|
بقلم : حبيب تومي / اوسلو
هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته
هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته
سفينة العراق اليوم أوقعتها الأقدار في قلب عاصفة هوجاء تتقاذفها الأمواج من كل حدب وصوب وأصبحت هذه السفينة كريشة في مهب الريح . إن المخلصين من أبنائها يعملون المستحيل من أجل أنقاذ سفينتهم المباركة .
في عاصمة العراق بغداد هناك قلب ينبض بحب الوطن وحب العراق وحب الناس ، يحاول مخلصاً إنقاذ سفينة العراق من الغرق ومن الضياع ، إن هذه الجندي المجهول والأنسان العظيم هو البطريرك عمانوئيل دلي ، بطريرك بابل على الكلــــدان في العالم . هذا الجندي الشجاع أثقلت السنين كاهله ، لكنه ينطلق بحيوية وإرادة الشباب وذلك لأيمانه العميق بالله وفيض محبته لكل الناس دون تفرقة او تمييز .
غبطة البطريرك مار عمانوئيل الثالث دلي
يأبى هذا الربان العظيم ان ينجو بنفسه ويترك السفينة الغارقة لمصيرها المجهول ، إنه باقٍِ مع شعبه في محنته يتحمل مخاطر انعدام الأمن والأمان وغياب الخدمات الضرورية ، وهو يقول بقوة أيمانه :
انا آخر مسيحي يترك بغداد .
في تاريخ الحروب يذكر ان الجندي الشجاع يحترمه حتى أعداؤه ، وقرأنا قصص كثيرة من الحرب الثانية حينما كان الألمان يحترمون الجنود الأسرى الشجعان ويهينون من يعترف على اصدقائه ويعطيهم اسرار بلاده .
إن البطريرك عمانوئيل دلي يحمل كتاب الأنجيل بيد وغصن الزيتون باليد الأخرى ، ويتقدم امام شعبه ويخوض المعركة بإيمانه وإخلاصه ومحبته لكل الناس . يسقط أبنائه صرعى مغدورين ومخطوفين وتفجر كنائسه وتهجّر ملته ، ومقابل ذلك لا يدعو الى الأنتقام والغدر والثائر أو الى الكراهية والضغينة ، بل يدعو مخلصاً الى المحبة والتسامح والتصالح ونبذ الأحقاد والبغضاء والى كل ما فيه خير العراق .
هذا هو صوت الحق والأنسانية والوطنية ، لماذا تنأى المرجعيات الدينية للمسلمين ، من السنة والشيعة ، لماذا ينأون بأنفسهم عن هذه الدعوات الكريمة ؟
لماذا يجري اختطاف رجال الدين المسيحيين ؟
إن الأب سامي عبدالأحد الريس هو رجل الدين السادس الذي يختطف في بغداد ومن أجله وجه البطريرك عمانوئيل دلي نداءه الذي يقول فيه :(( نوجه هذا النداء من أعماق القلب إلى أخوتنا بالرب، أبناء عائلتنا العراقية الكبيرة الواحدة، لإخلاء سبيل رجل دينِ أخر، وهو السادس في بغداد. أختطف اليوم صباحاً بينما كان خارجاً من بيته وذاهباً إلى الكنيسة للصلاة من أجل إخوته العراقيين، دون استثناء، طالباً من الله القدير أن يمنح السلام والاستقرار والأمن لوطننا العراق العزيز، وأن تسود المحبة والأخوة بين أبناء الرافدين جميعاً لنعيش كما عاش آباؤنا وأجدادنا عاملين يداً واحدة وقلباً واحداً من أجل ازدهار الوطن ورفع شأنه بين الأمم)) . ويختتم البطريرك ندائه بقوله :
(( تعرفون جيداً أيها الأعزاء، أن رجال الدين المسيحيين لا يتدخلون بالسياسة مطلقاً ويشاطرون الجميع أحزانهم، فواجبهم هو الصلاة وخدمة النفوس، ومُعينهم هو الله وحده وهم متكلون عليه.
