|
حقـائق وذكريات في أربعينية سـعود الناصري / بقلم : جميل روفائيل |
|
جميـل روفـائيــل
تـوخيت في كتابة هـذا الموضـوع الـذي يتـناول أمـورا عـراقية ذات مجـالات متـنوعة وقـفت على تفاصيلـها ويمكـن اعتـبار جـوانب منـها تـأريخية ، أن أوضح مـن خلال حقائقـها الدور البـارز للشـخصية الوطنيـة والإعلامية سـعود الناصري .
سـمعت ، للمـرة الأولى ، بـاسم سـعود الناصـري في العـام 1964 ، حيث كانـت تـقدم لـه إذاعة موسـكو العربية أغنـيات وطنيـة عـراقية ، وأصـبح اسـمه مـألوفا لـديّ ، كـأي اسـم أشـعر بـالإعجاب تجاهـه مـن دون عـلاقة بيـننا .
ومـرت الأيـام ، وبـدأت أقـرأ اسـمه في جريـدة ( الجمهوريـة ) منـذ 1970 ، وأهتـم بكتابـاته ولكـن مـن دون أن يتـصادف بيـننا لقـاء على رغـم أنـني كنت بـدأت منـذ ذلـك الوقـت العمـل في جريـدة ( الثـورة ) ومجـالات إعـلامية أخـرى ، وحصـل لقـاؤنـا الأول عـام 1976 عـندما أصبحـت عضـوا في لجنـة العـلاقات الخارجية لنقـابة الصحافيـين العراقيـين ، التـي كـان عـدد أعضـائها بحـدود الخمسـة عشـر بـرئاسة الصحافية ( عضـوة مجلس النقـابة ) سـلوى زكـو ( جريدة الجمهوريـة ) وكـان مـن أعضـائها أيضـا سـعود الناصـري ( الجمهورية ) وفالـح عبدالجبـار ( طريـق الشـعب ) ( وكان الثـلاثة : سـلوى وسـعود وفالـح مـن المحسـوبين على الإنتمـاء الشـيوعي ، بينـما كان أعضاء اللجنة مـن وكالة الأنبـاء العراقية وألف بـاء وغيـري مـن الثورة يمثلون البعث وكنت أنا وأعضاء مـن صحف أخرى بيـنها العراق نشـكل المسـتـقلين ) .
إذ كانـت النقـابة في حينـه التي يرأسـها سـعد قاسم حمودي
( بعثـي ) ونائبـه فخـري كريـم ( شـيوعي ) وسـكرتيرها ضـياء حسـن
( مسـتـقل ) ومديـر إدارتها سـردار ( كردي مسـتـقل ) ، كـانت تضـم البعـثيين والشـيوعيين والمستـقلين ، ومنـذ ذلـك الوقـت توطـدت الصـداقة بيـني وبيـن سـعود وصرنا نلتـقي ( سـعود وأنـا وسـعيد القدسـي ـ جريدة العراق ـ وأحيـانا جهـاد زاير ـ العراق ) مـرة أسـبوعيا على الأقـل في أحـد مطاعـم شـارع السـعدون ، ونتـبادل الأحاديـث حيـث كـان سـعود ـ بحـق ـ بحـرا مـن المعـلومات وسـرد الأمـور الطريفـة .
وفـي أحـد اجتماعـات اتحـاد الصحافيـين العـرب في بغـداد عـام 1977 أقـامت نقـابة الصحافيـين العـراقيـين حفـلا سـاهرا للصحافيـين العرب المشـاركين في الإجتمـاع في أحـد نـوادي منطقـة الكرادة الشـرقية ، وكـان سـعود وأنـا مـن الحاضـرين لعضـويتـنا في لجنـة العـلاقات الخـارجية التـي كـانت تـتولى الإشـراف علـى زيـارة الوفـود الصحافية الأجنبـية للعـراق ، وكـان سـعود بجـدارة نجـم الحفـل اللامـع ( إلـى جانب فـؤاد سالم وسـعدي الحلي ) حيـث حمـل آلـة العـود وظـل يغـني الروائـع لأكثـر مـن سـاعة بيـن إعجـاب الحاضرين .
