|
لم تعد القراءة هي الفيصل في تحديد الاشكال والالوان ، ولم يعد ميزان الاشياء صافيا ولا عادلا ، فقد اختلطت الامور ، وتداخلت مساحات خطوط المصالح ، وتباعدت قواعد النظريات والثوابت والالوان الحمراء ، والحوادث والأحداث المأساوية التي شهدها العراق خلال السنوات الماضية منها المرعب والعجيب والمريب والمفزع ، ومنها المركب مع سبق الاصرار والترصد ، ومنها الاحداث الروتينية التي تدونها دفاتر اليومية والتي تزداد مع تكاثر الناس
لم يعد الجاهل ، ذلك الانسان المرفوض في مجتمعنا العراقي ، لانه شكل اغلبية جهلاء كاسحة ، في السياسة والادارة العليا والتجارة ومراكز الاستشارة ، وأخذ رخصة التمكين التي تضمن له الدخول الى اي مواقع من غير تكلفة ولا كبير عناء ، ان شخصية الجاهل الغني في هذا العصر اصبحت نموذجا للاحترام ،، الجاهل الان هو الذي يتقدم الصفوف ، والاجدر بقيادة المجتمع ، وهو الاجدر بقيادة المثقف ، وهو الذي يتفوق بالحماسة والنشاط والتلون وخداع الكبار
الموطن العراقي عندنا لا يسيء فهم هذه الكلمة ... الجهل ... التي نرددها كثيرا فحسب ، بل انه في الواقع لم يفهمها جيدا في اي يوم من الايام ، لقد دخل المصطلح الى قاموسنا العامي بمثابة ترجمة لكلمة ،، الامية ،، في لغات اخرى ورسخ في ذاكرة مواطننا بهذا المعنى الضيق الذي فسره الأديميون ، حتى ان المرء ، لم يعد يرى فيها شيئا مختلفا ما يجعل مراجعة هذا الخطأ ،، لكن الجهل ليس هو ... الامية ... منسوب الى الأمة الامية التي هي على اصل ولادتها لم تتعلم الكتابة ،، ولا شك ان هذه المسلمة البديهية نتيجة غير مفاجئة في الاستنتاجات والدراسات المعاصرة ، انه لا يتمثل في الامية ، الا بقدر ما يتعلق بمرض السل ، وهو مرض يصيب الرئتين ومرض معدي وفي قليل من السعال ، واذا قالوا ان الانسان قد يسعل لمئة سبب اخر غير اصابته بالسل ، فسوف ترى ان تشخيصك للمرض غير واقعي يبدو ساذجا الى حد كبير
ان المنهج الحديث في دراسة المشكلة ، يسلك مسارا مختلفا ، ويوصي بعبور لعبة الخانات المجهولة لايجاد زاوية رؤية الصواب من مكان اخر ، ورؤية الصواب بسيطة الى حد لا يصدق ، ان الجهل ليس الا بطاقة دعوة مفتوحة للفقر والمرض والتخلف ، بل انه في الواقع ،، الترجمة الوحيدة الممكنة ،، لمعنى هذه الكلمات معا ، كل ما في الامر ( لا مصيبة اعظم من الجهل ) واذا اتفقنا هنا من جانب ثاني ، ان الفقر ليس عيبا تخجل منه ، ولا الفقر ينتهي بمجرد الاقتناع النظري وحصولك على كمية كافية من المال ، بل ينتهي فقط اذا كانت الاوراق المالية مقبولة في السوق ، واذا اتفقنا على ان المال لا يقاس بما يملكه المرء ، بل بقيمة ما يملكه الانسان ، واذا كنت لا تقراء الا ما يعجبك فقط ، فسوف تجد بنفسك ، ان الجهل ايضا لا يقتصر دوره بمجرد قدرتك على القراءة في كتب المعرفة ، بل يقتصر فقط اذا عرفت حقا سواء عن طريق القراءة او عن طريق الخبرة والمعايشة ، والمشكلة بالضبط ان كل فرد يعتقد جازما انه يعرف ، اعني هذه طبيعة المتغيرات في هذه اللحظة المريعة ، فالجهل لا يملك سوى تبني علاج واحد اسمه المعرفه
