موجودة لدى شعبنا تفضح استهتار الاخرين ، وشعبنا الكلداني هو الاكثر حرصا على الوحدة لانه يعرف جيدا ان الوحدة له ، وهو مقاتل دائما من اجلها ، فقد ينجح هنا في تشييد دعائم الوحدة وقد يفشل هناك ، الا انها طاقة موجودة ، ان صوت مسموع مدوي قوي يوقظها ، ان موقفا كبيرا يدفع بها الى امام لتصبح شعلة لاهبة ، وحين يأتى هذا الموقف الكلداني والشعور العارم يتساءل المراقب ؟ اين كانت هذه الطاقات العظيمة الهائلة ، ومن اين جاء هذا الانسان المتفتح ، ومن اين جاء هذا الحماس للاستمرار والمثابرة
اليس الكلدانية العراقية ولدت في باديتها كما ولدت في اهوار العراق وبساتينها وجبالها ، كذلك تولد مع الشعب قوميته التي هي قدراته وامكاناته ، ان الكلدانية تظهر في كامل مراحل الشعور بالانتماء الى الشعب ، ليحمل المثقفون الكلدان الاحرار مسؤولياتهم في العمل المنظم حيث يتجسد وجود الشعب قوة فاعلة تثبت وجودها نضالا معينا ، وليس المهم ان تحقق نتيجة ايجابية مباشرة ولكنها تحققه بعد حين لان المهم اثبات الوجود ، لان اثبات الوجود يقود الى متابعة النضال من اجل توطيد الانجازات والمكتسبات ،، ان اثبات الوجود هذا تعبير عن الوعى ،، الذى يواكبه الشعور بالمسؤولية حرصا على تراث الكلدان وبقاء الهوية التاريخية ، واندفاعا واعيا من اجل تقويم الوضع المعاش وتصحيحه وتطويره ، ووضع البدائل المستقبلية الممكنة
ان مفهوم القومية الكلدانية في مرحلة الدفاع عن نفسها غير مفهومها في مرحلة بناء نفسها ، فالقومية الكلدانية اليوم هي كل موقف الشعب بنضاله من اجل اثبات وجوده القومي ، والقومية الكلدانية موجودة في مرحلة الدفاع عن النفس تماما كما هى موجودة في مجال بناء المجتمع وتطويره تطلعا لتطوير شعبنا ، فالشعور القومي الكلداني لا يموت في الشعب وان مات لدى قلة قليلة ، لا بل وان تخلف المثقفون الكلدان عن حمل رسالتهم ، فالشعب الكلداني هو النبع الثر الذي يرفد النضال القومي الكلداني بالاحرار لقيادة المسيرة ، وهذا الشعب يرى في هويته القوميته وجوده ، اننا لانزال نحمل التفاؤل والثقة بانفسنا وشعبنا الكلداني ، ونسعى جاهدين من اجل تطوير اهدافنا ، والطاقات القومية الهائلة لاتزال كامنة في هذا الشعب وهي رصيدنا الأساس ، ومن واجب المثقفين الكلدان ايقاظها لكي تحمل مسؤولياتها القومية وتصنع تاريخ الكلدان الجديد
|