أملنا وطيدٌ أيها الأخوة أبناء العائلة العراقية الواحدة، أن يَلقى هذا النداء صدىً ايجابيا لديكم. فالأب سامي هو أمانة عندكم، نطلب منكم إرجاعه إلى محل خدمته الدينية التي نذر نفسه من أجلها، فهو يصلي من أجل جميع العراقيين لكي يحرسهم الرب )) .
أقول :
إن علماء الدين المسلمين مدعوون اليوم أكثر من أي وقت آخر لينهضوا بواجبهم ، نعم ( واجبهم ) الأنساني والديني والأخلاقي ، بأن يقولوا كلمتهم ، إذ هناك أناس يقتلون ويختطفون ويرتكبون أبشع الجرائم باسم الدين الأسلامي ، إنهم يشوهون الدين من أجل حفنة من الدولارات . إن الدين الأسلامي الذي يتبعه أكثر من مليار إنسان لا يمكن ان يقبل بهذه الأعمال الشائنة ، وينبغي على آية الله العظمى علي السيستاني وهو المرجع الأعلى للشيعة والسيد حارث الضاري رئيس هيئة علماء المسلمين للسنة ، عليهم أن ينطقوا بالفتوى التي تحرم مثل هذه الأعمال بحق الأقليات الدينية الغير مسلمة ، لأن الدين الأسلامي هو دين عالمي ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) ، ومن الأديان المفتوحة لكل البشر ولهذا عليه ان يتبنى منطق التسامح وحقوق الناس الآخرين من غير المسلمين .
إن معلوماتي المتواضعة تقول ان القران الكريم يكيل المديح لأبونا ابراهيم وهو اب الديانات الأبراهيمية : اليهودية والمسيحية والأسلامية وهو يطري على عيسى بوصفه المسيح أكثر من مرة ( إذا قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين القرآن 3 : 45 ) .
ولكن هنا أريد ان أشير الى حقوق الأنسان إذ نعيش في القرن الواحد والعشرين الميلادي . ونقرأ في المادة 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية للأمم المتحدة :
لا يجوز حرمان الأفراد المنتمين الى أقلية اثنية او دينية او لغوية من حق امتلاك حياتهم الثقافية الخاصة ، والمجاهرة بدينهم الخاص ، وممارسة أو استخدام لغتهم الخاصة .
لكن ليس من المعقول ان يكون همنا الوحيد ، نحن الأقليات في ظل الأسلام ، هو البقاء على قيد الحياة فقط .
نحن لا ننكر طغيان عاصفة العنف على الوطن العراقي ، لكن نحن ألأقليات الدينية والمسيحيين بصورة خاصة لسنا طرفاًفي هذا العنف .
إن الكلدانيين قاطني هذه البلاد منذ سحيق الأزمنة ، قد شيدوا حضارات إنسانية شامخة على هذه الأرض وبقوا بناة أوفياء لهذا الوطن ، وبطريركية بابل على الكلـــــدان هم أول من ساهم بقوة في بناء الدولة الوطنية العراقية في عهد المرحوم الملك فيصل الأول ، وكان البطريرك الكلـــداني في معظم عقود العهد الملكي عضواً في مجلس الأعيان المتكون من عشرين عيناً ، وقد لعب الشعب الكلــداني في العراق دوراً مهماً في ميادين البناء والتعمير والخدمات وفي مضامير السياسة والفن والأدب والصناعة ...
إن المعتدلين من الأسلام وفي مقدمتهم علماء الدين عليهم مصافحة اليد الكريمة الممدودة اليهم من قبل غبطة البطريرك عمانوئيل دلي ، إن هذا الأنسان بقلبه الواسع يمكن ان يلعب دوراً كبيراً في مهمة المساعي الحميدة لوضع لبنات المحبة والوئام وتقريب القلوب ووجهات النظر بين ألأخوة من السنة والشيعة ، منطلقاً من إيمانه بالأخوة الأنسانية ومن الهوية العراقية التي تحتضن تحت جناحيها كل المكونات العراقية من الأعراق والمذاهب والأديان ودون تمييز .
إنها يد كريمة ممدودة اليكم فصافحوها يا عقلاء الأسلام
حبيب تومي / اوسلو
|