ان الجهل ، هو من اقوى عوائق المعرفة والحضارة والتقدم ، واشد موانع حالة النهوض ، وهذا شان لأكبر عدد من الناس في الكثير من المجتمعات ، انه يندمج تماما مع الجهل بحسبانه هو الصواب ، وفي هذه الحالة لا يكون المرء جاهلا فقط ، وانما بينه وبين وضوح الحقيقية الكثير من الحواجز النفسية المانعة تصده عن البحث ، وتمنعه من مبدأ المراجعة ، وتقنعه بسلامة ما هو مقتنع في ذهنه ، ان المشكل ليس في وجود الجهل وانما في توهمه فعلا ، لان قد يحسب جهله علما ، يريد ان يبقى على جهله ، بل يواصل التمسك بالرأى والتعصب له بدون وجه حق ، وبذلك فان الجهل ، من اكبر المصائب التي تصيب بني البشر ، واشدها تبديدا للمجالات العلمية وللطاقة الانسانية ، واكثرها ضررا وسببا لسوء الفهم والقتال والصراعات الفردية والجماعية ، فالجهل تصعب السيطرة عليه لحظة جنونه ، بخلاف ما يعتقد الكثيرون ، وانما هو بنية شديدة التعقيد والصلابة ، ان الناس في الغالب يتعاملون مع الجهل بوصفه مشكلة فردية متطرفة نادرة تعتري بعض الناس خصوصا في بعض الحالات ، بينما ان الجهل هو الاصل في التكوينيات الثقافية التي لم تخضع للتمحيص والتحليل والمراجعة ، وهنا فرق شاسع ، بين ان يتم التعامل معه بشكل موقت عرضي فردي وعابر ، وبين ان ينظر اليه نظرة سلبية ، تظهره كمشكلة انسانية كبرى وعام
جرائم قتل وخطف واغتصاب ومظاهر فوضى ، وتفنن في سبل الانفلات والتمرد على القانون ، وجنون في تنفيذ العمل الاجرامي وسيناريوهات التزوير والغش والخداع وسرقة المال الخاص والعام ، والقفز فوق الموانع ، جعلت الجهل حاكما ومحكوما ، القاسم المشترك في هذه الظواهر هو الجهل الظاهر والمتخفي ، الذي اتسعت دائرته على الساحة العراقية ، واتخذ لنفسه موقعا مميزا ، سد به فراغات الورع والاخلاص والزهد والايثار ، وغيرها من صفات الخير المخبوءة في وجدان القلة القليلة ، لقد صارت ثقافة الجهل والجهلاء بعبعا رهيبا ، طالت نيرانه وشظاياه المجتمع العراقي ، واصبح يفعل هذا التعميم ، مطبعا معذورا مقبولا ومشكورا
في ظل الجهل ، تنمو التفرقة القومية ، والطائفية المذهبية ، واضطهاد الاقليات الدينية ، والتنكر لحقوق المرأة ، هي نتاج افرازات الافكار الظلامية التي تنمو في المجتمعات الجاهلة ، والمؤسف هو ان الاحزاب الحاكمة والمعارضة لم يتوصلا على صيغ للتعاون وايقاف التدهور الحضاري والاجتماعي والاقتصادي المالي ،، ووضع حد للفساد الاداري ،، ونهب الثروة الوطنية ( تهريب النفط ) وايقاف قتل واهانة المواطن العراقي الذي يشكو من الامراض المزمنة المستعصية التي سببتها الحروب ونقص الغذاء ونهب الحصة التموينية
لا يستطيع احد ان ينكر نفوذ الجهل وتأثيره في مجتمعنا العراقي ، فهو بائن لا يحتاج الى بحث ، متواجد في جميع الوزارات والمؤسسات والدوائر الحكومية ، ويشكل حضورا في المحافل ويلقى تشجيعا كبيرا من العلماء واصحاب السعادة ، كل ما يتحسس الانسان موقعا ، او يضع اقدامه على باب وزارة او دائرة او مؤسسة ، وجد جاهلا بكل ما تحمل الكلمة من معاني ، نافذا فيها ولا كل الرجال مسموع الكلمة ، يتحدث بلسان اولى الامر ، ويلتقي استجابة فورية ، يقف امامه امكانية الجهلاء على الاختراق والوصول ، يجعلنا نؤمن بالمثل الذي يقول يستطيع ،، الخفاش ان يكون نسرا والظلمات نورا والقزم عملاقا ، اما سر سلطة الجهلاء وانتشارهم فذلك امر اخر
|