وكـان سـعود مـن عائلـة شـهيرة في المجاليـن الوطنـي والصحافـي ، فـقد عـرض علـيّ الصديق محمد مبـارك ( رئيس القسـم الثـقافي لتلفزيون بغداد ، وهو أديـب ونـاقد جيـد ، وخـال الصحاف الذي عيـنه عندمـا كان رئيسـا لمؤسـسة الإذاعة والتلفـزيون ، وظـل في منصـبه على رغـم أنـه كـان مستـقلا ) ، أن نـزور سـوية الشـاعر الكبير محمد مهـدي الجواهري ( وكانـت العلاقـة بيـنهما وثيـقة ) الـذي كان في زيـارة لبغـداد ( عـام 1977 ) ووجـدتها فرصـة رائعـة للقـاء الجواهري ( خصوصـا كانت تربطنـي صداقـة جيـدة مـع ابنـه فـرات الذي كـان صحافيـا في جريدة الجمهورية )
واتصـل بـه محمد مبـارك وذهبـنا سـوية إلى داره ( أعـتقد كانت في محلـة القادسية ) واسـتمرت زيارتـنا أكثـر مـن ثـلاث سـاعات ، لـم يكـن احـد غيـرنا في زيارتـه ، واسـترسل الجواهـري في الحـديث عـن ذكريـاته الخاصـة مـع الملـك فيصـل الأول والشـاعر معـروف الرصافي وعبـدالكريم قاسم ، وتطرق أيضـا إلى عـلاقته مـع والـد سـعود ( عبدالرزاق الناصري ) الذي وصفـه بالوطني الشـهم والصحافي الجـرئ . . حتـى قـال : ومـن حـق سـعود أن يفتخر لأنـه سـلك نهـج أبيـه في كـل روائعـه ، وعـندما ذكرت لسـعود مـاقاله الجواهري بحـق أبيـه . . أجـاب سـعود : كـانا دائمـا متـفقان في القضـايا الوطنيـة ويلتـقيان بصـورة متـواصلة .
وكـان سـعود مشـرفا على قسـم المنـوعات ( الصفحـة الأخيـرة ) في جـريدة الجمهورية ( التي كان يرأس تحريرها في حينه سـعد قاسم حمودي ) ويبـدو أن وجـود شـيوعيين وديمقـراطيين في جـريدة الجمهورية كـان يثـير حفيظـة غـلاة البعـثيين ، على رغـم أن الجبهة كانت لاتـزال قائمـة ، فصـدر ذات يـوم مـن عـام 1978 قـرار مـن مكتـب الإعلام في القيادة القطرية لحزب البعث الذي كـان يرأسـه صدام بنقـل نحـو عشـرين صحافيا ( شـيوعيا وديمقراطيا كانوا مـن خيرة صحافيي جريدة الجمهورية ) مـن جريدة الجمهورية إلى وظائف عـادية في دوائر الدولة ، وكـان سعود الناصري الإسـم الأول في القائمة التي ضمـت أيضا سـهيل سامي نادر ومحمد خلـف ومظهر عارف ومحمد كامل عارف وآخرين . .
ودارت الشـكوك حول عـدد مـن البعثيين فـي الجمهورية خصوصا حسـن العلوي ( الذي كان يرأس تحرير مجلة ألف بـاء التي كانت تصدر في حينه عـن دار الجمهورية ) وصادف صيف عام 1986 أن كان سـعد قاسم حمودي في زيارة لبلغراد ، وكانت علاقتي معه جيدة من خلال عضويتي في لجنة العلاقات الخارجية في نقابة الصحافيين العراقيين ، ومن ثـم رئاسته لتحرير جريدة الثورة حيث كان وافق على طلبي بالسفر إلى يوغوسلافيا للدراسة ومراسلة جريدة الثورة ، على رغم الإعتراض الشـديد من هـاني وهيب النداوي الـذي كان مديرا عـاما لجريدة الثورة في حينـه ، لأن العلاقة بيني وبين هاني كانت سـيئة .
