|
ألمفكرون نادرون . وتأريخ الحضارات هو تأريخ المفكرين . وفي البلدان المتقدمة يحتل المفكرون موقعا متميزا
، عكسنا .
برز في مجتمعنا مفكرين ، الاّ أنهم لم يشكلوا حولهم حلقات من المهتمين والمتابعين والدارسين ، فقد ركز
مفكرونا على نقل النظريات ، ونشرها والدفاع عنها ، وأهملوا دراسة الواقع دراسة دقيقة وعميقة ، دراسة تنتج
نظرية تتواصل مع النظريات .
التعريف والتعرّف على النظريات مهم ، ولكن الأهم هو الواقع الموضوعي المحسوس ، ألذي ينتج النظرية . كل
النظريات تعبير عن واقع ما في زمن ما ، وما دام الواقع متغبر والزمن متغير ، فالنظرية تتغير معهما .
عانى مفكرونا ولا يزالون من أمور عدّة في عملهم الفكري يمكن إيجازها في :
1 - اسلوب تناول إشكالات الواقع وأزماته ، وكيفية التعبير عنها . فقد يكون الإسلوب المباشر في تناول قضية
ما يمس مقدسات الناس ويبعدهم عن متابعة المفكر وطروحاته ، لذا يجد المفكر أحيانا نفسه في وضع صعب
يدفعه نحو خلق اسلوب اخر لتوصيل أفكاره ، إلاّ أنّ المشكلة تكمن في طول مدة تأثيره على أذهان الناس .
الهدف المهم والأساسي للفكر هو التغيير وليس المدة ألتي يستغرقها التغيير ، رغم الرغبة القوية ألتي تمتلك
المفكر لرؤية التغيير والتقدم أثناء مدة إبداعه ، ممّا دفع بعض مفكرينا إلى المقالة ، ولكن كتابة المقالة إستغرقهم
، وأبعدهم عن صياغة فكر (( متكامل )) يقدم في شكل نظرية . ورغم أهمية المقالة في مساعدة المفكر والمثقف
لملاحقة الأحداث المتسارعة ، إلاّ أنها لا يجب ان تصبح بديلا .
2 - ونحن نتكلم عن واقعنا العراقي ، لم يحصل لحد الان أي إبداع في أسلوب إيصال الفكر ، فلا زالت الصحيفة
، بأشكالها ، هي الأسلوب السريع الوحيد لإيصال الأفكار . ولم نجد مثلا ، لقاءات مباشرة بين المفكرين
والجماهير وبشكل منظّم ومستمر . ورغم أهمية الصحيفة ، إلاّ أنّ للكلمة المسموعة وقعها ، وللقاء المباشر
والمحاورة المباشرة فوائده . ولنا في تجربة سقراط مثالا ، حيث أنه لم يترك لنا كلاما مكتوبا ، وكل ما كتب عن
أفكاره كان نقلا من تلاميذه .
3 - المشكلة الأكبر ألتي عانى منها المفكر العراقي ، وعموم المفكرين في البلدان المتخلفة حضاريا ، هي في
إنتمائه السياسي ، وخضوع إبداعه الفكري لايديولوجيا الأحزاب . ولا ضير في الإنتماء السياسي ، إلاّ أنّ
الضرر وقع على الإبداع الفكري ، وإبتعاده عن الملاحقة المستمرة للفكر الجديد ، وبقائه أسير النظرية الواحدة
والفكر الواحد ، رغم رغبة بعض المفكرين في الإبداع وتقديم الجديد ، إلاّ أنه كان اسير الحلقات ألتي يعمل
ضمنها ، فتراكمت أزماته الفكرية ، وفي أول زلزال ، إختلطت الأمور وتم السير في الإتجاه المعاكس .
لذا لا بد للمفكر أن لا يستغرقه العمل السياسي وإلتزاماته ، وأن يمنح الفكر ، إختصاصه الأساس ، وقتا و دورا
أكبر .
