في صيف 1981 حملت حقيبتي وجواز سفري قاصدا ً اوروبا عن طريق تركيا .قررت السفر الى فينا التي كنت قد زرتها عام 1980 , فأعجبت بها كثيراً , من حيث النظافة والاناقة من كثرة المتاحف والمعارض الفنية والقصور القديمة العظيمة والحدائق الغنــّاء . علاوة على اخلاق أهلها وسلوكهم الجيد مع الغرباء . وقد أحسن من قال وغنى :
ليالي الانس في فينا ! أخذت القطار من (بودابست ) عاصمة هنكاريا الى فينا عاصمة النمسا دون حجز مكان لسكناي . مما دعاني الى القلق الشديد لحل هذه المشكلة , وصلت فينا في حدود الساعة السادسة مساءاً ونزلت من القطار وحقيبتي في يدي لا أدري ماذا وأين اتجه ومن أسأل . وأنا في هذه الحيرة وأذا برجل طويل القامة نحيف الجسم حنطي البشرة قليل الشعر على عينيه نظارات طبية شفافة تاركا شارباه الخفيفان يتصلان بسكسوكة خفيفة داكنة . في العقد الخامس من عمره , أتجه نحوي وأقترب مني وسلم علىّ وكأنه على معرفة سابقة بي . فرددت التحية بأحسن منها . وسألني أن كنت انتظر أحداً . فأجبته بالنفي . ثم سألني أن كنت أريد أن يوصلني الى فندق معين أو ما شابه ذلك , , فأجبته بالنفي . فقال تفضل أذن معي الى بيتي ! فأجبته بالايجاب .
ركبت معه في سيارته الخاصة الصغيرة . وبعد نصف ساعة تقريباً . وصلنا الى عمارة في وسط المدينة ذات ثلاث طوابق , دخل هو أولاً ثم أذن لي بالدخول , وجاءت زوجته مرحبة بي وعينت لي غرفتي ومنامي وأرتني المغسلة والحمام والهاتف . وزودتني ببطاقة ( البانسيون )وعلى ظهرها خارطة بسيطة لموقع البناية وعنوانها . وكذلك أعطتني خارطة المدينة والمحلات العامة والكنائس القديمة والمتاحف والحدائق والمطاعم وكل ما يحتاجه السائح . ونبذة عن النمسا وتاريخها وأقتصادها . ونبذة أخرى عن مدينة فينا , وشكرتها كثيراً ودخلت غرفتي دون أن نتعارف . وأغلقت الباب ونمت نوما ً عميقاً , لاني كنت متعبا جدا من السفر .
وفي صباح اليوم التالي وأنا أتهيأ للخروج . لفأذا بالشخص المذكور يحييني ويطلب مني الجلوس . معه لتناول الفطور فلبت الدعوة شاكرا كرمه وحسن معاملته وثقته , وسألني أن كانت الغرفة مريحة والخدمات كاملة فأجبته بالايجاب . ثم طلب مني جواز سفري ليودون المعلومات المطلوبة . وسألني عن بلدي . فقلت أنه العراق . فقال أنه أشتبه عليّ الاسم أن كنت أقصد العراق أم أيران . فقلت له :
لا بل أنه العراق كما هو مدون في جواز سفري , فسألني عن أسم العاصمة وعدد النفوس والموقع . فأخرجت ورقة من حقيبتي ورسمت عليها نهري دجلة والفرات وشط العرب , وكذلك بغداد والبصرة والموصل ثم أخرجت مفكرتي التي تحتوي على بضعة خرائط ملونة واشرت على موقع العراق وعاصمته بغداد . فوجدت علامات الدهشة والاستفهام على محياه قائلاً لي :