ورأيت الفرصة سـانحة عندما كنت ذات مساء أتجول مع سـعد لوحدنا في بلغراد ، لأسـأله عن هذه القضية ، وطلبت منـه رأيه بسـعود الناصري ، فامتدحه كثيرا كإنسان وصحافي ، وقال سـعد : هـذه حقيقة على رغم اختلافي معه في الإنتماء الحزبي ، ثـم سـألته عن الشخص الذي تولى الدسيسة ضـد سعود وغيره من العاملين في الجمهورية ، فأجاب حسن العلوي ، فقلت لـه هل أنت متأكـد ؟ فقال : متـأكد لأنـني قرأت بواسطة طارق عزيز ( الذي كان نائبا لرئيس مكتب الإعلام القطري لحزب البعث ، وكانت علاقة سعد به وثيـقة منذ عام 1961 حيث كان طارق يعمل صحافيا في جريدة الحرية التي يملكها قاسم حمودي والـد سعد ) التـقرير السئ جدا الذي كتبه حسن العلوي وفيه طعن شديد بـي ( بسـعد ) على أساس أفسح المجال للشيوعيين لنشر أفكارهم من خلال الصحف الصادرة عن دار الجمهورية .
وسـألت أيضا ، لماذا ارتكب حسن العلوي هذا الجرم ؟ فأجاب سعد : كمـا أتصور كنت أنـا المقصود بدرجة رئيسية ، فقـد كان حسـن يطمح إلى ازاحتي من جريدة الجمهورية ، معتمدا على ابن خالته وشقيق زوجته عـدنان الحمداني ( عضو القيادة القطرية ووزير التخطيط في حينه الذي كان من بين الذيـن أعدموا إثر تولي صدام رئاسة الجمهورية ) ولكن فشل حسن العلوي في ذلـك على رغم نقلي بعد فترة الى رئاسة تحرير جريدة الثورة ، لأن طارق عزيز وقف ضد تعيينه ( ولـم يستطع عدنان الحمداني عمل أي شـئ لأنه لم يكن في مكتب الإعلام ) حيث تـم تعيين ( لا أتـذكر أيهما قال سعد ) سـامي مهدي أو حميد سعيد رئيسا لتحرير الجمهورية .
ورفـض سـعود العمل بوظيفة إدارية ، واحتـفظ بكرامته ، وغـادر إلى موسكو حيث عمل في وسـائل اعلامية سـوفيتية ، وانقطعت إتصالاتي معـه ، واسـتمرت معلوماتي عـنه معتـمدة على ماكنت أسمعـه عـن نشاطاتـه الإعلامية .
وبقـي في موسكو حتى إنهيار الإتحاد السوفيتي ، فانتـقل إلى لنـدن وأخذ يعمل في وسائل إعلامية متنوعة خبيرا في الشؤون الروسية ، كما عمل في مجلة ( رسالة العراق ) التي كان تصدر عـن إعلام الحزب الشيوعي العراقي في الخارج .
وفـي لندن لـم يحدث اتصال بيننا حتى عام 2000 حيث اتصـل بـي هاتـفيا وأنا في سكوبيا ، طالبا مسـاعدة ابنه عمار الذي كان وصل إلى بلغراد لبقـاء بعض الوقت حتى يهيئ سـعود أمـر انتـقاله إلى المجر ، واتصلت بأصدقاء لـي في بلغراد وقـدموا له المساعدات التي احتاجها حتى مغادرته إلى المجـر ، وكنـا خلال هـذه الفترة على إتصال دائـم .