إنّ معاناة المفكر الثوري التقدمي تستهلك عمره ، وهو يناضل ضد أفكار الثبات والعودة إلى الماضي . وممّا يزيد
من معاناته ، هو حجم القاعدة الإجتماعية ألتي يمتلكها ، وهي هدفه الأول والأخير .
إنّ فكر الثبات والتخلف يعمل على زيادة زيادة حجم القاعدة الإجتماعية ، ويتجه نحو العقول الخاوية ألتي تمثل
النسبة الأكبر في مجتمعاتنا ، ليعشش في أدمغتها ، ويعمل على تركيز أفكاره فيها عن طريق الترديد الدائم
والممارسات المتكررة والمستمرة ، حتى ليحوّل تلك الافكار إلى عقيدة ، يكون من الصعب إنتزاعها من تلك
الأدمغة . فالتراجعات والإنكسارات ألتي حصلت لفكر الثبات والتخلف لم تثنه عن السعي للظهور بأشكال
وطروحات جديدة ، ولكنها تحمل ذات المضمون والإتجاه والهدف ، في محاولة منه لمواجهة الواقع الموضوعي
، فهو لا يأتي بجديد ، وإنما أقصى ما يفعله هو مجاورة بين قداسة فكر قديم وفكر (( جديد )) ، في محاولة لخداع
فكر التقدم وجرّه نحو مواقع فكرية متساهلة معه ، وخلق نوع من الفكر التوفيقي بين الفكرين ، لفترة زمنية يستفاد
منها في إعادة ترتيب أوضاعه للصعود والإنقضاض مرة أخرى .
إنّ محاولة الملاءمة بين فكرين متناقضين لا تتم إلاّ بعد تشويه موضوع التوافق . إنّ منح القداسة للفكر ، أي فكر
، هي ألتي تقود إلى الجمود ، منتجا التخلف عن التواصل مع الواقع المتحرك دائما إلى الأمام . ويترافق مع خطر
منح القداسة للفكر ، تقديس مبدع الفكر ، وعدم السماح للمنهج النقدي التحليلي من التقرب ، لا من الفكر فقط ، بل
حتى من حدوده . إنّ تقديس الفكر ومبدعيه ينقل الصراع من ميدانه الحقيقي ، الواقع الإجتماعي ، إلى ميدان
الصراع الفكري .
قداسة الفكر إضافة ، وليست من أصل الفكر ، وكل الأفكار هي نتاج إبداع العقل البشري ، في ظرف تأريخي
معين ، وإنعكاس لواقع معين ، تتغير باستمرار مع تغير الواقع . أفكار جديدة مع واقع جديد ، عليه لا بد من
السماح دائما للمنهج التحليلي النقدي أن يتصدى للأفكار القديمة ، ويعلن موتها أمام ولادة واقع وفكر جديدين ز
وهنا لا بد من الحذر ، من إستدعاء الفكر القديم والواقع القديم من قبل المنهج التحليلي النقدي ، فلكي يستحق
الفكر الجديد الحياة ، عليه أن يتعامل بعلمية وموضوعية في سلبه الحياة من القديم ودفاعه عن معطيات الواقع
الجديد وحضورها ,
رسالة الفكر هي التنظيم الجاد للطاقة الثورية الكامنة في الإنسان ، وتحويلها إلى فعل ثوري واعي . لا إلى تفريغ
تلك الطاقة وتبخيرها وتسكينها أو توجيهها في أنشطة إستلابية مزيفة بغرض تمييعها وقتلها .
على الفكر السير مع الواقع ، والتعبير عنه ، والتغير معه ، وبما أنّ الواقع متحرك أماما ، فعلى الفكر السير معه
أماما أيضا ، والعيش معه والتحدث بلغته ومستواه ، فكل نص أو فكر بدون واقع هو نص وفكر فارغ .
|