أنت أذن من بلاد الرافدين وما بين النهرين قلت بلى . فقال انت من بلاد سومر وأكد ! قلت : يسعدني ويشرفني أن اكون سليل أصحاب أولى وأعرق حضارة على هذا الكوكب . قال أذن نحن أخوان . قلت نعم . البشر كلهم أخوة . قال لاأقصد الاخوة الانسانية . وأنما نحن أخوان بالفعل ! فأبتسمت وضننت ُ أنه يجاملني , قلت اني سعيد أن أجد لي أخاً في هذه المدينة التي لم يسمع بها أبي وكذلك أمي . فقال أنا أتكلم بجدية ولست بمازح , فأننا أخوان ! قلت : أكرر شكري وسعادتي بأن أجد أخاً لم تلده أمي ! ولكن قل بربك . كيف تثبت ما تقول أن كنت لا تمزح أو تجامل . وأنا من العراق وأنت من النمسا ؟ قال :
أولاً أنا لست نمساويا . وأنما أنا من الهنكار وأستقر بنا المقام هنا أنا وعائلتي بعد الثورة التي قام بها الشعب الهنكاري ضد السيطرة السوفيتية في العام 1956 . وكنت أستاذاً جامعياً مختصاً بالتاريخ القديم , وثبت لدي بعد دراسات مستفيضة و ابحاث دقيقة شتى ومصادر عديدة أننا لم نمت الى سكان اوروبا بصلة . وانما نحن نختلف كل الاختلاف عنهم , جنسا وشكلاً ولغة وتراثا . الزمن وسيطرة النمسا علينا جعلتنا جزءا منها ليحصل الاندماج ثم الذوبان , وحقيقة الامر اننا لسنا من هؤلاء ولا من أولئك . أن تاريخنا يثبت لنا , أننا والسومريين شعب ٌواحد ! وظل يسترسل في طرح آرائه وأنا أستمع اليه بكل جوارحي . وكلي آذان صاغية لكل كلمة يتفوه بها وكل حرف ينطق به . شكرته كثيراً وطلبت منه الاثباتات والمصادر كي أستطيع أن أدافع عن هذا الرأي الذي هو جديد بالنسبة لي .فرحب بالفكرة وقادني الى مكتبته الغنية بألاف المجلدات والمصورات والخرائط والكرات الارضية القديمة والساعات المائية والرملية وغيرها . فأتبهرت بها وأستغربت كيف أستطاع هذا المهاجر الهنكاري أن يجمع كل هذه الكنوز الثمينة ويحتفظ بها وينقلها معه أينما ذهب وحينما أرتحل . فصعد على درج صغير وأنزل ثلاث كتب . وبدأ يقرأ فيها ويريني الصور والخرائط الكثيرة وأشكال الرقم العديدة وقال لي :
نحن سعداء الآن لأننا نقرأ ونكتب على الورق . بينما أجدادنا كانوا يكتبون على الطين وأبتسم وقال , كان الله في عونهم فقد كان حملهم ثقيلا جدا ً , قلت له : ! بأسف أقول اني لاأفهم الهنكارية . قال صدقت . ثم صعد ثانية ’وأنزل لي كتاب بالانكيزية بعنوان المعجزة الصغيرة , وكتب لي على غلافه الداخلي ! أهدائه لي . ولا زلت محتفظا به . وعلمت أنه في مكتبة المتحف العراقي نسخة منه . ثم قرأ نتفا منه يثبت قوله ويدعم رأيه , وبالمناسبة ذكر أنه يحسن أكثرمن عشر لغات حية . فأخذت الهدية منه شاكرا ً لطفه وكرمه وغزارة معلوماته . وبدأت أقرأ فيه بالاستعانة بقاموس صغير كنت احمله معي . فأستمتعت به كثيرا جدا وأستفدت منه كثيرا ايضا . وفرحت به وكأني وقعت في كنز ثمين .وعند عودتي الى بغداد أعطيت الكتاب لاحد أقربائي المتضلعين بالانكليزية فقام مشكورا بترجمته الصحيحة الفصيحة ولا زال ينتظرالنشروالطبع ان الكتاب قد أماط اللثام عن كثير من الحقائق التاريخية . فقد ساهم في تأليفه ستة من علماء السومريات ممن لهم الباع الطويل في هذا المجال . ويساهم كثيرا من تسليط الأضواء على المسألة السومرية. التي طالما أشغلت بال العلماء والمفكريين والاثاريين