وصادف خلال هذا الوقت أن نشرت مجلة ( رسالة العراق ) من دون أن تنتـبه إليـها ، دسيسـة لنظام صدام للإسـاءة إلى سـمعتي ، استكمـالا لإدراج اسـمي ضمن قائمة الأدباء الصحافيين الذين غادروا العراق والمرتدين التي نشرها عـدي عام 1996 ، ومنعـي من استمرار الإقامة في بلغراد منـذ صيـف 1993 بنـاء على طلب السـفارة العراقية مـن سـلطات ميلوشيفيتش بعدمـا رفضت محاولات السفارة لأكون عميلا لحزب البعث ، فحشـر إعلام صدام اسـمي رئيسـا لوفـد يوغوسلافيا إلى مؤتمر للمغتربين العراقيين في بغداد بين أسـماء رؤساء وفود المؤتمر ، وكانت الدسـيسة قـد انطـلت على ( رسالة العراق ) فنشرتها أسـوة بوسائل الإعلام الأخرى .
وذات يوم أبلغتني الصديقة فكتوريا ( أم عصام ) من الدانمارك بذلـك واستـغرابها بـها لعلمها بانـه لايمكنـني الذهاب إلى العراق ، وأرسلت لـي المنشور ، فكتبت إيضاحا حالا نافيـا مانشـر وأرسلته إلى فكتوريا الذي سـلمته إلى منظمة الحزب الشيوعي العراقي في الدانمارك التي أرسـلته بدورهـا إلى مجلة ( رسـالة العراق ) .
واتصـلت بسـعود هاتفيا ، باعتـباره يعمل في ( رسالة العراق ) إضافة إلى الصديق الصحافي فائـق بطـي ، فـأكد لي عدم ملاحظته اسـمي ، إذ لـم ينتـبه لـه لأن الخبر كان يتضمن أسماء عديدة ولـم يركز عليها ، لأنه لـو لاحظه لحذف إسـمي بالتـأكيد لمعرفته بأنـني ملاحق من قبل مخابرات البعث ولا يمكـنني الذهاب إلى العراق وأيضا أنـا ممنوع من الإقامة والذهاب إلى يوغوسلافيا ، وانتـقلت إلى مقدونيا ، فكيف أتولى رئاسة وفد دولة أنا مطرود منها ؟
وفـي 2003 وبعـد إطاحة صدام ، التـقيت في العاصمة البلغارية صوفيا بالصديق الصحافي ابراهيم الأعسم المقيم في لندن ، فأبلغـني أن سعود أصيب منـذ فترة بعجز كلوي كامل ويبحث عـن كلية لزرعها ، وبعد عودتي إلى سكوبيا اتصلت بـه ، فذكر لـي أن وضعه الصحي متـعب ومزعج لمراجعـة المستـشفى مرتيـن أسبوعيا لغسـل الـدم ولكـن معنوياته عالية ويواصل العمل الصحافي بشكل جيـد . . وتواصلت اتصالاتنا بين فتـرة وأخرى . .
حتـى قـرأت نعـي المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي ( 26 / 6 / 2007 ) لـه ، الذي جـاء فيه " . . لقـد تـرك رحيل عزيزنـا أبو عمـار أثـرا عميقـا وغصة مؤلمة في قلوب رفاقـه وأصدقائه الذين عرفوا فيه إنسانا نادرا في طيبـته ونقـاء سريرتـه ، محبـا ومحبوبا مـن الجميع . . مثـالا ملهمـا في العطـاء الإنساني والمهني والإبداعـي ، كاتبـا صحافيا مرموقـا ، وإذاعيـا ، وفنـانا ، عـاش منغمـرا في هموم شـعبه ووطنـه ، وملتصقـا بحزبـه ، رغم مـاقاسى مـن مرارات الغربة . . وداعـا سعود الناصري . . فتحت دربا للعـلا ، وعيناك ظلتـا دائما تـتطلعان إلى غـد أفضل ، وخلفت رفاقـا بنهجك يهتـدون ، ولذكرك الطيب يحفظـون " .
فـكان خبـرا مؤلمـا وقاسـيا ، ، ورغـم ذلـك أعتـبرت سـعود الناصري حيـّا بـاعتباره مـن أبطال الحرية وصاحب ذكـر حسـن عنـد كـل مـن عـرفه . . وهـو أسـمى مـايجب أن يُـخلفـه الإنسـان .
|
|
|
|
| |